• ١٧ كانون ثاني/يناير ٢٠٢١ | ٣ جمادى الثانية ١٤٤٢ هـ
البلاغ

أحلى الصباحات صباحاتها

فاتن بكر

أحلى الصباحات صباحاتها

 

اكتشفت شرفتها بالصدفة حين كنت أسقي نباتاتي.. لأوّل مرة شعرت بأني لم أعر تلك الشرفة أدنى اهتمام في السابق، مع أنها تقع مقابل شرفتي.. كانت الشرفة الوحيدة دائمة الخضرة في بناء رمادي اللون، كثيب، كانت البناية شبه فارغة من سكانها ودهشت أن تكون تلك الشرفة الصغيرة مفعمة بالحياة. أصبح لديّ هوس كل مساء أن أجلس في شرفتي وأراقب النباتات وهي تنمو ببطء.. أرشف فنجان قهوتي بتلذذ.. لم يكن أحد يظهر من الإنس.. لا أحد يفتح ذلك الباب الخشبي الموصد منذ أسابيع.. لا أنوار تضاء في الليل، فقط ثمة شبح غريب يتجول في المنزل ثمّ يختفي فجأة. أشعلت سيجارتي وبدأت أنسج خيالات وقصصاً عن تلك الشرفة النائية. من تراه يكون ذلك المختفي وراء الستائر ويأبى أن يظهر؟ كان الشبح الغريب يظهر كل يومين في البيت ثمّ يختفي كعادته بسرعة، جعلني ذلك في حالة استنفار وتساؤل.. لماذا يأبى الخروج في هذا الطقس الحار ذات لحظة، بينما كنت مسترخياً بطولي على الكرسي متلذذاً بالنسيم البارد القادم على البساتين القريبة، رأيتها تفتح الباب وتخرج لأوّل مرة بعد طول انتظار.. كانت طويلة القامة.. تختال بثوبها الأزرق كحورية بحر، أمسكت وعاء الري وبدأت تسقي نباتاتها.. وبدا لي أنّها تستمتع بعملها.. لأنّها ما فتئت تنحي على النباتات وتلمسها وكأنّها قطعة من جسدها.. لحظات لم أشبع منها.. لأنّها فجأة أنهت عملها وغادرت بسرعة يلاحقها طرف ثوبها الذي يتأرجح مع النسيم. انتظرتها أن تخرج في الليل.. عند حدود الفجر.. في آخر النهار.. لكنها لم تخرج.. شبحها هو الذي كان يتجول عند حدود الستائر الشفافة. كانت مساءاتي كلها متشابهة قبل أن أراها.. اليوم يجر نفسه من دون ملل حتى أضجرني.. بدأت أحصي عدد البراعم التي بدأت تزهر بفضلها، أتلصص على نافذتها علها تضاء ولو لدقائق. أحببت شرفتها الصغيرة كثيرة الألوان.. أحببتها من دون أن أدري.. ذلك البريق الخاطف من حيائها جعلني أفكر بجنون أن أحادثها.. لم عليّ الانتظار أكثر. إننا قريبان حد التواصل، إنها ما فتئت تنظر نحوي كلما سقت نباتاتها.. لابدّ أنها تفكر فيّ أيضاً وتنتظر مني المبادرة الأولى. ذات صباح محمل بالاشتياق والحب قصدت بابها.. كانت أطرافي ترتجف وكأنني أمام امتحان صعب، طرقت الباب وأنا مسلح بمئات الأعذار أمام أحد غريب غيرها يفتح الباب. كانت لحظات طويلة، مثقلة بالرهبة والخوف، مشحونة بالحب، حتى تأخيرها يبدو لي جميلاً وحالماً، طرقت الباب مرة ثانية وثالثة حتى تعبت، فجاة يفتح باب الشقة المجاورة وأسمع صوتاً أنثوياً هادئاً يقول لي: -        عفواً.. هل تريد أحداً؟ التفت نحوها ورأيتها لأوّل مرة عن قرب: عينان عسليتان تتوهجان بالصحة والجمال، قوام ممشوق مختبئ تحت ثوب فضفاض، شعرت بأني أريد أن أضمها.. أن أخبرها كم من الليالي مضت علي وأنا أفكر فيها وانتظرها كأرض قاحلة ترجو قطرة الماء. -        سألتك هل تريد أحداً؟ أعادني سؤالها إلى رشدي من جديد: -        في الواقع.. أنا.. يخيل إليّ أن أحداً في البيت.. لذا.. قاطعتني مبتسمة: -        البيت مهجور منذ عام. لكن صاحبة البيت أوصتني أن أرعى نباتاتها في غيابها، هل أنت أحد أقربائها؟ لم أسمع صدى صوتي عندما قلت لها لا.. بدا لي أنّه سيغمى عليّ أمامها من فرط كآبتي، فجأة برز وجه طفل صغير من وراء ظهرها قائلاً: -        ماما.. باب يقول لك من على الباب؟ -        جارنا يسأل عن العمة حنان. ثمّ التفتت إليّ مستدركة: -        على كل حال حنان ستعود بعد أسبوعين.. -        شكراً لك.. سيدتي. بعد أسبوعين، عادت الحياة إلى الشرفة المهجورة، لم يعد ذلك الشبح الغريب يتجول في البيت، أصبحت الشرفة تشبه كل شرفات الحي، وشعرت بأني أريد أن أبكي لأنّها لم تعد تعني لي شيئاً.

ارسال التعليق

Top