• ١٨ حزيران/يونيو ٢٠٢١ | ٨ ذو القعدة ١٤٤٢ هـ
البلاغ

الإصلاح التربوي في المجتمع.. ضرورة ملحة

محمد هاشم

الإصلاح التربوي في المجتمع.. ضرورة ملحة

◄تلعب التربية في المجتمع دوراً أساسياً في إعداد الإنسان للحياة، حيث تهيئ له المؤسسات التربوية مواقف التعلم المختلفة التي تمكنه من النمو والتوازن ضمن إطار فلسفة المجتمع الذي ينتمي إليه، فيكتسب أنماطاً من السلوك، تشكل شخصيته وتجعله قادراً على القيام بدوره الاجتماعي، فيسهم في منجزات أمته، ويشارك مشاركة فعّالة في المحافظة عليها. "ولذلك تعتبر التربية هي الوسيلة الأساسية للتقدم والإصلاح الاجتماعي، وكل إصلاح يعتمد على سن قانون أو خوف أو عقاب أو تغيير في الأنظمة الآلية أو الظاهرة، إن هو إلا إصلاح مؤقت عديم الفائدة".

والسؤال الذي يطرح نفسه هو: هل قامت التربية في البلاد العربية بدورها في إعداد الإنسان الصالح؟ "إذا قلنا انّ التربية في البلاد العربية وبخاصة النظامية، لم تكوّن المواطن الصالح والنافع لنفسه ووطنه وأمته وللإنسانية، فقد يبدو حكمنا هذا جائراً، وكأنّما اطلقناه دون حجة دامغة، أو تبرير معقول، غير انّ هناك معياراً لا يختلف اثنان في صدقه وجدواه، يمكننا الاعتماد حتى دون اللجوء إلى دراسات المسح والمقابلة والاستطلاع، وهذا المعيار هو الوضع القائم للأُمّة العربية، الذي يصلح أن يكون حالة تدرس، حيث تتوفر أدلة الحاجة ومعطياتها للمعالجة والملاحظة"

"إنّ هذا الواقع الذي نعيشه وما فيه من مشكلات معقدة، نشأ بسبب تبعية بلادنا للغرب على مختلف المستويات، وفي جميع المجالات الحيوية تقريباً وفي طليعتها المجال التربوي الذي يشمل التنشئة الاجتماعية العامة، والتنشئة المدرسية المحدودة".

وقد حصل ذلك لما استطاع الغرب اختراق حصون هذه الأُمّة من الناحيتين العسكرية والثقافية، وقد باشر وضع السياسة التربوية والخطط والمناهج الدراسية بنفسه، عندما تسلّم حكم معظم بلاد المسلمين، خاصة بعد الحرب العالمية الأولى. وقد قامت محاولات للإصلاح التربوي في أكثر من بلد من البلدان العربية، ولكنها محاولات اتصفت بالتقليد والتبعية للغرب، فجاءت بعيدة عن الذاتية، والأصالة، متحيزة للفكر الوافد بدل الموضوعية، فازداد الوضع التربوي سوءاً، وازدادت المشكلات تعقيداً. فانعكس ذلك على الوضع الاجتماعي، والاقتصادي والسياسي، وأصبح الواجب ملحاً على ضرورة أن تأخذ التربية وضعها السليم في الإصلاح والتغيير.

فإذا أريد للتربية أن تقوم بدورها الحقيقي في الإصلاح الاجتماعي، وإذا أريد للجهود التربوية أن تستمر، فلابدّ من توافر العوامل التالية:

أوّلاً: الإطار الفلسفي الواضح والمتميز، المنبثق من عقيدة الأُمّة، بحيث تعمل المؤسسات التربوية في ضلاله، ويحدد الأهداف العريضة للأُمّة.

ثانياً: المنهج التربوي القادر على تحقيق الأهداف التربوية الواضحة والمحددة.

ثالثاً: السياسة التربوية الواعية والقادرة على مواجهة المشكلات التربوية بموضوعية وجرأة، بعيدة عن التقليد الأعمى.

