• ١ كانون أول/ديسمبر ٢٠٢٠ | ١٥ ربيع الثاني ١٤٤٢ هـ
البلاغ

الإيمان المستنير ..الأساس الحقيقي للإسلام

أسرة البلاغ

الإيمان المستنير ..الأساس الحقيقي للإسلام

 

خَلَق الله سبحانه وتعالى الإنسان وجعل له عقلاً مفكراً وعيناً مبصرة، ثمّ أمره بأن ينظر إلى ملكوت السماوات والأرض نظرة تدبّر وتفكّر وتأمُّل، حتى يستدل على عظمة الخالق عَزّ وجلّ ووحدانية وكمال قدرته، وبذلك يكون التدبُّر والتأمل في مخلوقات الله تعالى، هو أرقى أنواع التفكر، لأنّه يقود إلى الإيمان المستنير الذي ينشده كل مسلم.   - تَفكُّر واقتناع: الإيمان المستنير هو الأساس الحقيقي للإسلام الحق، فالإنسان الذي أسلَم مُحاكاةً لآبائه، أو اعتنق الإسلام إجابةً لدعوة مَن يدعوه عن رغبة في أمر من الأمور أو رَهبَةً، ولم يُسلم عن إيمان وعقيدة، ليس كمَن يؤمن بعد بحث وتأمّل وتفكير عميق في الكون وخالقه، وسنن الله تعالى فيه، فهذا هو المؤمن حقاً. لهذا فإنّ الإسلام يدعو إلى إيمان الفكر المستنير، وهو إيمان الباحث المفكر المتأمّل المتدبّر في آيات الله تعالى في الكون، حتى يصل إلى معرفة الخالق جَلّت قدرته، ويشعُر بعظمة البارئ جَلّ وعَلا، وليكون إيمان الإنسان ناتجاً عن تفكر واقتناع، فهذا هو الإيمان في الإسلام، الإيمان الذي يصل إليه المسلم بعد تفكير وتأمل واقتناع تام، يشعر معه بقوة خالقه وعظمة مَولاهُ جَلّ شأنه.   - الاستعانة بالله: قال الله تعالى: (.. الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا) (المائدة/ 3). فالإسلام هو دين الكمال، وهو دين الفطرة السليمة ودين العقل والمنطق الذي يقبله الفكر السليم، ولا يحتاج إلى شيء سوى من يفهمه ويُدركه بعقله وبصيرته. قال الله تعالى: (وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ) (الملك/ 10). وقال عزّ مَن قائل: (وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (العنكبوت/ 50-51). فالقرآن الكريم هو المعجزة الخالدة التي أنزلها الله سبحانه وتعالى على سيدّنا محمد (ص) ليقوم بتعليم البشرية وتوجيهها إلى الإيمان بالله تعالى، وتوحيده وعبادته. ومع ما أُوتي من عقل مُفكّر وعقيدة راسخة، يجب أن يلتمس المعونة من الخالق جَلّ شأنه. ونحنُ نجد في القرآن الكريم آيات كثيرة، تدعو بَني الإنسان إلى التفكّر في آيات السماوات والأرض، والتدبّر في خلق الشمس والقمر وتَعاقُب الليل والنهار، وغيرها من آيات الله تعالى في خلقه، حتى يَهديهم هذا التفكير إلى وجود الخالق جَلّ وعَلا، وقدرته وعظمته، وذلك من خلال دلالات واضحة على وحدانيّة القادر الحكيم، لقوم يفهمون هذه الدلالات ويُدركونها، قال تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) (البقرة/ 164). إنّ القرآن الكريم عامر بالآيات التي تدلُّ على عظمة خالق هذا الكون. فإذا فكّر الإنسان في نفسه وفي الكون من حوله، استطاع أن يُدرك بعقله العَظمة الإلهيّة والقدرة الربّانية. قال تعالى: (فَلْيَنْظُرِ الإنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ) (الطارق/ 5). وقال عزّ وجلّ: (وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ) (الذاريات/ 21). وقال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ) (الروم/ 20-22). والمعنى، أنّ في تلك الآيات لمن يُفكر بعقله ويُدرك ببصيرته، مُعجزات واضحة وعلامات جليّة تدل على قدرة الله تعالى، ورُبوبيّته في خلق السماوات والأرض وما فيهما ومَن فيهما. فصاحب العقل المُدرِك عندما يُفكّر وَيتدبّر في الكون من حوله، يجده مُنظَّماً تنظيماً دقيقاً مُحكماً، يدل على عظمة قدرة الخالق وكمال علمه، وعندها يؤمن الإنسان بأنّ الكون قد خلقه الله تعالى الحكيم القدير، العظيم العليم الذي نظّمَهُ أحسن تنظيم وقدّرَهُ أحسن تقدير.   - أثر الإيمان في القول والعمل: سُئل رسول الله (ص)، عن الإيمان فقال: "الإيمان أن تُؤمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنَّبيين، وتؤمن بالموت وبالحياة بعد الموت، وتؤمن بالجنة والنار والحساب والميزان وتؤمن بالقدر كله خيره وشرّه". ومتى استَقَرَّ الإيمان في قلب الإنسان، فإنّه لا يلبَث أن يَظهر جليّاً على قوله وعمله وسائر عباداته وسلوكياته. وقد وصف الله تعالى المؤمنين إيماناً كاملاً في قوله: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لأمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ) (الأعلى/ 1-9). وتُوضّح الآيات الكريمة، أنّ الإيمان يتطلّب أن تكون العبادة خالصة لوجه الله تعالى، فيُصلّي المؤمن ليُناجي الله عزّ وجلّ ويبتهل إليه، ويتصدّق على الفقراء والمحتاجين إرضاءً لمولاه عزّ وجلّ، ويصوم رمضان ابتغاء مَرضاته. وكذلك شأن المؤمن مع كل العبادات، فهو إنما يقوم بها بإخلاص ويؤدّيها عن عقيدة راسخة وإيمان مستنير، مُتقرّباً بها إلى ربّه عزّ وجلّ مُلتمِساً قبولها والإثابة عنها من الله تعالى.

ارسال التعليق

Top