• ٤ كانون أول/ديسمبر ٢٠٢٠ | ١٨ ربيع الثاني ١٤٤٢ هـ
البلاغ

العقوبة.. ليست الوسيلة المناسبة لأخطاء أبنائنا

د. عمرو خالد

العقوبة.. ليست الوسيلة المناسبة لأخطاء أبنائنا
ماذا نفعل عندما يُخطئ أولادنا؟ وهل لابدّ من معاقبتهم؟ لقد أفردنا حلقة كاملة للعقوبة، وهي مقال اليوم. دعونا نبدأ بالاعتراف بوجود إفراط وإسراف في استخدام الآباء والأُمّهات للعقاب. وعندما أذكر العقوبة، أقصد كل شيء من المنع من المصروف، إلى المنع من الخروج، إلى الحرمان من الأشياء التي يحبها أولادنا.. إلخ. ولا أتكلم عن الضرب لأنّه مرفوض تماماً، ولا يُعدُّ وسيلة تربوية كما أثبت علم النفس. غالباً ما يلجأ الآباء إلى العقاب، رغم صحة نيّته، لأنّه وسيلة سهلة. ونعوذ بالله أن يفهمنا الناس أننا نقول إنّ الأبناء على حق والآباء ليسوا كذلك. بالعكس. فنحن أفردنا حلقتين للتحدث عن بِرّ الوالدين، ونريد أن نُربّي أبناءنا على تقبيل يدي الأب والأُمّ، وعلى احترامهما. هَدَف هذا المقال هو: العقوبة ليست وسيلة مناسبة، العقوبة ليست أول البدائل. يقول النبي (ص): "ما كان الرفق في شيء إلا زَانَهُ، وما كان العنف في شيء إلا شَانَهُ". ويقول (ص): "إنّ الله رفيق يحب الرفق ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف". كان هدف النبي من هذا الحديث أن نبحث عن بدائل للتربية. وسرُّ حديثنا عن هذا الموضوع، وسط المقالات التي نتكلّم فيها عن الأسرة كجزر منعزلة، أنّ العقاب يؤدي إلى فقدان الرغبة عند الأبناء في التعامل مع الآباء. كما يعلمهم أن يفعلوا ما يريده الآباء أن يفعلوه أمامهم فقط، ليظهروا بالمظهر الذي يريده الآباء لهم، ثمّ يفعلوا ما يحلو لهم في السر. وهكذا أصبحنا نعلمهم النفاق بهذا العقاب، فنزيد الموقف سوءاً، لأنّنا أخذنا الحل الأسهل الذي لا يؤدي إلى تغيير السلوك وتقويمه. أريد أن أسألكم: هل العقاب هدف أم وسيلة؟ إذا كنت تعتبر العقاب هدفاً وتعاقب أبناءك من دون سبب، فهو حرام. وإذا كنت تعتبر العقاب وسيلة، فهل هو الوسيلة المؤدية إلى أفضل النتائج؟ وما هي الرسالة التي نوصلها إلى الأبناء بالعقاب؟ المفاجأة هي أن ما نريد توصيله هو عكس ما يستقبله الأبناء تماماً. نحن نريد أن نوصل إليهم "أننا أباك وأمك، نريد المصلحة لك، أنت غالٍ عندنا، وما تفعله يُسيء إليك، ولابدّ أن تُصلح من سلوكك، ولهذا نعاقبك". أما ما يستقبله الأبناء فهو الحيرة: "لماذا يقهرونني؟ لم يتحكمون في؟ هل أنا مكان يُفرغون فيه مشاكلهم في العمل؟ سوف أعاند أكثر وأكثر، وسأتزيّن أمامهم ليروني مثالاً جيِّداً ثمّ أفعل ما أريد من دون أن يدروا"، ويكون الموقف أسوأ مع الضرب. أرجوكم.. لا تضربوا أبناءكم. الضرب يؤذي الشخصية ويعطي الطفل إحساساً بأنّ الأقوى هو الأقدر على السيطرة، ويستمر معه هذا الإحساس مع تقدم سنه. ولهذا نسمع عن ضابط في الشرطة يضرب شخصاً ضرباً مبرّحاً، ولهذا نسمع ونرى العنف والتفجيرات. لابدّ من وجود مشاكل في بيوت وأسر هؤلاء الأشخاص متعلقة بالعنف. تعالوا لنعود للقاعدة التي وضعها لنا النبي (ص): "ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نُزع من شيء إلا شانه، وإنّ الله رفيق