• ١ كانون أول/ديسمبر ٢٠٢٠ | ١٥ ربيع الثاني ١٤٤٢ هـ
البلاغ

العنف والسلم في معاني الإنسانية وقيمها

العنف والسلم في معاني الإنسانية وقيمها

◄العنف: هو استعمال أساليب القوة المباشرة والقهر والقسوة ضد الآخرين لتحقيق غايات العنف في الواقع، وقد تكون تلك الأساليب بدائية بسيطة تبرز في الشتم والسب والتعبير، أو حيوانية تبرز في العض والركل والسقط والنهش والضرب، وقد يأخذ العنف أسلوباً أكثر قهراً وقسوة في البغض والمقت بالسجن والتعذيب وسفك الدماء.. وقد يرتفع في أساليبه القهرية القاسية إلى حد المقت فيبرز في هتك الأعراض وانتهاك حرمات ومقدسات الآخرين الذين يعارضون تحقيق أهداف العنيف الهائج بقسوته وقهره.. فقد يخرّب كلّ مظاهر الإنسانية من معالم حضارية شيدها خصمه أو تركها من آثار وكتب ومكتبات ومراصد ومخابر..

والعنف بكلّ هذه الأساليب، إنما تعافها النفس وتمقتها الفطرة الإنسانية بما هي متدنية وهابطة ولا تصدر إلّا عن الظلمة والهمج الطغاة والمتجبرين.. وبما هي منافية لسنن الحسن الكونية والتكوينية، فهي قبح وسوء، فإنها وإن بدت نهجاً لتحقيق الغايات، إلّا أنّ الواقع الإنساني وعلى طول التاريخ أثبت أنّ العنف هو أقبح ما يشوه تاريخ الإنسانية، بل هو وجه العار الذي يغطي تاريخ الحكام المتجبرين والطغاة الظلمة، الذي يحدثنا به تاريخهم.

أما اللاعنف: فهو أسلوب موحد للأخيار من الناس في استعمالهم للقوة غير المباشرة الموجهة من العقل والمستندة إلى الإقناع المشفوع بالمحبة والرحمة من أجل تحقيق غايات السنن التكوينية في النفس الإنسانية للمطابقة مع السنن الكونية في سيادة النظام وشيوع الرحمة وإحقاق الحقّ وتجسيد العدل بالصبر والتحمل والعزيمة لتجاوز البلاء والتزام الأحسن والسعي للأفضل.

واللاعنف، بهذه المواصفات، إنما هو مهمة الرسل والأنبياء (عليهم السلام)، كما يحدثنا التاريخ، بل هو مهمة كلّ مصلح، بل هو سمة الإنسانية في كلّ شخص من بني آدم يسعى على وجه الأرض.

فمن خلال دراسة سير الأخيار والمصلحين والرسل والأنبياء ثمّ الأوصياء من الأئمة المعصومين (عليهم السلام)، نجدها جميعاً وجهاً لمعنى أسلوب اللاعنف الموحد في تحقيق القيم الإنسانية.

وكذا نجد من خلال دراسة سير الأشرار والطغاة والمتجبرين الظلمة، إنها جميعاً مليئة بالعنف، بل كلّها عنف، بل إنّ العنف هو نفسهم الذي يتنفسونه ليستمروا في الحياة، ومجرد توقف العنف في حياتهم إنما هو موتهم الحتمي.

وإنّ دراسة التاريخ لتعطينا الدليل الذي لا شك فيه على أنّ كلّ الأهداف الإنسانية العظيمة التي تحققت على الأرض إنما تحققت من خلال منهج اللاعنف وأساليبه المحببة الرحيمة العاقلة الذكية.

وكذلك ينبئنا التاريخ بالدليل الذي لا ريب فيه، بأنّ العنف إنما هو صفة الناس البدائيين عديمي الثقافة والحس الإنساني، وهو أسلوب الطغاة المتجبرين والعتاة الظلمة من الحاكمين المصابين بأمراض العظمة والعجب بالنفس والشعور بالكبر والحسد الذي أعماهم من كلّ حسن، فذهبوا بلعنة التاريخ الأبدية في حين فاز خصومهم بالخلود، يتذكر الناس مظلوميتهم فيتعاطفون مع مناهجهم، وبذلك فقد سجلوا في بعض الأحيان، مع عدم اختيارهم لللاعنف، كثوار، بسبب مظلوميتهم، وعتو خصومهم في العنف.