رابعاً: الطاقات البشرية المنتمية، والقادرة والمدربة على القيام بالمسؤوليات التربوية من الناحيتين الإدارية والفنية، الموالية للأُمّة ومنهج حياتها. ويمكن تفصيل هذه العوامل على الصورة التالية:

 

أوّلاً: الإطار الفلسفي:

هناك عدة مؤسسات تشترك في النشاط التربوي، وتسهم في تربية أبناء الأُمّة، حيث تبدأ التربية في المؤسسة الاجتماعية الأولى وهي الأسرة التي يكتسب فيها الطفل أنماطه السلوكية الأولى، وتشكل أساس شخصيته، وتؤثر في مستقبل حياته، فإذا وصل سناً معينة كالخامسة أو السادسة، انتقل إلى مؤسسة اجتماعية تتولى الإشراف على تربيته وهي المدرسة، حيث تعتبر الجهة الرسمية التي أوكل إليها المجتمع أمر رعاية وتربية أبنائه، وإعدادهم إعداداً كافياً للحياة، وهم في انتقالهم من مرحلة إلى مرحلة أخرى، تتسع دائرة المؤثرات في حياتهم. فإلى جانب الأسرة والمدرسة تتقدم المؤسسة الإعلامية والثقافية لتأخذ دوراً فعّالاً في تربيتهم، بما تملكه من وسائل متنوعة، كالتلفاز والإذاعة والصحافة والمساجد والأندية والسينما، ويكون لها من التأثير على الأجيال ما يفوق تأثير المدرسية الرسمية. "حتى أنّ (بوستمان) يسمي التلفزيون المنهج الأوّل بينما يسمي المدرسة المنهج الثاني".

وإذا تجاوز التلميذ مرحلة المدرسة الثانوية، وانتقل إلى الدراسات الجامعية، اتسعت دائرة التأثير على ثقافته ومعرفته، حيث تفتح له أبواب المعرفة والثقافة بشكل واسع، فإذا لم يكن مؤسساً بشكل سليم في المراحل المدرسية، أدى ذلك إلى تمزيق شخصيته وضياع هويته الثقافية.

مما سبق يتضح تعدد المؤثرات التربوية على التلميذ في مراحل نموه المختلفة، فكيف نضمن له التربية السليمة في ظل هذه المؤثرات المتعددة؟

إنّ الجواب على هذا السؤال يحدد مسار الإصلاح التربوي، فإما أن تترك هذه المؤثرات من غير سياسة واضحة، فيبقى الوضع التربوي في تراجع، وإما أن ترسم سياسة واضحة في هذا المجال، وبذلك نكون قد بدأنا الخطوة الأولى في الإصلاح.

ومن هنا تتضح أهمية وجود إطار فلسفي واحد يحكم جميع المؤسسات التي تشترك في العملية التربوية بحيث تنطلق جميع أعمالها ضمن هذا الإطار، "حيث تعتبر فلسفة التربية هي تطبيق النظرة الفلسفية أو الطريقة الفلسفية في ميدان الخبرة الإنسانية الذي نسميه التربية".

فأي تناقض بين هذه المؤسسات ينعكس حتماً على الأنماط السلوكية التي تطرحها من أجل تربية الأجيال، فما تقدمه الأسرة يجب أن يكون مقدمة لما ستطرحه المدرسة، وما تقدمه المدرسة، يجب أن يكون مبنياً على ما تقدمه الأسرة، وما تقدمه المؤسسة الإعلامية والثقافية لابدّ وأن يكون معززراً ومعمقاً للأنماط السلوكية التي تطرحها الأسرة والمدرسة، ومقوماً للسلبيات التي تظهر في المجتمع.

