• ٢١ كانون ثاني/يناير ٢٠٢١ | ٧ جمادى الثانية ١٤٤٢ هـ
البلاغ

أهمية الحياة المعنوية في المنظور القرآني

د. مهدي جلشني*

أهمية الحياة المعنوية في المنظور القرآني
للإنسان، في المنظور القرآني، بُعدان: مادي ومعنوي. إلا أن ما يصوغ شخصية الإنسان ويمنحه السعادة الأبدية هو بعده المعنوي. لذلك ينبغي على الإنسان أن يضع بُعده المادي في خدمة بُعده المعنوي، ويمكن تحقيق ذلك بتنمية جميع الإمكانات البناءة في الإنسان، وبكبح جميع الإمكانات الهدّامة الكامنة فيه. ومن الخصائص المهمة التي تعين المرء على ذلك هي (التقوى). فإذا استطاع المؤمن المتقي أن ينمّي قدرته العقلية كان قميناً بأن يبلغ مقام خليفة الله في الأرض.   -        تقديم: هناك أشياء كثيرة يحس بها الإنسان عن طريق حواسه، وهناك أشياء كثيرة أخرى يحس بها، ولكنها ليست ملموسة، فالأولى هي الأشياء المادية، والثانية هي الأمور المعنوية. وفي القرآن المجيد إشارات إلى كلا البعدين المادي والمعنوي في الإنسان، فهو يتكلم على جسم الإنسان وحاجاته المادية: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) (المؤمنون/ 12-14). (كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلا تَطْغَوْا فِيهِ) (طه/ 81). وهو يتحدّث عن البعد المعنوي في الإنسان وخصائصه وإمكاناته. فهو، مثلاً، يشير إلى قدرة الإنسان على التعلم: (الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) (العلق/ 4-5) ثمّ هو يتحدّث عن حرية الإنسان فيقول: (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) (الكهف/ 29). يعتقد الماديون بأنّ الإنسان قد خُلق من المادة وحدها، وأنّه محكوم بالقوانين نفسها التي تحكم الأجسام المادية الأخرى. غير أنّ القرآن يرى الإنسان مخلوقاً ذا بعدين، فله جوانبه المادية المحسّة التي يمكن تحليلها، وله جوانب أخرى فوق الطبيعة لا تدرك بالحواس، وإنما نحن ندركها بآثارها. ويمكن أن نستقرئ الإنسان الثنائي الأبعاد، على سبيل المثال، في الآيات التالية: 1-    (وَفِي الأرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ) (الذاريات/ 20-21). فالله يفصل هنا النفس الإنسانية عن الأرض، على الرغم من أنّه يعيش عليها. 2-    (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ) (فصلت/ 53). وهنا أيضاً يتميز العالم الخارجي عن الروح البشرية. 3-    (فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ) (الحجر/ 29). 4-    (وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ) (البقرة/ 154). يقول البيضاوي في تفسيره لهذه الآية: "وفيها دلالة على أنّ الأرواح جواهر قائمة بأنفسها مغايرة لما يحس به من البدن تبقى بعد الموت دراكة، وعليه جمهور الصحابة والتابعين، وبه نطقت الآيات والسنن، وعلى هذا فتخصيص الشهداء لاختصاصهم بالقرب من الله ومزيد البهجة والكرامة".   -        أفضلية البُعد المعنوي: على الرغم من أنّ للإنسان خصائصه المادية والمعنوية، فإنّ الجانب الأهم فيه هو النفس الإنسانية، لا جسمه. إن ما يكوّن شخصية الإنسان ويبقى خالداً ليس هو الجسم، بل هو روحه. إن تقدم الإنسان، في معظمه، يعود إلى خصائصه الروحية، وهو عن طريق النفس يكون قادراً على التمييز بين الحق والباطل، والجيِّد والرديء، ولكن من الناحية البايولوجية لا يختلف الناس بعضهم عن بعض كثيراً، فالصالح والطالح من الناس لا يختلفان من حيث التكوين الجسمي. ولكن من الناحية الروحية يكون الأوّل فوق الوجود المادي، ويكون الثاني أقرب إلى الحيوان.   -        اتجاهات النفس الإنسانية وامكاناتها: في النظرة القرآنية، ليس الإنسان محكوماً للقدر، بل هو قادر على أن يختار طريقه في الحياة: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا) (الإنسان/ 3). ولكن، مع ذلك، لم يترك ليعبث كما يشاء: (أَيَحْسَبُ الإنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى) (القيادة/ 36). في واقع الأمر، جُهز الإنسان بمختلف الميول والإمكانات، مثل: 1-    بعض الادراك عن الحسن والسيء: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) (الشمس/ 7-8). 2-    شيء من الهداية الفطرية: (قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) (طه/ 50). (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) (الروم/ 30). 3-    حرية الإرادة: (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) (الكهف/ 29). فكل واحدة من هذه الإمكانات والمعالم توجّه الإنسان وجهة معينة، بعضها بنّاء وبعضها هدّام. إن من بين أهم إمكانات النفس الإنسانية البناءة ما يلي: 1-    الميل اللاإرادي نحو البحث عن الله: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا...) (الأعراف/ 172). 2-    الميل نحو التقدم المستمر: (يَا أَيُّهَا الإنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاقِيهِ) (الإنشقاق/ 6). 3-    الميل نحو البحث عن الحقيقة وحب العدالة والعلم ووقاية النفس وأمثال ذلك. هذه الميول تكوينية بالقوة في ابناء البشر ويمكن السيطرة عليها، وللإنتقال بها من بالقوة إلى بالفعل، ينبغي على الإنسان أن يعد لذلك عدته. فإذا سعى المرء في إنجاح ميوله البناءة هذه فقد يصبح خليفة الله في الأرض. ولكن، من الناحية الأخرى، إذا لم يسع سعيه ذاك وأسلم نفسه للرخاء المادي فحسب، فإن إمكاناته الهدامة سوف تتاح لها الفرصة للتطور والنمو، فيصبح، تبعاً لذلك، في أسفل السافلين: (ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ) (التين/ 5). إنّ وجود هذه الميول المتضاربة في الإنسان هي التي وضعته موضع الامتحان: (إِنَّا خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا) (الإنسان/ 2). وإن ما يملكه الإنسان من حرية في الإرادة وموهبة للتعلم هما اللذان جعلاه مخلوقاً مسؤولاً. (.. إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولا) (الإسراء/ 36).   -        الحياة المادية سلّم للحياة المعنوية: في القرآن المجيد وفي السنة النبوية إشارات متعددة إلى "الدنيا" وفيهما نقد شديد للدنيوية. من البديهي إنّ الدنيوية لا تعني الأرض والسماء وما إلى ذلك، فهذه من مخلوقات الله. إنّ المقصود من الدنيا والدنيوية هو الاقتصار على الشؤون المادية فحسب. يرى الغزالي انّ الدنيا هي الأشياء الموجودة في هذا العالم، والتي فيها للإنسان حظ ومتعة، وعليه أن يعمل ليجعلها تنفع حياته، أي إنها تخلق له العمل: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) (آل عمران/ 14). هذه الآية تؤكد هذا الرأي، فتلك هي الأشياء التي تخلب لب الإنسان وتمنعه من التفكير في خلق الله وقرب الإنسان منه. يقول القرآن انّ الحياة الدنيا لهو ولعب وتفاخر وطلب المزيد من الثروة والولد: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأمْوَالِ وَالأوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ) (الحديد /20). وفي الآية التالية يدعو الله الناس إلى السباق الكبير الذي هدفه نيل مرضاة الله: (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ...) (الحديد/ 21). ثمّ يذكّرنا بحقيقة كون جميع المصائب الطبيعية إنما هي مكتوبة من قبل: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الأرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا) (الحديد/ 22). هذه المصائب تهيب بنا أن لا نكون عبيداً لبهارج الحياة، وعلى المرء أن لا يحزن لما فاته ولا يفرح بما عنده: (لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ) (الحديد/ 23). وذلك لأنّ الحياة في هذه الدنيا