إنّ منهج اللاعنف هو منهج الدعوة لله تعالى في القرآن العظيم، والسنة الشريفة، وهنا نتحدث عن معنى اللاعنف في القرآن الكريم: قال تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) (سورة الكافرون).

إنّ في هذه السورة القصيرة كلّ معاني منهج اللاعنف في الدعوة إلى الله تعالى، ذلك لأنّ هناك أمراً هاماً، لا يفوت على كلّ ذي لب، وهو أنّ الحقّ لابدّ ظاهر، وأنّ الباطل من اسمه لابدّ مندحر.. وأنّ الحسن جذاب بذاته.. وأنّ القبح منفر بذاته، وأنّ العدل مطلوب، وأنّ الحقّ مرغوب، وأنّ الظلم مكروه وأنّ الباطل زاهق. لذا فالالتزام الصادق بالحقّ والوقوف إلى جانب العدل، وإبراز الحسن والدعوة به وإليه لا يحتاج إلى عنف، بل يحتاج إلى الصبر، إذ مع الوقت تتحقق إرادة الله تعالى في مضمون سننه في الحقّ والعدل وكلّ معاني الحسن في الكون وفي الناس.

إنّ التزام اللاعنف وإعلان التزامه في الناس والخصوم، لا يؤدي دوره الرباني، ولا يعتبر منهجاً حسناً، ولا طريقة للتغيير إذا لم يكن الملتزم بمبدأ اللاعنف، عارفاً بالحقّ طالباً له، ساعياً إلى تجسيده عدلاً يلمس وينظر مبغضاً للظلم قال له، كارهاً للقبح تاركاً له علماً وعملاً. قال تعالى: (قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) (الأنعام/ 135).

إنّ اللاعنف هو حد من التزام المرء بالحقّ والسعي إلى العدل دون هوادة، يلزمه المؤمن نهجاً في حياته، بما لا يسمح للمبطل أن يمنعه من هذا النهج. فمثلاً يلتزم المؤمن بأن لا يبدأ بالعنف أحداً ولا يجبر بالعنف أحداً على فعل شيء، فهو مأمون الشر لا يأتي منه الباطل والقبح، إذ هو رجل اختار منهج السلام والمصالحة والمداراة والفعل الحسن والدفع بالحسنى.. كذلك، فإنّ هذا الذي اختار اللاعنف، يطلب وضمن منهجه المسالم، أن لا يبدأه أحد بشرْ أو ظلم أو قبح أو يجبره على فعل أو قول ينافي خياره في الحقّ والحسن ومعانيهما.

إنّ إشاعة اللاعنف تكون ضمن معاني الحسن الرباني وسننه في الكون، في السلام، والطاعة له سبحانه، وفي السعي للحقّ وطلب العدل وفي إشاعته للمحبة والرحمة بين أبناء البشر، وفي تذكر الموت والاستعداد لما بعده، وفي رسوخ معاني التوحيد وقيم الوحدانية، وفي مظاهر الصبر والمصابرة على البلاء والتزام المعصوم وفي السعي للأفضل والأحسن دوماً. قال تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ * فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالأمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) (آل عمران/ 19-20).

إنّ مبدأ اللاعنف الرباني يدعو الرسول (ص) ومن خلاله يأمر الدعاة إلى الله تعالى، بتبليغ الهداية من لدنه تعالى.. فإن تولى المدعوون، فما على الداعي إلّا البلاغ، فهو يذكرهم بأنّه لا يختلف في حاله عن حالهم كونه بشراً: (قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) (الأنعام/ 15). ويقول الله تعالى لرسوله العظيم (ص): قل لمن يريدون منك ترك منهجك: (قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ) (الأنعام/ 56)، وحتى إن كذّبوا الرسول (ص) يقول تعالى: (قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ) (الأنعام/ 66). أو يقول له تعالى إن تولوا عنك فيما تدعوهم إليه من الحقّ والإحسان: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) (التوبة/ 129). ويقول تعالى لرسوله الكريم (ص): وإن كذبوك في نهجك وهو الصدق الثابت فتبرأ منهم: (وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ) (يونس/ 41).