وقد مرت قرون متوالية على هذه الأُمّة وهي تعيش في إطار فلسفة اجتماعية واضحة، تقوم على أساس الإيمان بالله تعالى خالقاً لهذا الكون وما فيه، وراعياً للإنسان الذي أوكل إليه أمر الخلافة في الأرض، بشريعة واضحة، تكرّم الإنسان وتأخذ بيده في مدارج الرقيّ والكمال، فتكافل عمل المؤسسات التربوية في ظل هذا الإطار الفلسفي الواضح، حتى كانت مخرجات العمل التربوي علماء في مختلف مجالات العلم والمعرفة، وشباباً منتمين إلى أمتهم، يبذلون أقصى ما في طوقهم من أجل تحقيق أهدافها، وأصبحت التضحية في حياتهم سجية وطبعاً، وغمرتهم الروح الجماعية البعيدة عن الفردية والأنانية، فقدموا للأُمّة من المنجزات في مختلف مجالات العلم والحضارة مالا يزال شاهداً على مدى فاعلية هذا الإطار الفلسفي في تربية الناس وإعدادهم للحياة.

أما اليوم فنشاهد الظواهر السلبية في مخرجات العمل التربوي، وما ذلك إلا لعدم تبني إطار فلسفي واضح منبثق من عقيدة الأُمّة، يحكم جميع المؤسسات التربوية بحيث تسير العملية التربوية من الروضة حتى الجامعة في إطار واحد يؤدي إلى تحديد هوية الفرد الثقافية، هوية متميزة منسجمة "لأنّ التربية السليمة المستوحاة من قيم الأُمّة ومثلها العليا وتطلعاتها المستقبلية ومصالحها المشتركة ورسالتها الإنسانية لا يمكن إلا أن تعزز حيز التقدم والحياة الكريمة"، وبذلك تتلاشى الظواهر السلبية، فلا تعود الأسرة الواحدة مكوّنة من أشخاص مختلفي الهوية الثقافية، ولا يعود المجتمع منقسماً على نفسه، كلّ فئة تشكل مجتمعاً صغيراً متناقضاً ومتصارعاً مع غيره من فئات المجتمع.

 

ثانياً: المنهج التربوي:

يشكّل المنهج التربوي المضمون الحي للأهداف التربوية، فهي تحقق عن طريقه، ومن المفروض أن ترسم الأهداف التربوية بحيث تكون منبثقة من الإطار الفلسفي للمجتمع ومنسجمة مع مضمونه ومراميه، ثمّ توضع المناهج من أجل تحقيق هذه الأهداف، لا كما يحصل في كثير من الأحيان، حيث توضع المناهج ثمّ يفكّر بالأهداف، أو توضع الأهداف دون مراعاة الإطار الفلسفي، فتأتي ثمرات العمل التربوي مبعثرة ممزقة لأنها ليست مؤسسة على أساس واضح متين، يرتبط بأعماق الأُمّة ويشكّل غاياتها وأمانيها، فتهدر الطاقات والجهود، ويكون المردود في حياة الأجيال هامشياً.

والناظر في أهداف التعليم في البلاد العربية يرى "أنها لا تستند إلى فلسفة شاملة، معبرة عن خصائص الأمة في معتقداتها وفي ذاتيتها المتميزة، هي تظل أهدافاً عامة لا تندرج في التحديد، حتى يمكن ترجمتها إلى أنماط سلوكية واقعية يستطيع أن يستوعبها المعلمون المربون ويعملوا على تحقيقها، ويتابعوا مضامينها في المناهج والأنشطة التربوية بصفة عامة".

أما مضمون المنهج فهو في كثير من الأحيان يركّز على المعلومات دون مراعاة لنوعيتها وأهميتها في الحياة، "فالطابع الغالب على المناهج هو الطابع التقليدي الأكاديمي النظري الذي لا يجعل واقع المجتمع ومشكلاته وحاجاته محوراً تتحلق حوله المواد الدراسية، ولا يتخذ من المواقف الحياتية أساساً للخبرات التعليمية، ويجري التأكيد على المعارف والمعلومات، ولا تحتل القيم والاتجاهات والمهارات موقفاً بارزاً فيها".