عابرة، ولأنّ متّعها لا يمكن أن نقارنها بالحياة المعنوية، فينبغي على الإنسان أن لا يقتصر على الشؤون الدنيوية، وأن لا يشغل نفسه بالأمور المادية بحيث ينسى هدف الحياة وهو التقرب إلى الله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (المنافقون/ 9). إلّا أنّ الإنسان ينبغي أن لا يهمل الجانب المادي: (وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا...) (القصص/ 77). وإلا فإنّ المرء لن يجد مطيّة لهذه الرحلة الروحية. إنّ أهمية الحياة المادية تكمن في كونها مجرد مرحلة انتقال، لذلك ينبغي أن لا يحسبها المرء غاية بذاتها: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلا) (الكهف/ 46). ولئن كان الإنسان مزوداً بالوسائل المادية، فما ذلك إلّا لأنّها ضرورية لتكامله، فالله لم يخلق شيئاً عبثاً (المؤمنون/ 115)، والأفضلية للحياة المعنوية، وعلى الحياة المادية أن تكون في خدمة الحياة المعنوية: (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلا) (الكهف/ 7). يروي الإمام فخرالدين الرازي في تفسيره للآية (الحديد/ 20)، عن سعيد بن جبير: "الدنيا متاع الغرور إذا ألهتك عن طلب الآخرة، فأما إذا دعتك إلى طلب رضوان الله وطلب الآخرة فنعم الوسيلة".   -        خصائص الحياة المعنوية: جاء في القرآن المجيد إنّ الله سبحانه وتعالى قد خلق المخلوقات لكي يعبدوه ويبتغوا رضوانه: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات/ 56). والعبادة، في معناها الأعم، تشمل كل ما يجعل الإنسان أقرب إلى الله. لذلك ينبغي على الإنسان أن يتعرف ما يزيد في تسارع هذا التحرك وما يحول دون ذلك. الحياة المعنوية، في المنظور الإسلامي، هي تلك الحياة التي يكيف فيها المرء نفسه مع الأمر الإلهي بهدف القرب منه: (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الأنعام/ 162). إنّ أهم العوامل التي تحول دون تكامل الإنسان معنوياً وتلوّث روحه هو الإنقياد للهوى والتعلق بجوانب الحياة المادية: (وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) (ص/ 26). (فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا) (النساء/ 135). (زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (البقرة/ 212). إنّ سيطرة الأهواء على الإنسان تجعل الظلام يغشى روحه وتسمح للصفات الذميمة بالظهور: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ...؟) (الجاثية/ 23). ولقد قال الإمام علي (ع): "ألا إن أخوف ما أخاف عليكم خصلتين: إتّباع الهوى وطول الأمل. أما اتباع الهوى فيصد عن الحق، وطول الأمل ينسي الآخرة". إذن، من أجل نيل السعادة والعبور إلى الجنة، على المرء أن يطهّر نفسه وأن يصارع رغبته في اللذات المادية: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) (الشمس/ 9-10). (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (الحشر/ 9). (جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى) (طه/ 76). إنّ النتيجة الكبرى لتزكية النفس هي نمو حالة مهمة تسمى (التقوى)، وهي حالة يصبح فيها المرء مصوناً عن ارتكاب الإثم، وقادراً على كبح أهوائه، ويتقدم نحو الله تحت قيادة فكره النقي: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ) (الأعراف/ 201). ولهذا يرى القرآن التقوى هي الأساس لتطور المرء وتكامله. (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) (التوبة/ 109). يعتبر القرآن الكريم التقوى خير زاد للآخرة: (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) (البقرة/ 197). ويراها هي معيار الأفضلية على سائر المخلوقات: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات/ 13). ومن أهم النتائج الثانوية للتقوى ما يلي: 1-    التقوى تخفف عن القلب وتمكّن المرء من التمييز بين الحق والباطل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا) (الأنفال/ 29). (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ) (البقرة/ 282). 