• ١٩ تشرين أول/أكتوبر ٢٠٢٠ | ٢ ربيع الأول ١٤٤٢ هـ
البلاغ

الإنترنت والعزلة الإجتماعية

حوراء جعفري

الإنترنت والعزلة الإجتماعية
◄في الآونة الأخيرة بدأ الحديث عن الدور الخطير الذي يلعبه الكومبيوتر في عزل الأفراد إجتماعياً وتفكيك العلاقات بين الأفراد في المجتمع، فالأفراد يقضون وقتاً طويلاً في التعامل مع الكمبيوتر والإنترنيت ما يؤدي إلى العزلة عن الآخرين خلال فترة الاستخدام.. ما سيؤدي بدوره إلى نشر نوع من العزلة الاجتماعية وبالتالي إيجاد نوع من التفكيك الاجتماعي، كما سيؤدي انتشار الإنترنيت إلى نشر أنماط جديدة من القيم والسلوكيات في المجتمع كله.

ولعل من المهم أن نشير بدءاً إلى نتائج الدراسة التي أجريت حول التفكك الأسري. وأظهرت النتائج أن 30 في المئة من إجمالي الأسر تعاني من مشكلات أسرية رغم اختلاف أنماطها وهذه المشكلات تعد بمثابة القنبلة الموقوتة التي ستنفجر في أي وقت، فيما أشارات دراسة أخرى أجراها المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية في مصر إلى ان 5.37 في المئة من الأسر تعاني من مشكلات أسرية ومن أهم هذه المشكلات، انحراف الأبناء، والعنف الأسري بجميع أشكاله، وغياب القدوة، والخلافات الزوجية التي تنتهي في كثير من الأحيان إلى الانفصال وغيرها من المشكلات، إن ازدياد التفكك الأسري من الناحيتين الكمية والكيفية معاً داخل المجتمع يعكس في حقيقة الأمر مناخاً اجتماعياً متوتراً تتعدد فيه الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، ويعود هذا التحول إلى رياح التغريب التي تكاد تعصف باستقرار وخصوصية الأسر العربية، إضافة إلى الانفتاح الجديد على العالم عبر الفضائيات والإنترنيت ووسائل الإعلام العصرية.

 

 

-        إنطوائية الكمبيوتر..

أصبح الآن في علم النفس ما يطلق عليه إنطوائية الكمبيوتر وتوجد هذه الحال عندما يستمر الشخص في الجلوس أمام الحاسوب ساعات طويلة كل يوم بشكل يشبه مدمني القمار، طبعاً مع إستثناء الأشخاص الذين يستدعي عملهم ذلك، وقد توجد هذه الحال لدى الأفراد الإنعزاليين ذوي الشخصيات الانطوائية أو الأشخاص الذين يرغبون في الهروب من ظروفهم ومشكلاتهم الحياتية فليجأون إلى الحاسوب ليفرغوا فيه طاقتهم وهمومهم، فضلاً عن الإجهاد والتوتر النفسي الذي ينتج من إستخدام الحاسوب لفترات طويلة..

وظاهرة غرف الدردشة التي صارت منتشرة بشكل يكاد يكون مرضياً يؤدي إلى الخلل في العواطف وتوجيه المشاعر في غير وجهتها الطبيعية، مما يقود الأسر إلى علاقات أخرى منحرفة، ولكن ذلك لا يعني إدانة الحاسوب بشكل مطلق وإنما هي دعوة إلى ترشيد استعماله وعدم المبالغة في استعماله بشكل يمثل خطرا على أمننا وسلامتنا النفسية على المدى البعيد.

 

-        الفراغ العاطفي..

إذا كان الكومبيوتر والدخول على شبكة الإنترنيت وغرف الدردشة تعبيراً عن صيحة علمية وتكنولوجية باهرة فإنّها في وجهها الآخر تعبير عن فراغ عاطفي ونفسي ووجداني لدى المجتمعات وخصوصاً في هذا العصر المادي الذي يفتقد الروحانية، واقبالنا الشديد على غرف الكومبيوتر والدردشة عبر الإنترنيت يعبر عن غياب الضبط الأسري والهروب من العلاقات الاجتماعية المباشرة والواضحة إلى علاقات محكومة بالسرية ومحاطة بالكتمان ومأمونة العواقب في ظاهرها إلا انّه قد تقود في النهاية إلى مزالق خطيرة وتعصف بحياته ومستقبله.

