• ٢٠ كانون ثاني/يناير ٢٠٢١ | ٦ جمادى الثانية ١٤٤٢ هـ
البلاغ

الشباب.. الشباب حتى آخر العمر

د. موسى الخطيب

الشباب.. الشباب حتى آخر العمر

◄شيئان مرغبان يتمناهما كلّ الناس ولأطول فترة ممكنة، ما بقيت الحياة وهما: الشباب وروح الشباب.

ومن الأسباب التي تجعل روح الشباب قيمة لا نقاش فيها هي أنّها تعطينا تلك القوى التي نستغلها.

إنّ تحقيق الشباب لمجرد أن يبدو المرء أصغر سناً يحقق نوعاً من الإشباع. لكن هناك يحققون هذا بعمليات التجميل والشد والمساحيق. إلا أن ما تحس به في أعماقك، وما تستطيع أن تقوم به في الحياة، أكثر أهمية من مظهرك في عيون الآخرين. ومعظم ملامحنا تتجدد بعوامل الوراثة، لكن ما نستطيع أن نفعله في الحياة، أو نحسه، شيء متوقف علينا. صحيح أنّ الوراثة تلعب دورها، فبعض الناس يرثون عن آبائهم نوعاً بطيئاً من التغيرات الكيميائية.

إنّ الشباب لا يعني الاستيقاظ كلّ يوم لممارسة "الجمباز" الصعب لمدة نصف ساعة، اللّهمّ إلّا إذا كنت من معتادي هذه اللعبة.

إنّما الشباب يعني الاحتفاظ باللياقة التي تجعلك أشد رشاقة، وتمكنك من الشعور بالراحة في كلّ حركة تقوم بها، وإن كان هذا يقتضي ممارسة الألعاب الرياضية المعتدلة لمدة (15) دقيقة. فهذا ما يجب عليك أن تفعله لتحتفظ بشبابك.

الشباب لا يعني ألا تمرض على الإطلاق. إنما يعني التعرض لقدر أقل من الأمراض، والتمتع داخلياً وخارجياً باللياقة التي تمكنك من تجنب أمراض مزمنة، مثل ارتفاع ضغط الدم والسكر.

والشباب لا يعني أن تعمل لمدة 18 ساعة يومياً بنفس السرعة التي كنت عليها في سنّ العشرين. إنّه يعني ان تعمل في شيء تستمتع به، وتملأ به يومك، لتشعر أنك إنسان منتج له هدفه في أي مرحلة من مراحل حياتك القادمة.

الشباب هو، كأي شيء آخر، نوع من المتعة، ومن التلقائية. إنّه عبارة عن أهداف تحققها وأحلام تدركها.

الشباب هو مشاهدة الأماكن الجديدة، والتعرف إلى أناس جدد. ولا يعني بالضرورة الذهاب إلى وسط المدينة كلّ أسبوع. وإنما يعني المقدرة على الاستمتاع بسهرة أسبوعية، تساعدك على الاسترخاء، وتزيل عنك التوتر بأي طريقة تعجبك.

الشباب هو مقدرة على الحب لا تتلاشى؛ حب المقربين إلينا، حب عملنا، وحب الحياة نفسها.

وفي الحديث الشريف قوله (ص): "إن لبدنك عليك حقاً".

الشباب هو النشاط العقلي والبدني، وهو أيضاً النوم كالطفل الرضيع حين يأتي وقت الراحة.

الشباب هو الشعور بأنك لم تكبر مهما يبلغ سِنَّك.

والشباب، فوق كلّ شيء، أسلوب حياة، لأنّه أسلوب للنظر إلى الحياة. إنّه وسيلة تقول بها لنفسك: "مهما تكن مصاعب الحياة، فإنني لن أفقد قواي الحقيقية، وسوف أجد الوسيلة التي أنال بها كلّ شيء أتمناه".

فالشباب يعني أنك سوف تستمر، لأنّه يمنحك دائماً يوماً جديداً، وفرصة أخرى للمحاولة.

أيها الشباب، حافظوا على شبابكم حتى آخر العمر، مهما قابلتم من صعاب، فلا تستسلموا أبداً أبداً، ولا تتخلوا عن شبابكم.

إنّ روح الشباب هي روح الرواد وعظماء الإنسانية، على مر العصور، وإذا كان لابدّ من كلمة أخيرة أهمس بها إلى الشباب، فإني أتوجه إلى كلّ شاب منهم وأقول له واثقاً مخلصاً: "ولِّ وجهك شطر الله. فإنّه حق، وضع يدك في يده، فإنّه نعم المولى ونعم النصير".

تقبل وجودك في الحياة مطمئناً مغتبطاً، وكن سيد نفسك، فاختر حياتك وعشها، وابقَ إلى النهاية حاملاً روح الرواد. ومهما بذلت من جهد، وتفصَّدَ منك العرق وسهرت مع نجوم الليل، فسيطلع عليك فجر منير، يبشر بمقدم الأيّام المنتصرة، أيام حياته الوارفة الرغدة... وعند الصباح يحمد القوم السُّرى...!