اللاعنف هو إصرار على العلم والعمل به وإعلان البراءة من كلّ قبح وباطل وسوء. بما يعني الإصرار على الصبر وإعمال الفكر وتجنب الحمق وما يجره إلى العنف.. قال تعالى: (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ...) (الإسراء/ 53). وقول الأحسن يحتاج إلى معرفة الحسن وأصول قوله من خلال منهج حياة ودين حق: لا يبدو صدقاً ثابتاً إلّا في الشرعة المحمدية.

ومن منطلق اللاعنف فحتى لو اختلف المقاييس – كما هي الحال عند الماديين – وقالوا بنسبية الحسن والقبح، وحتى لو قلبت الموازين عند البعض ورأوا أنّ المصلح مفسد، والحقّ باطل والمحسن مجرم.. فإنّ الله تعالى يقول لرسوله الكريم (ص)، مع أنه غير مجرم، بل الضالون هم المجرمون، بسبب عدم هداهم: يقول تعالى: (قُلْ لا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ) (سبأ/ 25).

وفيها معاني التوكيد على المضاء في النهج الصحيح بإسكات المضلين والمضللين، ومثله في قوله تعالى إصرار على هذا المضاء بالقول: (قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ) (الزّمر/ 39).

إنّ مبدأ اللاعنف الذي تتوضح مناهجه وأساليبه من خلال آيات القرآن العظيم إنما هو منهج صادق (إستراتيجي) – بالمصطلح الحديث – وليس (تكتيكياً)، كما يتوهم أصحاب المناهج الأخرى، أو كما يتخذونه هم لتسود مناهجهم، ذلك لأنّ الأصل في اتخاذ هذا المنهج في الإسلام هو الرحمة.. الرحمة الواسعة التي هي أُم السنن في الكون، بل هي علة العلل في كلّ خلق، فقد كتب الخالق الرحمن الرحيم على نفسه الرحمة. ومنهج اللاعنف يتأكد بكثير من آيات القرآن العظيم على أنّه رحماني ونهج الرحمة.. قال تعالى: (وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ * فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) (الزخرف/ 88-89). ذلك لأنّ العمل من خلال دين الله تعالى القويم وشرعه، هو عمل رصين بالحقّ، مسنود بالعدل، معلول للرحمة الواسعة، محفوف بالبلاء، مقصود به وجه الله تعالى، والذي يصدق في قصد وجه الله تعالى لا يكترث إزاء ذلك القصد بمصلحة يصيبها مما يجري فيه العنف بين العبيد من البشر، فالقاصد الصادق لوجه الله تعالى الذي يحسن الظن بخالقه ويحسن التوكل عليه، صابر في جنب الله محتمل الأذى مع ربه.. ذو عزيمة في دينه لخالقه، مطمئن لأمره سبحانه وتعالى الذي يريد له وللبشر جميعاً الأفضل دنيا وآخره.

إنّ هذا الواقع من صفات المؤمن الحقّ ونهجه في الحياة الدنيا، إنما هي غايات العلم ومنتهى صفات الحسن الكوني وعلل الجمال الرباني، وإنّ العنف دون قصاص يحكم به، أو عدل يفرضه، فإنّه لا يناسب أن يرافق غايات العلم وأهداف الحسن في الكون وعلل الجمال في الوجود.. وحتى القصاص، فإنّ الله سبحانه وتعالى يجوز فيه العفو ويحث عليه إحساناً: (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ) (البقرة/ 178).

فليس من الإنصاف في شيء ولا من الحسن ولا من العدل أن يرافق العنف العمل لله تعالى من خلال شرعه، وفي سير المعصومين تجسيد واضح لمعاني اللاعنف كما لا يخفى.►

ارسال التعليق

Top