• ٥ كانون أول/ديسمبر ٢٠٢٠ | ١٩ ربيع الثاني ١٤٤٢ هـ
البلاغ

ازدواج الفكر والعاطفة في نفس المسلم

السيد محمّد باقر الصدر

ازدواج الفكر والعاطفة في نفس المسلم

◄(أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ) (الحديد/ 16).

ألم يأن لهؤلاء الذين أضاء الإيمان عقولهم وتمكنت العقيدة من نفوسهم وتبين لهم الحقّ متجسداً في أشرف رسالات السماء أن يفجر هذا الإيمان في نفوسهم موجاً من العاطفة ويشعَّ فيها انفعالاً خاصاً يتفق مع طبيعة ذلك الإيمان وجوهره حتى تمتلئ قلوبهم بالخشوع للحقِّ والانقياد له والانصياع إلى أوامره ونواهيه.

وبهذا يعلن الإسلام عن ضرورة ازدواج الفكر والعاطفة واجتماع العقيدة وما تتطلبه من ألوان الانفعال والإحساس حتى تدب الحياة في العقيدة وتصبح مصدر حركة وقوة دفع وليست مجرد فكرة عقلية لا يخفق ولا يستجيب لها الحس ولا تتدفق بالحياة.

وهذه هي السياسة العامة للدعوة الإسلامية. فهي دعوة فكر وعاطفة أو بالأحرى دعوة إلى عقيدة بكلِّ ما تتطلبه من مفاهيم وعواطف وليست دعوة فكرية خالصة تستهدف تطوير العقيدة طبقاً لها، وتقف عند هذا الحد، كالمذاهب الفلسفية المجردة، كما أنّها ليست في مستوى الدعوات العاطفية المنخفضة التي تستغل العاطفة فحسب وتعنى بتربيتها دون أن تقوم على أسس فكرية خاصة. بل للدعوة الإسلامية طريقتها الخاصة في مزج الفكرة بالعاطفة، وتفجير العواطف على أساس فكري وبذلك تبقى محتفظة بالطابع الفكري بالرغم من اهتمامها بالجانب العاطفي وتنميته في الشخصية الإسلامية لأنها تستوحي كلّ عاطفة من مفهوم معيّن من مفاهيمها عن الحياة، والكون والإنسان.

فالعواطف الإسلامية دائماً نتيجة المفاهيم والأفكار الإسلامية وانعكاسات انفعالية لها. ولهذا نجد أنّ الإسلام يهيئ كلّ عقيدة لعاطفة خاصة تنسجم مع ذلك المفهوم أو تلك العقيدة وتتفق وإياهما كما وجدنا في الآية الكريمة، كيف ربط بين الإيمان بالشريعة الحقة والخشوع لها، هذا الخشوع الذي هو لون من الانفعال العاطفي يتطلبه ذلك الإيمان ويصبح بدونه مجرداً عن أيّة فعالية إيجابية.

والسبب في هذا الربط بين المفاهيم والعواطف في الإسلام واضح كلّ الوضوح، لأنّ الإسلام لا يريد المفاهيم والأفكار بمعزل عن العمل والتطبيق، وإنما يريدها قوىً دافعة لبناء حياة كاملة في إطارها وضمن حدودها، ومن الواضح أنّ الأفكار والمفاهيم لا تصبح كذلك إلّا حين تتخذ أشكالاً عاطفية، وحين تخلق الانفعالات التي تناسبها والعواطف التي تساندها، تتخذ هذه العواطف موقفاً إيجابياً في توجيه الحياة العملية والسلوك العام. فمفهوم المساواة – مثلاً – الذي هو من أهم المفاهيم التي بشّر بها الإسلام، لا يمكن أن يثمر في الحقل العملي الثمر المطلوب، ما لم تنبثق من هذا المفهوم عاطفة كعاطفة الأخوة العامة التي عمل الإسلام لإيجادها في نفس المسلم وربطها بمفهومه الخاص عن المساواة ليصاغ المفهوم في شعور عاطفي دفّاق قادر على الحركة والتوجيه طبقاً لمتطلبات المفهوم.

وعلى ضوء ذلك نستطيع أن نرتب ما يلي:

أوّلاً: إنّ العقيدة كما يجب أن تكون، قاعدة فكرية للشخصية الإسلامية وحجر الزاوية في تفكيرنا ومفاهيمنا، وكذلك يجب أن تكون قاعدة للعواطف التي تنشأ عليها الشخصية الإسلامية، وتُنَمّى فيها بمختلف الوسائل والأساليب لأنّ العواطف التي يرتضيها الإسلام للمسلم هي العواطف الفكرية أي العواطف التي ترتكز على مفاهيم فكرية معينة.