إن فيك خيراً كثيراً، واستعداداً هائلاً للتفوق.. أبصره جيداً.. ثمّ أحمل إزميلك، وانحت لنفسك الحياة التي تريدها في حِذق، وأناة، وإصرار، وتهلل..

إنّ الحياة تريد التنوع وتباركه وتعمل به.. انظر إلى الزرع تراه مختلف الألوان.. والثمار لها صنوف شتى، بل إنّ النوع الواحد تراه يتشكل ويتنوع في نماذج كثيرة، العنب أو البرتقال، والمانجو... كلها تتنوع وتتشكل.

آمن أنت بالله الخالق وبنفسك، واحترم وجودك، واختر حياتك. اختر حياتك من خامات جديدة ما استطعت. واترك على الأرض، بعد عمر طويل، آثار قدمَيْ إنسان جديد مرّ بها وأضاف إليها.

إن امتلاكك أرضاً، أو داراً، أو ثروة، إنما هو امتلاك نسبي.

أما الملكية الحقة المطلقة، فهي ملكية النفس.

أجل.. إن خير ثرواتك وأزكاها، وأبقاها، هي نفسك، وحياتك.. فلتكن سيد نفسك، وسيد حياتك...

واعلم أن حرِّية روحك كفيلة بأن تُبوِّئك بين الأحيان العاملين، مكاناً عالياً، إذا عرفت كيف تستخدمها في توكيد ذاتك، واختيار حياتك، وإذا جعلت القانون الذي تصنعه بنفسك لنفسك، مظهراً صادقاً لإرادتك، وإذا هيأت نفسك للإنتفاع بالفرص العادلة التي تسنح لك. والتي تناديك، لتصوغ منها نموذجك الخاص، هذا النموذج الذي يتمثل في النهاية إنساناً جديداً، وإنساناً حقاً.

إختر حياتك إذن، سالكاً الطريق الذي تهيئه لك قدرتك. واكتشف مزاياك أنت، ثمّ نمها مستعيناً على ذلك برؤية الآخرين، الذين حققوا تفوقاً كبيراً، وصاغوا بأنفسهم حياة جليلة.

لكن لا تجاوز الرؤية إلى التلاشي.

لا تجاوز الإعجاب الحافز إلى التقليد الضرير. وَوِفْق ظروفك وطاقاتك. وِفْق استعدادك وذكائك. وِفْقَ طموحك العاقل العادل. وِفْق رؤاك الزكية الباسلة.. تقدم وصُغ حياتك في غير نكوص وفي غير تهور.

إنّ الذي ينتحر بأن يعرض نفسه لما لا طاقة لها به من ثلوج قمة عالية، يهرئه صقيعها، كالذي ينتحر بإلقاء نفسه في ظلمات بئر عميق.

كما أنّ الذي يحلق طائراً في الطبقات البعيدة من الفضاء، ويترك نفسه فريسة للأحكام، بعيداً عن أرض الواقع، فإنّه يفقد التنفس والهواء، وعندئذ لا يكون شهيد السموّ، بل ضحية الغرور والنّزَق.

وأيضاً، إذا ترديت في الحفرة الفاغرة لك فاها، فلن يكن ثمة عذر أنك لم تبصرها، لأنّ الله جعل لك عينين في مقدمة رأسك، ولم يجعلهما من الوراء.

ماذا يعني هذا القول؟

معناه ألا تركب الشطط في تطوير وجودك وإرباء حياتك، وألا تستسلم للعجز والهزيمة.

ولكن سر في شجاعة، وحكمة.

وإذا أخذت لحياتك نهجاً، وصممت لها فلسفتها التي ستُهدي خطاها على طول الطريق.. فقد نسجت الراية التي ستكون رمزاً لحياتك، فاحمل رايتك إذن، وابق إلى النهاية حاملاً لها بعزم وإرادة وتصميم.

ليس معنى هذا أن تجمد، ويقف تطورك النفسي والفكري، فنحن نغير رقعة الراية، إذا لوّحتها الشمس، أو أوهنتها الرياح... فجدد رايتك أيضاً، ودائماً، مادامت تمثل السمة المميزة لحياتك النامية، وفلسفتك الذكية الصاعدة، ودعها تخفق في جو السماء، معلنة أن هنا حياة صاغها صاحبها في أحسن تقويم.

دعها تتلألأ فوق كشف إنساني جديد يضيف إلى البشرية ثراء وغنى.. كشف يتمثل في إنسان جديد. هو أنت بما بذلت من جهد في تطوير وجودك، واكتشاف حياتك. وافعل ما يمليه عليك دينك وضميرك، وتوكل على الله دائماً في كل عمر تقوم به حتى يتحقق لك النجاح والفلاح. ►

 

المصدر: وصايا الدهر إلى الشباب والشابات العصر

ارسال التعليق

Top