 

-        كارثة إجتماعية:

ثار الجدل في الآونة الأخيرة عن التأثير السلبي لغرف الدردشة على العلاقة بين الزوجين داخل الأسرة، وذلك بسبب هروب الأزواج والزوجات وخصوصاً في أثناء حدوث خلافات بينهما، إلى البحث عن نوع جديد من العلاقات عبر شبكة الإنترنيت، وهذه العلاقات هي أشبه بضربة الحظ قد تخرج منها بعلاقة جديدة ومفيدة على المستوى الاجتماعي، أو بخسارة فادحة عندما تصطدم بأولئك الذين يبحثون عن العلاقات غير الشرعية على شبكة الإنترنيت، وبالتالي إمكان حدوث ما لا تحمد عقباه، وهذا ما دعانا إلى محاولة البحث في هذا الشأن والدخول إلى هذا العالم الافتراضي بهدف الوصول إلى واقع هذه القضية الخطيرة وآثارها على الأسرة المسلمة.

 

 

-        بين الواقع والخيال:

إنّ من الأمور الخاطئة التي يقع فيها الكثيرون خلال تعاملهم مع غرف الدردشة عبر الإنترنيت، هو عدم تمييزهم بين العلاقات الاجتماعية عبر هذه المحادثات وبين العالم الواقعي، أو بين العالم الافتراضي والعالم الحقيقي، فنحن نفعل ونقول أشياء عبر العالم الافتراضي لا نفعلها ولا نقولها في العالم الواقعي، وعلينا أن نفهم أنّ الإنترنيت عالم حقيقي وتجاهل هذا يؤدي إلى المتاعب فالمستخدم عندما يقوم بعمل محادثة عبر الإنترنيت فهو يقوم بها مع أشخاص حقيقيين لهم مشاعر حقيقية، فمستخدم الإنترنيت عليه أن يعامل الناس بالاحترام نفسه الذي يعاملهم به وجها لوجه، أو في أثناء الحديث معهم من خلال الهاتف، وعلى الرغم من ذلك هناك بعض الاختلافات فعندما يحادث مستخدم الإنترنيت شخصاً بشكل مباشر ووجها لوجه فهو يرى جيِّداً حركات وجهه ولغة جسده بما فيها من حركة وصوت، وخصوصاً انّ هذه الإشارات تشكل 60 في المئة من الاتصال البشري، أما في المحادثة عبر الإنترنيت فهي تتم سرا وهذا يعني أن 60 في المئة من الاتصال مفقود وهو لغة الجسد، وبالتالي فالمستخدم يتخاطب بنسبة 40 في المئة فقط، وهذا ما يسبب سوء تفاهم على الإنترنيت.

 

-        إيجابيات وسلبيات:

إنّ المحادثة عبر الإنترنيت (الدردشة) تعطي الشخص الفرصة للكلام عن أشياء لا يستطيع قولها مباشرة بسبب الهوايات المزيفة التي يستعملها مستخدم الإنترنيت، وبالتالي لا تستطيع الأطراف الأخرى التعرف إلى الشخصية الحقيقية لهم ولا يعرفون في النهاية سوى الاسم المستعار لهم، وبالطبع لهذا الغموض وجه إيجابي آخر سلبي، ويتمثل الجانب الإيجابي في قيام الناس بالحديث عن شيء يخجلون منه وجهاً لوجه أو حتى عند الحديث في الهاتف، وهو ما جعل عدداً كبيراً من الأشخاص المنطوين يصبحون شخصيات جريئة على الإنترنيت بعكس الواقع، ومن هنا أصبح الأشخاص الفاشلون إجتماعياً قادرين على إعادة التواصل مع العالم الخارجي عن طريق استخدام الإنترنيت، فهناك الكثير من الأشخاص الذين يتميزون بالانطواء الذاتي تفتحت مشاعرهم من خلال الإنترنيت وهو ما يظهر في العزلة الاجتماعية وعدم الاتصال الإيجابي بالعالم الخارجي، وهذه النوعية من الأشخاص حصدوا عدداً من المنافع من خلال شبكة الإنترنيت العالمية، أما الجانب السلبي لهذا الغموض فيتمثل في استغلال بعضهم لعدم القدرة على الكشف عن هواياتهم الحقيقية ليتحدثوا إلى أشخاص يستخدمون ألفاظاً نابية وفظة، لذلك على مستخدم غرف المحادثة أن يكون حذرا في تصديق كل ما يتلقاه عبر هذه المحادثة.