2-    التقوى حصن الإيمان: (وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (المائدة/ 57). وتعدّ المرء للقيام بالصالحات من الأعمال: (وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) (الحج/ 32). (لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ) (التوبة/ 44). ولا شك في أنّ الإيمان والعمل الصالح يؤديان إلى حياة طيبة: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (النحل/ 97). 3-    يذكر القرآن الكريم إنّ المتقين يتفكرون في آيات الله في الكون: (إِنَّ فِي اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ) (يونس/ 6). هذه الآية والآيات التي سبق ذكرها تدل على أنّ للتقوى، بالمفهوم القرآني، معاني غنية جدّاً، وأن من يتصف بها يكون قد حاز على جميع ما تقتضيه الحياة المعنوية. إنّ من كان هذا شأنه لقادرٍ على تجنب وساوس الشيطان، ويملك ما يتطلبه القيام بالأعمال الصالحات، وله المؤهلات الفكرية اللازمة للتفكر في جميل صنع الله، ويدرك معنى الحياة والغرض منها، ولن تهزه الأحداث والنكبات، وهو، لتوجهه نحو الله، يكون قد بلغ مرحلة الطمأنينة والهدوء. (أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد/ 28). وللامام علي (ع) كلام رائع في وصف الذين تمكنت التقوى من قلوبهم: "فالمتقون فيها هم أهل الفضائل، منطقهم الصواب، وملبسهم الاقتصاد، ومشيهم التواضع. غضوا أبصارهم عمّا حرم الله عليهم، ووقفوا أسماعهم على العلم النافع لهم. نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالتي نُزّلت في الرخاء. ولولا الأجل الذي كتب لهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين شوقاً إلى الثواب، وخوفاً من العقبات. عظُم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم، فهم والجنة كمن قد رآها فهم فيها منعمون، وهم والنار كمن قد رآها فهم فيها معذبون... وأجسادهم نحيفة، وحاجاتهم خفيفة، وأنفسهم عفيفة. صبروا أياماً قصيرة أعقبتهم راحة طويلة. تجارة مربحة يسَّرها لهم ربهم. أرادتهم الدنيا فلم يريدوها، وأسرتهم ففدوا أنفسهم منها... فمن علامة أحدهم إنك ترى له قوة في دين، وحزماً في لين، وإيماناً في يقين، وحرصاً في علم، وعلماً في حلم، وقصداً في غنى، وخشوعاً في عبادة، وتجملاً في فاقة، وصبراً في شدة، وطلباً في حلال، ونشاطاً في هدى، وتحرجاً عن طمع... يمزج الحلم بالعلم، والقول بالعمل. تراه قريباً أمله، قليلاً زللـه، خاشعاً قلبه، قانعةً نفسه، منزوراً أكله، سهلاً أمره، حريزاً دِينه، ميتةً شهوته، مكظوماً غيظه. الخير منه مأمول، والشر منه مأمون..." (نهج البلاغة، الخطبة 193). لو أن صاحب إيمان وتقوى ربّى قابليته الفكرية ووجهها للتأمل في آيات الله في الكون، لبلغ تلك المرحلة التي يصبح فيها خليفة الله، تلك المرحلة جعلت الملائكة يسجدون (سورة البقرة، الآيات 31-3). ولئن بلغ الإنسان هذا المبلغ لأصبحت يد الله يده، وعين الله عينه... قد جاء في حديث شريف عن نبينا (ص) ان الله سبحانه وتعالى قال: "وانّه ليتقرب إليّ بالنافلة حتى أحبه، فإذا أحببته كنت اذاً سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ولسانه الذي ينطق به، ويده التي يبطش بها. إن داني أجبته وإن سألني أعطيته". هكذا هي الحياة المعنوية، حياة مليئة بالرضى والتقرب إلى حضرة المليك المقتدر.

(إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ) (القمر/ 54-55).

*أستاذ في الفيزياء

المصدر: مجلة آفاق الحضارة الإسلامية/ العدد الأوّل لسنة 1996م

ارسال التعليق

Top