وأما أساليب التدريب، فلا زالت أساليب تقليدية تركّز على الإعطاء دون الاهتمام بالتفاعل، ولذلك يكون مستوى التعلم ضعيفاً، "وليس من المغالاة وصف غرفة التدريس في بلادنا بأنها ساحة مبارزة كلامية حتى في دروس العلوم الطبيعية، فالمعلم يجنح إلى الإلقاء والتلقين والتسلط والأداء الشكلي، ولا يجرؤ المعلم على تخطي الطريقة التقليدية لأسباب عديدة، كما يجنح المتعلم إلى الرضوخ والحفظ والاستذكار".

أما مضمون الكتب المدرسية وأساليب العرض فيها، ففي مجال الإنسانيات لا يزال أسلوب السرد للأفكار المعلومات هو المتبع، دون مراعاة لأهمية هذه الأفكار ومدى ارتباطها بحياة التلميذ، ولذلك لا يشعر بارتباط ما يتعلم بحياته اليومية، فلا يقبل عليه ولا يستمتع به، ولا يشكل شيئاً في دائرة اهتمامه، بل يتذكّر ما يتعلم من أجل اجتياز الامتحان الذي يراه ضرورياً لينتقل من صف لصف، أو ليحصل على شهادة تعينه في كسب عيشه. هذا في مجال الإنسانيات، أما في مجال المواد العلمية، فهي وإن كانت أحسن حالاً من المواد الإنسانية، لأنها لاقت بعض الاهتمام من المؤسسة التربوية في الفترة الأخيرة، إلا أنها ما زالت متخلفة عن مواكبة التطور العلمي، بعيدة عن الناحية التطبيقية، تركّز على الجانب النظري من العلم. وثمار هذا الاتجاه واضحة لكلّ ذي بصيرة، فكم من كتاب يتعلمه التلميذ في الكهرباء، ومع ذلك لا يستطيع أن يصلح خللاً بسيطاً إذا طرأ في كهرباء بيته، بل انّه يستخدم الراديو والتلفزيون والثلاجة في بيته ولا يعرف الأسس العلمية التي تعمل عليها، وإن علمها فتكون بشكل نظري بعيد عن الممارسة العلمية الفعلية. وهذا يعود إلى سياسة عدم الإفادة من تكنولوجيا التربية، حيث تشتري الأجهزة والمعدات والوسائل، ولكن لا تجد المعلم الذي يوظفها في التربية، ولا المشرف التربوي الذي يتابع ذلك في إشرافه، ومن شاء أن يتأكد من ذلك فاسألوا التلاميذ في المدارس عن مختبراتهم المدرسية، هل يدخلونها ويستفيدون منها، وليقم أحد المعلمين في التربية بدراسة ميدانية حول هذا الموضع، ولننظر النتائج وما تأتي به من فواجع.

لماذا يجري ذلك في بلادنا، والدول الصغيرة من حولنا تقدم مثالاً للتقدم العلمي والإنتاج الصناعي، فهذه يوغوسلافيا، وتشيكوسلوفاكيا وكوريا والصين الوطنية خير شاهد لما نقول، أضف إلى ذلك التجربة الفنية لليابان بعد الحرب العالمية الثانية، والتي جعلت منها دولة صناعية من الدرجة الأولى في العالم.

 

ثالثاً: السياسة التربوية:

إنّ السياسة التربوية الواعية والقادرة على مواجهة المشكلات التربوية بموضوعية وجرأة، لابدّ وأن تكون ذاتية بعيدة عن التقليد الأعمى، حيث تنطلق من إطار فلسفي خاص بالأُمة، فتأتي معالجة المشكلة منسجمة مع ثقافة الأُمّة ومنطلقاتها الفكرية، وبذلك تقبل الأجهزة التنفيذية على تطبيق الحلول بحماس وإخلاص.