يُحب الرفق ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف". أحياناً نعاقب في وقت يكون استعمال العقوبة فيه غير سليم. أحياناً نعاقب فنحرم أبناءنا الصغار من التعلُّم. الأطفال يريدون تعلم كل شيء فيلمسون هذا، ويتعلمون هذا، ويحطمون هذا، ويفككون هذا. فبمعاقبتنا لهم نحرمهم من التعلم والاكتشاف. قد يكون صوت الطفل مرتفعاً ويسبب لك إزعاجاً فتعاقبه، مع أنّه قد تكون لديه موهبة في الإنشاد. قد تكون لعبة الطفل المفضلة هي اللعب بالورق وتشكيله، وتحرمه منها، وتكون ثمرتها كبت عبقرية هندسية لديه. أنا عندي وصفة تحرم الأبناء من جميع أشكال الإبداع: كلما حاول الطفل أن يفعل شيئاً سيتسبب في فوضى البيت.. عاقبيه. مبروك.. ستحصلين على بيت مرتب جدّاً وابن لا يفقه شيئاً. أحياناً يكون لدى أبنائنا خُلقٌ نريد أن ننميه، وبالعقاب الخطأ نحرمهم منه. تحكي أم عن اتفاق أبرمته مع زوجها على تنمية سلوك الإيجابية عند ابنهما ذي السنوات الخمس. ذات يوم والأب عائد من عمله، استقبله الابن: "أبي، أنا ولد رائع". فحكت له الأم ما حدث. أراد الولد "الإيجابي" مساعدة أُمّه في غسل الأطباق، ولكنّه لم يكن كبيراً بالقدر الكافي ليصل إلى الصنبور، ففتح الثلاجة ليأتي بالماء لغسل الأطباق فسكب المياه كلها. ماذا ستفعلين لو كنت في هذا الموقف؟ تحكي الأُم أنها قالت للولد: - الأُم: لماذا فعلت هذا؟ * الإبن: أردت أن أساعدك في غسل الأطباق (هذه هي الإيجابية وهو سلوك رائع لا يمكن قتله). - الأُم: ولماذا جئت بالمياه من الثلاجة؟ * الابن: لأنني لم أتمكن من الوصول إلى الصنبور. - الأُم: أرأيت ما حدث؟ * الابن: نعم. - الأُم: وماذا علينا أن نفعل؟ * الابن: في المرة المقبلة سأحمل الأطباق إلى الحمّام لأغسلها هناك. - الأُم: ألا أدلك على خير من ذلك؟ في المرة المقبلة التي تريد أن تساعدني، قل لي لكي آتي لك بكرسي تقف عليه، فتستطيع الوصول إلى الصنبور. * الابن: هذا ما سأفعله في المرة المقبلة. - الأُم: وماذا سنفعل الآن؟ * الإبن: سآتي بمنشفة لأجفّف المياه. - الأُم: وأنا سأساعدك. لم تبذل الأُم مجهوداً في الانفعال وتوبيخ الطفل، بل استخدمت وقتها ومجهودها في إنتاج سلوك صحيح عند الطفل. فعندما عاد الأب من عمله وجد الابن منتعشاً. أحياناً نعاقب لأن هذا هو الطريق السهل، من دون الوصول إلى أصل المشكلة. تحكي أم أنّها ابتاعت بيتاً جديداً، ودعت صديقاتها لتريهنّ البيت، فظلت تنظف البيت لمدة يومين، وخصوصاً غرفة طفلتها ذات الأعوام الثلاثة، كما جعلتها تنام لكي يصل إلى صديقاتها مدى رفعة البيت وجمال هيئته. قُبيل وصول صديقات الأُم، دخلت الأُم غرفة البنت. فوجدتها وقد فرشت أرضية الغرفة باللعب وتلعب بها، وافقدت الغرفة كل ما كان من ترتيب وتنظيم. فعاقبتها عقاباً شديداً جعل الابنة تبكي من دون أن تعرف ذنبها. ما حدث هنا هو أنّ الأُم أرادت حسن المنظر أمام صديقاتها بينما الابنة لم تخطئ. نستخلص من هذه الأمثلة أننا أحياناً نعاقب أولادنا من دون سبب، أو نعاقبهم حينما لا يكون العقاب هو الوسيلة السليمة لتقويم السلوك، ويكون إيذاءً قد لا ينسونه طيلة حياتهم. ولابدّ أن نكون حُلماء، وخصوصاً