 

 

-        إنهيار العلاقات الاجتماعية:

غرف الدردشة بلا شك تؤثر على العلاقات داخل الأسرة والمجتمع وبخاصة العلاقات الزوجية، ان غرف الدردشة والإنترنيت بعامة هي المكان الذي يستطيع فيه الإنسان أن يتحدث مع نفسه ومع غيره بصراحة ليقول ما لا يستطيع قوله في الاتصال المباشر أما خطورة ذلك فتتمثل في انّ العلاقات الزوجية تواجه فتورا شديداً وذلك بسبب توجه الزوج نحو غرف المحادثة وتفضيل المحادثة لها على الجلوس مع زوجته، والتحدث إليها، والغريب حقا انّ الإنترنيت وغرف الدردشة قد تسبب في دوث حالات من الطلاق من نوع جديد يعرف باسم الطلاق العاطفي وهذا النوع من الطلاق يحدث عندما يجلس الرجل على شبكة الإنترنيت ليلا ويرد على الرسائل الإلكترونية ما يؤدي في النهاية إلى حال من الإدمان الإلكتروني وعدم الرغبة في التحدث إلى الزوجة. الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى الانفصال العاطفي بين الزوجين وقد يصل الأمر بالزوج إلى السفر إلى الفتيات اللاتي يتحدث إليهنّ عبر الإنترنيت لرؤيتهنّ على الطبيعة مما يؤدي إلى تذبذب العلاقة بين الزوجين وانهيارها في النهاية.

 

-        الانهيار الكاذب:

ومن الجدير ذكره أن أحدث الدراسات أكدت الوسائط الإلكترونية الحديثة ذات تاثير سلبي كبير على العلاقات الحميمية بين الزوجين مما يؤدي إلى نوع من الجفاف وتبلّد المشاعر وبالتالي إلى زيادة المشكلات وتفكك العلاقة الزوجية، كما يؤكد البحث عن السبب في حدوث هذه المشكلات على نموذج الإثارة الإلكترونية التي تقدمها الدردشة والإنترنيت التي صنعت خصيصاً للترفيه وإشباع هوايات البشر.

وعلى نفس الصعيد أكّدت إحدى الدراسات الحديثة أن نسبة كبيرة من الأزواج فقدوا الرغبة في التواصل مع زوجاتهم بعد أن انبهروا بنماذج من النساء عبر مواقع الدردشة الإلكترونية.

 

-        الأعراض المرضية:

وحول الآثار السلبية على صحة الإنسان جراء جلوسه الطويل أمام الكومبيوتر نؤكد أن أعلى نسبة ضرر على المستخدمين كانت في الأم الظهر وأتت الأُم الرقبة في المرتبة الثانية، ثمّ التكفين ثمّ اليدين، وبعدها الذراعين في حين أقل الإصابات قد لحقت بالقدمين، وقد أتفق معظم الأطباء المعالجين للحالات المصابة التي لجات إليهم على تشخيص الحالات على ما يلي: انزلاق عنقي وقطني، شد عضلي للفقرات، انزلاق غضروفي، رطوبة وبرد في العظم نتيجة التعرض للتكييف العالي، إرهاق شديد نتيجة لطول فترات العمل، أعراض مرضية متعلقة بالمهنة.

 

-        الجائز.. والممنوع:

الإسلام لا يدين وسائل الاتصال الحديثة أو يدعو إلى رفضها، فهو في جوهره دعوة إلى العلم والاستفادة بإمكاناته في الدعوة، ولكنه ضد الإسراف في كل شيء وضد إهدار الوقت فيما لا يفيد لأن في ذلك إهداراً لقيمة عظيمة في حياتنا وسنحاسب عليه في الآخرة، فالإنسان الذي يضيع وقته وجهده من دون طائل أو فائدة مباحة يرجوها إنما ينفق عمره هباء، لذا فالدعوة موجهة أساساً إلى تنمية الوعي الديني والاجتماعي لدى الشباب عن طريق العلماء والمجتمع ووسائل الإعلام.

 

-        كلمة أخيرة:

وفي النهاية نود أن نؤكد ان وسائل الإعلام والتكنولوجيا الحديثة ومنها الكومبيوتر ليست كلها سلبيات كما أنها، بالطبع، ليست كلها إيجابيات، والمهم هو مدى التقنين في سلوك وأخلاقيات المستخدم الذي يتحتم عليه أن، يتمتع بنوع من الأخلاق والمبادئ والموضوعية والاتزان حتى لا تصبح هذه الوسائل التكنولوجية الحديثة الباب العصري والسري لضياع وإنهيار القيم داخل الأسرة.►

ارسال التعليق

Top