إنّ الناظر في الواقع التربوي في البلاد العربية ليشعر بعدم انسجام بين السياسة التربوية والأطر الفلسفية، ففي الوقت الذي تدعو فيه فلسفة التعليم إلى الإيمان بالله تعالى، نجدها لا تربط السلوك الإنساني بهذه الفلسفة. بل يأتي هذا الإيمان ليكون نظرياً لا يتأثر بشريعة الله التي رسمت الطريق السلوكي للإنسان في هذه الحياة، لأنّه منظوم بقوانين وأنظمة مستوردة، إلى جانب ذلك نجد هذه الفلسفة تدعو إلى الرابطة الدينية، والرابطة الوطنية، والرابطة القومية، والروح الإقليمية التي مزقت جسم الأمة الواحدة، كلّ ذلك في إطار فلسفي واحد. "ومن المعروف أنّ أنظمة التربية في البلاد العبية نشأت منقولة عن الأنظمة التربوية في البلاد الغربية، ونقلت عنها الكثير من خصائص بيئتها، ورافق هذا النقل نزعة المحافظة التي رانت عليها، وما يترتب على ذلك من قصور في الملاءمة لمطالب الحاجات المتجددة في مجتمعها".

وقد أدّى عدم الانسجام في السياسة التربوية، والتناقض في الأنظمة التربوية، وسيادة روح التقليد والتبعية للغرب إلى ظهور سلبيات واضحة في مخرجات العمل التربوي، كان أوضحها وأخطرها وصول التلميذ في بعض الحالات إلى نهاية المرحلة الالزامية، وهو غير متمكن من المهارات الأساسية في القراءة والكتابة والحساب، ويمكن تناول بعض جوانب السياسة التربوية فيما يلي:

أ‌-       بنية التعليم:

تقوم بنية التعليم في مختلف البلاد العربية على أساس تقسيم التعليم إلى أكاديمي ومهني، والأكاديمي إلى علمي وأدبي، وقد سارت هذه البنية من مطلع عقد الستينات فأدى هذا التقسيم إلى ضعف الطلاب في نهاية المرحلة الثانوية في بعض المواد، فالطالب الأكاديمي خرج خالي الذهن من الثقافة المهنية رغم ضرورتها وأهميتها لحياته اليومية، كما خرج الطالب العلمي ضعيفاً في المواد الإنسانية، خاصة اللغة العربية، وخرج الطالب الأدبي ضعيفاً في المواد العلمية وكأنها غير ضرورية لحياته، وقد آن الأوان لإعادة النظر في هذا النوع من التقسيم من أجل الوصول إلى بنية جديدة للتعليم تجمع بين العلمي والأدبي، والأكاديمي والمهني، في نمط من التعليم العام، بحيث يجمع بين الثقافة العامة الأدبية والعلمية النظرية من جهة، وبين الثقافة العامّة التطبيقية من جهة أخرى، في توازن وائتلاف "هذه هي النزعة الجديدة في التعليم التي تكفل التكامل في بناء شخصية المتعلم المواطن المنتج، كما تضمن انخراطه في عالم التخصص أو في عالم العمل بوعي وثقة وفعالية عندما تسنح الفرصة".

ب‌-  الخطة الدراسية:

اتجهت السياسة التربوية في مطلع عقد السبعينات إلى تقليص حجم الخطة الدراسية بحجة التخفيف عن التلاميذ، والاعتماد على التربية الموازية التي تقوم بها المؤسسة الإعلامية والثقافية، حتى وصل الحال إلى تخفيف الكتب المدرسية، وتبسط محتواها العلمي بصورة جعلت المناهج لا تتحدى قدرات التلاميذ، فلا يجدون فيها المتعة. وقد جرى ذلك رغم المعرفة الأكيدة من قبل المربين بأنّ التربية. الموازية لا تقوم بدور فعّال في تربية الإنسان، بل ليس هناك تنسيق بين التربية الرسمية والتربية الموازية.

إنّ هذا الوضع يقتضي إعادة النظر في الخطة الدراسية بحيث تكون مناسبة للتحديات التي تجتازها أمتنا وتركز على الجوانب الثقافية التي تلعب الدور الأساسي في إعداد الإنسان الصالح النافع لأمته وبلاده.