مع أولادنا وبناتنا. يوصينا النبي (ص): "ليس الشديد بالصرعة، ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب". فالأولى أن نستخدم هذا الحديث مع أبنائنا. يقول الله تعالى: (.. وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ...) (آل عمران/ 159). نحنُ دائماً نفكر في هذه الآية كوصية من الله سبحانه وتعالى، للنبي (ص)، في الدعوة، ولِمَ لا تكون لنا في التعامل مع أولادنا باللين والرحمة حتى لا يَنفَضُّوا من حولنا؟ قد يُبرّر بعض الآباء كثرة عقابهم لأبنائهم بأن زماننا صعب، وأنّه لابدّ من معاقبتهم لكي يصبحوا أشداء قادرين على تحمل الصعوبت. أردُّ على هؤلاء بهذه الآية التي سبق ذكرها، وإنهم سينفضّون من حولنا بمجرد إحساسهم بقدرتهم على الاعتماد على أنفسهم، وسيكون هذا الوقت هو أشد وقت تحتاج أنت فيه إليهم. الأسوأ من كل ما سبق أننا قد نعاقب من دون أن ندري. فقد يكون لديك طفلان، أحدهما يحسن التصرف عكس الآخر، فتظل تعامل الأوّل بطريقة تختلف عن معاملتك الآخر، وتتوقف عن العدل بينهما تحت شعار التربية. حذار من هذه الطريقة، جاء إلى النبي (ص) رجل يشهده على أشياء سيعطيها لابنه، فقال له النبي: "ألَك أولاد؟"، قال: نعم. قال: "أأعطيتهم مثل ما أعطيته؟"، قال: لا. قال: "فأشهد على ذلك غيري". حَذَار من عدم العدل بين الأبناء في كل صغيرة وكبيرة. فهذه الأشياء لا ينساها الأطفال طيلة حياتهم، وقد تُفرّق بينهم وتزرع بينهم الحقد والكراهية حتى بعد مماتك بأعوام مديدة. بينما النبي (ص) جالس في بيت ابنته فطمة وعليّ (ع)، وأولادهما الحسن والحسين في الفراش، وإذا بالحسن يستيقظ فطلب السقاء، فقام سيدنا علي والسيدة فاطمة لإعطائه الماء، فإذا بالنبي (ص) يقول: "دعوني أنا أسقيه". فبينما النبي (ص) في الطريق لسقاية الحسن، وثب الحسين، فسبق الحسن يُريد الماء، فقال النبي (ص): "لا. حتى أعطي أخاك أوّلاً، فإنّه طلب أوّلاً". أترون إلى أي مدى يكون العدل؟ من طلب أوّلاً يأخذ أوّلاً، أو نستأذنه. نحنُ لا نُقدّر ما نفعله في أولادنا بالعقاب. قد يحتاجون إلى العقاب، ولكنني أؤكد أنّه ليس الحل الأمثل، وهناك العديد من الحلول الأخرى التي يجب أن تسبق العقاب. "يأتي الابن يوم القيامة فيقول لله تبارك وتعالى: يا رب خذ لي حقي من أبي، تركني أفعل كذا وكذا". (حديث صحيح). حجة الابن أنّ الأب أخذ الطريق الأسهل، وهو العقاب، فلم يدرِ ما هي مشاكل ابنه، ولم يعالجها. صدّقوني حينما أقول لكم إن ما قلناه في المقالات السابقة هو الحل الأمثل: 1- الأب الصديق. 2- استخدام لغة العاطفة قبل لغة العقل. 3- الاحترام والتقدير. اسمعوا كلام المعلّم الأعظم (ص): "ما كان الرفق في شيء إلا زانه، وما نُزع من شيء إلا شانه". كفانا عنفاً في بيوتنا، وأوصيكم بعدم الضرب، خاصّةً مع البنات. فالبنت هي فاكهة بيتك، وهي مُربية أولادها، وهي جدة أحفادها، فهي تبني بنياناً من ثلاثة طوابق. ولهذا قال النبي (ص): "مَن كان عنده ثلاث بنات فيكرمهنّ ويؤدبهنّ ويرحمهنّ، كُنّ له ستراً من النار. قالوا: وإن كانتا اثنتين؟ قال: وإن كانتا اثنتين". كفَانا عِقاباً، وتعالوا نستخدم البدائل.

ارسال التعليق

Top