• ٢٠ تشرين أول/أكتوبر ٢٠٢٠ | ٣ ربيع الأول ١٤٤٢ هـ
البلاغ

الثقافة الإنتاجية

محمد جابر الأنصاري

الثقافة الإنتاجية

◄الثقافة الإنتاجية تدعو الإنسان إلى التفكير وتزرع فيه التفاؤل وروح الجد وتفتح أمامه آفاق الكشف والاختراع والعطاء والإبداع، بينما الثقافة الاستهلاكية تخدره بالكسل اللذيذ والمتعة العاجلة وتقتل فيه روح التساؤل والتفكير والمعاناة وتحوله إلى عنصر سلبي يتلقى عطاء الغير دون عطاء منه لهم.

ولنأخذ أمثلة من الواقع الثقافي ليتضح معنى ما نقول. عندما يقدم المسرح مسرحية هادفة تطرح قضايا جوهرية فإنّما يقوم بدور انتاجي لأنّه يدفعنا إلى التفكير والتأمل ويزرع فينا معاناة قضايا الحياة بجد وتسامٍ. أما عندما يقدم لنا مسرحية هدفها التهريج من أجل التهريج فإنما يقتل فينا الروح الإنتاجية ويخدرنا ويحول وقت فراغنا إلى وقت ضائع مهدور أي أنّه يقوم بوظيفة استهلاكية مضرة.

عندما اقرأ رواية هدفها تعميق إحساسي بالحياة وواقع المجتمع وقضايا النفس الإنسانية فإنما أقوم بجهد انتاجي يدفعني إلى مزيد من التفكير والإبداع. أما عندما اقرأ رواية من هذه الروايات المحشوة بمغريات الجنس والتشويق الإجرامي والبوليسي وحوادث المبالغة في العنف أو المبالغة في الضحك والتهريج. فماذا تراني فاعلاً غير استهلاك جهدي ووقتي في عملية مهدورة.. أي عملية استهلاكية؟.

ولكن لابدّ من إيضاح هام.. أنّ الإنتاجية في الحياة والثقافة لا تعني العبوس.. وتصنع الجد الدائم. وتكلف مشقة النفس دون مبرر.

فالثقافة الإنتاجية تقبل ترويح النفس وتقبل الهزل الرفيع، وتقبل السخرية الهادفة في الكتابة المسرحية والروائية وفي الإنتاج السينمائي والإذاعي والتلفزيوني. أنّ الترويح المتحضر الرفيع مظهر من مظاهر الرقي تشجعه المجتمعات الإنتاجية المتقدمة. ولكن الترويح شيء والتهريج شيء آخر. وخاصة إذا كان الترويح استعداداً لعمل جديد في الغد.. وكان التهريج مواصل لتهريج سابق ولاحق.

 

ليست ضد الابتسامة:

إنّ مسرحيات "برناردشو" مسرحيات ساخرة ولكنها محترمة وهادفة ولدى شكسبير عدد من الكوميديات الضاحكة ولكنها أعمال مسرحية من الطراز الأوّل، وفي أدبنا العربي حقق كبار كتابنا قديماً وحديثاً مستوى رفيعاً من السخرية دون الوقوع في التهريج.

فأسلوب الجاحظ أسلوب ضاحك ساخر ولكنه في الوقت نفسه أسلوب مفيد رصين. وكتابات طه حسين تتخللها السخرية البارعة المبطنة على ما فيها من غذاء فكري خصب. ومقالات المازني تنضح بسخرية حادة على ما فيها من جد أليم.

فالثقافة الإنتاجية الجادة إذن ليست ضد الترويح وليس ضد الابتسامة ولكنها فقط ضد مبدأ التهريج من أجل التهريج المسيطر – للأسف – على كثير من مسلسلات التلفزيون في البلاد العربية هذه الأيام، تلك المسلسلات التي تغلب عليها الاستهلاكية بكل نقائصها وتنعدم منها الإنتاجية بكل فضائلها.

ومن مظاهر الإنتاجية في الثقافة ألا نعتمد في عطائنا الفكري والمسرحي والسينمائي على الآخرين ونستورد الأفلام الأجنبية. فهنا نكون استهلاكيين معتمدين على عالم منتج آخر نعيش عالة عليه في جدنا وفي تسليتنا.

فالملاحظ أنّ العربي المعاصر قليل الإنتاج ضعيف في ثقافته وفكره وفنه. فهو أما مستهلك لإنتاج أجداده الأقدمين من شعر جاهلي وعباسي ومن فلسفات وشروح ومتون وهو أما ناقل عن الغرب الحديث متلمذ باستمرار على يديه.

ولا بأس أن يقرأ الإنسان تراث أجداده ولا بأس أن يطلع على الثقافات المعاصرة، ولكن الخطر أن يظل مستهلكاً دائماً لما يقدمه الآخرون سواء كان هؤلاء أجداده الأقدمين أو معاصريه من أبناء الشعوب الأخرى. فذلك يقتل لديه عنصر العطاء والإبداع ويجعله طرفاً سلبياً متلقياً منفعلاً بانتاج الآخرين.►

 

المصدر: كتاب تجديد النهضة باكتشاف الذات... ونقدها

ارسال التعليق

Top