ت‌-  اليوم المدرسي:

وتبعاً لتقليص الخطة الدراسية والمناهج والكتب المدرسية، فقد اتجهت السياسة التربوية إلى تقليص اليوم المدرسي، حتى عاد التلميذ لا يقضي في قاعة الدرس إلا بحدود ثلاث ساعات ونصف في اليوم، لا سيما في مدارس نظام الفترتين، وبذلك غاب اليوم المدرسي الطويل الذي يعود فيه التلميذ إلى البيت وقد قاربت الشمس على المغيب، ذلك اليوم الحافل بالأنشطة التربوية المختلفة، وعاد التلميذ إلى العيش في حدود حمل الكتاب المدرسي، ويا ليته يعيها ويفهمها بشكل سليم. وأصبح ملازماً للشارع وما فيه من سلبيات بدل أن يكون في بيئة تربوية موجهة.

ولو نظر التربويون في البلدان العربية إلى واقع الدول الغربية – التي يقلدونها – لوجدوا يوماً مدرسياً طويلاً وحافلاً بالنشاطات التربوية، ولوجدوا مناهج متطورة وعميقة، وكتباً مدرسية زاخرة بالمفاهيم والأفكار المرتبطة مع حياة التلاميذ. وما هو جار في المدارس التبشيرية المحلية التي تتبع الغرب في سياستها لخير شاهد لما نقول.

لقد آن الأوان أن يواجه التربويون هذا الواقع بجرأة وإخلاص فلا يسيروا وراء شعار التربية غير الرسمية "فقد اعتبر بعض الباحثين وسائط التواصل الجماهيري الإلكترونية وخصوصاً التلفزيون من أدوات التدمير للهوية الثقافية في البلدان النامية، كما يقضي الإنماء الاقتصادي والاجتماعي المستقل، ولا ينجم هذا الدور عن مجرد الإعلان عن السلع المستوردة فحسب، بل ينشأ أيضاً عن محتوى البرامج التي تغسل دماغ الشعب، ليقبل أسلوب الحياة في المجتمعات الغربية، وينشد ذلك الأسلوب".

ث‌-  الترفيع التلقائي:

لقد طرح هذا المبدأ التربوي عند بعض الدول المتقدمة علمياً، وقد نقل المبدأ إلينا دون دراسة لواقعه التربوي المغاير لواقعنا التربوي، فالدول التي دعت إليه وتبنته حرصت على تهيئة البيئة التربوية المناسبة لتعليم الطفل العادي، من معلم مؤهل ومدرب، يحمل الولاء لأمته التي هيأت له العيش الكريم، ومن منهج متطور يشتمل على الخبرات المربية المنتمية، ومن كتاب مشوق وحجرة صفية صحية، ووسيلة تعليمية وظيفية، إلى غير ذلك من مستلزمات البيئة التربوية المربية.

هذا واقعهم، أما واقعنا، حيث يوجد المعلم غير المدرب التدريب الكافي، المهزوز في ولائه وانتمائه إذ لم يركّز في إعداده على ارتباطه بعقيدة الأُمّة وثقافتها، وحيث الصف المزدحم بالتلاميذ فقد يصل عدده إلى خمسين تلميذاً أو يزيد، كما يوجد المنهج الذي لا يزال يركّز على الجانب الأكاديمي النظري البعيد عن واقع الحياة ومشكلاتها، وإلى جانبه يوجد الكتاب المدرسي الذي يعكس واقع المنهج.

إنّ أخذ هذا المبدأ دون تعقل أدى إلى كارثة في التعليم، حيث أصبح التلميذ أحياناً يصل إلى المرحلة الإعدادية أو الثانوية وهو لا يحسن القراءة والكتابة، بل يزداد الأمر سوءاً عندما نجد أمثال هؤلاء على مقاعد الدراسة في الكليات المتوسطة والكليات الجامعية.