وحيث أنّ الإسلام هو القاعدة الأساسية للمفاهيم الفكرية التي تتكون منها العقلية الإسلامية كان من نتيجة ذلك طبعاً أن يكون هو القاعدة والينبوع الأساسي لأعمق العواطف التي تتكون منها النفسية الإسلامية، وبمقدار ما تكون الرسالة أكثر عمقاً وتركزاً في موضعها الرئيسي من عواطف المسلم ترتفع شخصيته النفسية، ويكتمل طابعه الإسلامي، كما ترتفع شخصيته الفكرية ويكتمل طابعه بمقدار وجود القاعدة الإسلامية وتمركزها فيها.

وقد عبر القرآن الكريم تعبيراً رائعاً عن العقيدة الإسلامية بصفتها الينبوع الأساسي لأعمق العواطف في النفسية الإسلامية إذ قال: (قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) (التوبة/ 24).

فالعقيدة الإسلامية ينبغي أن تكون في نظر الإسلام ينبوعاً لأعمق العواطف في نفس المسلم، كعاطفة الحب العميق لله ولرسوله ولرسالته التي تسمو على كلِّ عاطفة وتهون في سبيلها كلُّ العلائق، علائق الأبوة، والبنوّة والأخوّة والزوجية والعشيرة وعلائق المال والتجارة والمسكن ويقوم على أساسها التقدير العاطفي لكلِّ موقف ولكلِّ واقع.

ثانياً: إنّ الطريقة العامة للإسلام لما كانت قائمة على مزج الفكرة بالعاطفة جاز للدعوة الإسلامية أن تمزج الفكرة بالعاطفة في تبشيرها ووسائلها وأن تعتبر العواطف الموجودة في المجتمع التي تساعدها على إنجاح سياستها، من القوى التي تتملكها في سبيل التبشير ولكن شريطة أن يتوفر على مفاهيم فكرية معينة تتفق ووجهة نظر الإسلام العامة.

وأمّا العواطف السطحية المائعة التي لا تستند إلى مفهوم والتي يثيرها الإحساس أكثر مما يثيرها الفكر فليس من الصحيح للدعوة أن ترتكز على هذه العواطف لأنّ انتشار هذه العواطف المنخفضة الذي يؤدّي إلى سيطرتها في المجتمع يشكل خطراً على الدعوات الفكرية التي تحاول الارتفاع بذهنية الأُمّة إلى المستوى الفكري والتسامي بها عن المشاعر المرتجلة والأحاسيس الساذجة.

وأكثر من تلك العواطف السطحية خطراً العواطف التي تستمد جذورها النفسية من مفاهيم فكرية تتعارض مع مفاهيم الدعوة، وإن أمكن للدعوة أن تجند تلك العواطف في سبيل الوصول إلى هدف معيّن وتحطيم قوة معارضة في الميدان أو تستخدمها وتستثمرها إلى فترة معينة كما تفعل بعض الدعوات التي تتستر في كثير من مراحلها بواجهات تستهوي عواطف الناس بالرغم من مناقضة مفاهيمها لتلك العواطف.

إنّ دعوة فكرية كالدعوة الإسلامية التي تستهدف قبل كلّ شيء إمتلاك واقع الأُمّة العقلي والنفسي وصبه في قالبه الفكري والعاطفي، لا يمكنها بحال من الأحوال أن تنتهز العواطف التي تقوم على غير مفاهيمها وتستغل تلك العواطف في سبيل مصلحتها فتواكبها إلى نصف الطريق. لأنّ في مواكبتها مساندة للواقع الفاسد الذي لم تقم الدعوة إلّا لتغييره وقلبه.

وعلى هذا فالسياسة العامة للدعوة الإسلامية تجاه العواطف الموجودة في الأُمّة هي استثمار ما كان منها إسلامياً لحساب الرسالة وللدفع بها إلى الأمام في معركتها مع الكفر القائمة في كلِّ مكان. والتعالي بالأُمّة عن العواطف المنخفضة وكنس ما يوجد لديها من عواطف ذات طابع فكري معارض للإسلام، وتبديلها بعواطف صحيحة تدور في فلك الرسالة الإسلامية وبكلمة واحدة إنّ الدعوة تحاول أن تربط دائماً بين المفاهيم والعواطف وتُفَجِّر في نفسية الأُمّة العواطف التي يتوخاها الإسلام من تلك المفاهيم.

ويقاس مقدار نجاحها في الحقل الفكري بمدى تغلغل مفاهيمها في فكر الأُمّة، وفي المجال النفسي بمدى انسجام عواطف الأُمّة مع تلك المفاهيم، وبمقدار ما يُولّد الإيمان بالرسالة من عاطفة الحب لها والمفاداة في سبيلها والخشوع لها خشوعاً ينعكس في كلِّ قول وعمل (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ).►

 

المصدر: كتاب رسالتنا

ارسال التعليق

Top