• ١٦ نيسان/أبريل ٢٠٢١ | ٤ رمضان ١٤٤٢ هـ
البلاغ

التسامح.. قضية إتصالية

تيسير مشارقة

التسامح.. قضية إتصالية
◄(قد أكون على خطأ وأنت على صواب)

يُقِر كثير منّا بأننا غير متسامحين، حتى في أبسط الأمور خلافية، مع بعضنا البعض. ونجد منّا من يعترف بأننا قلّما نتسامح مع الآخرين الذين يختلفون عنّا، أو الذين يخالفوننا الرأي والإعتقاد أو الذين لا يشبهوننا.

ونقول في الدارج من الكلام "من لا يعرفك يجهلك". ولهذا القول دلالاته العميقة. فمن لا يعرف الآخر قد يكون عرضة لسوء فهمه. وبالتالي فإنّ العمليات الإتصالية على مستوى العلاقات بين الأفراد تصبح هامة للحد من عمليات الجهل بين الأشخاص التي تؤدي إلى سوء الفهم وعدم التسامح. لهذا نلاحظ أن أحد أهم أسباب اللاتسامح بين الأفراد هو عدم معرفة الآخر (جهله) الذي يمكن أن يفسد أي إمكانية للتفاهم والتآلف.

ومن هنا ندرك أهمية العلاقات الإنسانية والتواصل في فك طلاسم الآخر وبالتالي فهمه (إدراكه) وتجاوز كل سوء فهم قد ينجم بسبب الجهل بالطرف الآخر وبالتالي عدم معرفته.

ويمكن أيضاً تفسير ذلك القول الشعبي بكلمات أخرى، كأن نفترض أنّ الكلام والحوار مع الآخرين يفتح المجال أمام نزع الأقنعة وإضاءة المعتم والشعور بالرضى. فالتعامل مع الآخرين والاحتكاك بهم قد يوالف بين القلوب ويفتح المجال أمام "علاقة المكسب المتبادل" حسب روجر دوسون في كتاب "أسرار التفاوض الفعّال".

فالتسامح هو أن تجعل الآخر يحس أيضاً أنّه ممكن أن يفوز في العلاقات ما بين الأشخاص. وأن تكون العلاقات بين الأشخاص مجالاً للفهم المتبادل – أي المكسب المتبادل – وبالتالي التسامح.

والتسامح بحسب محمد عبدالحليم عبدالله (الروائي المصري) في "شمس الخريف" هو أن تفتح الآفاق أمام الآخر ليكّون ذاته وأن تنقذه من أوهامه وهمومه وأن تطلق العنان لعلاقة متكافئة وإنسانية بينكما قائمة على التصالح والبحث عن الإنساني في الحياة.

ويقول الدكتور إبراهيم أبو هشهش (دكتوراه أدب من ألمانيا) في تعليقه على مبدأ التسامح: أنّ التسامح يلاحظ عند الشعوب عندما يبدأ الفرد يبحث عن ضده ليصالحه، وعندما يبدأ بالبحث عن الهامشي على جنباته ليبرزه، وعندما ينظر للآخر، كأنّه ند وليس خصماً، وعندما يرى صورته في مرآة الآخر بدون عصبوية أو اختيال، وعندما يُفهم الحوار مع الآخر (القريب والبعيد) بأنّه مواجهة وليس صراعاً.

وعندما طُلب من فولتير الإجابة على سؤال، ما هو التسامح؟ قال: إنّه المبدأ الأوّل لحقوق الإنسان كافة. وذكر الحكيم الفرنسي، أنّ الإنسان ميّال للخطأ. ودعانا إلى التسامح مع بعضنا البعض والتسامح مع جنون بعضنا البعض بشكل متبادل. إلى أن عرفنا أنّ الدفاع عن مبدأ التسامح هو نفسه دفاع عن قيم الديمقراطية.

فالتسامح يعطي القدرة على احتمال وقوع الخطأ والقبول بالتعايش (الجوار) وبمسافة منتصف الطريق (بالحلول الوسط) وبالإحتكام للعقل والإصغاء إلى الآخر. والتسامح في أحيان أخرى يعني "الصفح" أو "طي الصفحة"، أو وضع "خط غليظ" خلف ما سبق.

وأجمل مؤشرات التسامح المتبادل، إذا قال أحد الطرفين، كل على حدة: "قد أكون على خطأ وأنت على صواب". فالتسامح يعني احتمالية الخطأ والصواب للطرفين. وهو مبدأ يقوم على فكرة التفاهم والعقلانية، وفكرة الإقتراب من الحقيقة لإنضاج الأفكار عن طريقة النقاش وصولاً إلى الحقيقة. كما أنّ التسامح مبدأ قائم أيضاً على فكرة عدم العصمة من الخطأ.

ونحن بحاجة إلى تعميم فكرة قبول الآخر ورأي الآخر. لأنّ نقيض ذلك هو التعصب والإستئثار وإتساع دائرة العنف والفوضى والإستبداد ومحاولة فرض الرأي ولو بالقوة وسيادة عقلية التجريم والتحريم.

وبقي أن نقول، أن مبدأ التسامح هو فكرة أخلاقية ذات بُعد سياسي (غياب التسامح يعني إحتكار الحكم ومصادرة رأي الآخر) وذات بُعْد فكري (غياب التسامح يعني حجب حق التفكير والإعتقاد والتعبير) وديني (غياب التسامح يعني منع الإجتهاد والتجريم والتحريم والتكفير) وإجتماعي (غياب التسامح يعني فرض نمط حياة معيّن) وثقافي (غياب التسامح يعني التمسك بالقيم والمفاهيم القديمة ومحاربة التجديد).►

المصدر: كتاب (مبادئ في الإتصال)

ارسال التعليق

Top