ج‌-    العقوبات المدرسية:

لقد تأثر موضوع العقوبات المدرسية بالنظرية الغربية حتى وصل الأمر إلى صدور تعليمات واضحة بمنع الضرب في المدارس. وأصبح هذا الأمر من المبادئ التربوية في البلاد، يقع من يخالفه تحت طائلة المسؤولية الإدارية. وقد أدى الأخذ به إلى خلخلة في النظام الدراسي، وضعف في المردود التربوي، وذلك لاختلاف بيئتنا الاجتماعية والثقافية عن بيئة الغرب وثقافته، حيث تركز ثقافتنا وأصولها على المسؤولية الجماعية إلى جانب المسؤولية الفردية، فالفرد عندنا لا يتحمل وحده نتائج أفعاله بل يشاركه في ذلك ولي أمره، وخير مثال على ذلك المسؤولية الجزائية عن الأفعال، فالقاتل في نظر القوانين الرسمية هو المسؤول عن فعله، بينما واقع الحال أن أقرباءه يشاركونه المسؤولية في نظر الناس، فعليهم يقع الوزر الأكبر لا سيما إذا انتقل الحقّ إلى الدية، ومن هذا الواقع يرى ولي الأمر حقه الواضح في تأديب ولده لأنّه يتحمل معه مسؤولية أعماله أمام الناس، ويستمر تحمله لهذه المسؤولية بالرغم من كبر الولد وتكوّينه لأسرة مستقلة. وقد أعطى الشرع الإسلامي ولي الأمر حقّ التأديب، سواء أكان ولي الأمر هو الأب أو المعلم، وجعله مسؤولاً عن حسن تأديب من جعله ولياً عليه.

وفي ظل هذا المنطلق الحضاري يقدم ولي الأمر على التأديب، سواء أكان ولي الأمر، هو الأب أو الجد أو المعلم، ولكنه التأديب الذي يقوم على تعريف المذنب بذنبه، وتقدير العقوبة التعزيزية المناسبة لذنبه دون شطط في ذلك، ضرباً غير مبرح لا يوقع على أماكن الأذى في الإنسان كوجهه وصدره ورأسه.

واقع بيئتنا هذا يخالف بيئة الغرب وحضارته، فالمسؤولية عندهم مسؤولية فردية، حتى إذا ما وصل الطفل إلى سن معينة، كالسادسة عشرة مثلاً لم يعد ولي الأمر مسؤولاً عن تصرفاته أمام القانون ولا أمام الناس، ومن هنا لا يكون متحمساً لحسن تأديبه لأنّه يعرف سلفاً أنه سيستقل عنه في مآل أفعاله والمسؤولية عنها.

ح‌-    الاختلاط في التعليم:

ومن الأفكار التي تسربت إلى بيئتنا التربوية تقليداً للغرب، فكرة الإختلاط في التعليم، يظهر ذلك في المدارس الأهلية التي تضم بين صفوفها أبناء الطبقة المتنفذة في البلاد الذين سيكون لهم شأن في مستقبل البلاد، وكذلك كليات المجتمع والكليات الجامعية، وتذرع المنادون بهذه الفكرة بأسباب اقتصادية، إذ فصل الجنسين في هذه المراحل التعليمية أمر مكلف من الناحية المادية، ولو سلمنا جدلاً بما يقولون، فإنّ الأمر الذي يطرح نفسه هو متى كانت الأمم تضحي بمنطلقاتها الحضارية من أجل توفير بعض الدراهم، ثمّ نرى بعضهم يقول: إنّ الإسلام لا يعارض اجتماع الجنسين من أجل التعليم، ونحن نقول لهم: هذا أمر صحيح ولكن، أين البيئة الإسلامية التي هُيئت لاجتماع الجنسين!!؟.

إنّ المبادئ التربوية لابدّ وأن تكون منسجمة مع ثقافة الأُمّة وحضارتها، فكيف يطرح مبدأ الاختلاط والأُمّة تنظر إلى المرأة بأنها عرض يجب أن تصان، ويفدى بالنفس والمال؟ إنّ الإختلاط حتى في ظل الأنظمة الغربية ولّد مشكلات اجتماعية معقدة، وما هذا العدد الهائل من اللقطاء إلا أحد هذه المشكلات.

إنّ الغرب عندما دعا إلى اختلاط الجنسين في مختلف مرافق الحياة كان منسجماً مع فلسفته عن الجنس، حيث تأثرت فلسفتهم الحالية بأفكار كثير من فلاسفتهم وعلى رأسهم فرويد الذي جعل الناحية الجنسية أساس السلوك الإنساني، ودعا إلى ضرورة إشباع هذه الغريزة بأي وسيلة كانت حتى لا يقع الجنسان في جو الكبت الذي يضيع كثيراً من طاقاتهم البناءة التي يحتاجها المجتمع. ولذلك يشكل الاختلاط في ظل هذه النظرية وسيلة ناجحة لإشباع الغريزة الجنسية.

إنّ ما سبق يشعر التربويين بأهمية ذاتية المبادئ التربوية، وخطورة استيرادها من ثقافة مغايرة لثقافة مجتمعهم، وقد آن الأوان أن يكونوا من عوامل نهضة هذه الأُمّة، ليسهموا في تخليصها من هذا الضياع على موائد الغرب والشرق.

 

رابعاً: الطاقات البشرية:

إنّ وجود الطاقات البشرية المدربة والقادرة على القيام بالمسؤوليات التربوية من الناحيتين الإدارية والفنية والتي تحمل الولاء للأُمة وعقيدتها ومنهج حياتها الأصيل، لهي ضرورة ملحة لا يتم الإصلاح التربوي إلا بها، فالسياسة التربوية الناجحة، والمنهج التربوي المتطور الهادف، في حاجة إلى الإنسان المخلص القادر على تحقيق الأهداف المرسومة، الإنسان المنتمي لأمته. بحيث تكون أهدافها أهدافه، ونظرتها إلى الحياة نظرة له، يجد منها العناية والرعاية لشؤونه، فتجد منه العطاء والإخلاص. وإنّ الخلل في هذه المعادلة ينعكس على حياة الأُمّة بكاملها، حيث يؤدي عدم العناية بالفرد وعدم تمكينه من حقوقه إلى عدم إخلاصه وضعف انتمائه، وبعثرة جهوده، وقلة إنتاجه.

إلى جانب الانتماء العميق، لابدّ أن تتوافر في الأجهزة التربوية القدرة اللازمة على القيام بالمسؤوليات، إذ لم يعد من الممكن إسناد الأعمال التربوية لأشخاص لم يعدوا لهذه الأعمال، وإلا كان ذلك من قبيل العبث بمقدرات الأُمّة، وهذا يتطلب تصنيف الوظائف، والعدل في إشغالها، بحيث يوضع الشخص المناسب في المكان المناسب، كما يتطلب البرامج التأهيلية والتدريبية لرفع كفاءة العاملين من الناحيتين الفنية والإدارية.

إنّ تحقيق العدل الوظيفي، والإعداد الكافي للأجهزة يؤدي إلى المردود التربوي المرضي، وتوفر الرضى عن العمل عند العاملين، فالناس ليسوا ملائكة يطالبون بحسن العمل ووفرة الانتاج مهما كانت الظروف المحيطة بهم.

وفي نهاية هذا المقال يمكن القول: إنّه لابدّ من إعادة النظر في الفلسفة التربوية القائمة بحيث تنبع من فلسفة المجتمع المسلم وجهة نظره في الحياة، ولابدّ من إعادة النظر في مناهج التعليم المختلفة، بحيث تتصف بالأصالة في مجال الإنسانية، وبالمعاصرة في مجال العلوم البحتة والتطبيقية، إلى جانب ذلك يصار إلى وضع سياسة تربوية جريئة تتصدى لكثير من القضايا فتضع لها الحلول المناسبة، من مثل: بنية التعليم؛ اليوم المدرسي، الخطة الدراسية، الترفيع التلقائي، الاختلاط بين الجنسين، توصيف الوظائف، وبجانب هذا توضع البرامج التأهيلية والتدريبية التي تركز على أساسيات العمل التربوي بحيث تولي مواد التخصص عناية مركزة.►

 

المصدر: مجلة هدي الإسلام/ العدد الثالث

ارسال التعليق

Top