• ٩ أيار/مايو ٢٠٢١ | ٢٧ رمضان ١٤٤٢ هـ
البلاغ

القرآن يرسم لنا طريق قراءته

محمّد عدنان سالم

القرآن يرسم لنا طريق قراءته

 

(كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ) (ص/ 29).

في هذه الآية بيان للمقصود من تنزيل القرآن، وهو تدبر الناس لآياته، وأنّ هذا التدبر هو علامة بركته، وتحصيل نفعه وفائدته.

(إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ) (فاطر/ 29-30).

وفي هذه الآية عرض لنموذج رائع من القراء لكتاب الله، الذين أثمرت قراءتهم إقامة للصلاة، وإنفاقاً في سبيل الله، هذا النموذج الذي تعامل مع كتاب الله تعاملاً ناجحاً يستحق المثوبة والتكريم من الله.

(الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ) (البقرة/ 121).

وها هنا توضيح للتلاوة المطلوبة، والتي هي سمة المؤمنين، وهي أن يتلوه حقّ تلاوته، أي أن يقرؤوه بوعي وإدراك لمعانيه، وتطبيق لأوامره ونواهيه.

(أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) (محمّد/ 24).

هنا يأتي التساؤل الإلهي، بالنسبة إلى هؤلاء القراء الذين ترد ألسنتهم كلام الله، دون وعي لمقاصده، ولا تطبيق لأحكامه؛ هل أقفلت قلوبهم وعطلت عقولهم، فلا تتدبر ما تقرأ، ولا تنتفع به؟

(أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ * اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (الحديد/ 16-17).

وتأتي الدعوة الإلهية من جديد إلى الذين عطلوا أسماعهم وأبصارهم وقلوبهم عن ذكر الله وما نزل من الحقّ، أن يثوبوا إلى رشدهم، وأن يفتحوا مغاليق قلوبهم، ويزيلوا عنها ما ران عليها من الصدأ لطول الأمد، وأن يُعملوا عقولهم بعد أن يزيلوا عنها ما تراكم عليها من غبار التقليد عبر السنين، وأن يعيدوا قراءة كتاب الله ويتلوه حقّ تلاوته، بأعينٍ مدركةٍ للنصوص، مفتوحة على الواقع، فسوف يجدون أنّ الله تعالى قادر على أن يحيي الأرض بعد موتها، قادر على أن يعيدهم إلى الحياة والعزة بالقرآن من جديد.

وكأني بالآية تشير إلى سُنّةٍ ثابتة تخضع لها كلّ المجتمعات التي تنهض على دويِّ رسالةٍ، توقظها من سباتها، فتحملها وتنطلق بها، واعيةً لمفاهيمها، مدركةً لمقاصدها، تواجه بها كلّ الوقائع والمستجدات، فإذا ما اطمأنت لنجاحها، واسترخت في عزيمتها واجتهادها، وطال عليها الأمد فأورثها قسوة القلب، والعجز عن مواكبة المستجدات والتعامل معها، إذا بها تلوذ بالنصوص، وتستلهم الأقدمين تريد أن تبعثهم من قبورهم، وتسألهم أن يطلوا عليها من وراء القرون لحل مشاكلها، فيعجزون عن ذلك، وتسقط صريعة جهلها وجمودها وكسلها واسترخائها.

وينبغي لنا أن نلاحظ أنّ المخاطبين في هذه الآية هم المؤمنون الذي ما زالوا يتلقون الوحي، ويعيشون في صحبة الرسول (ص)، وها هو الوحي يتخوف عليهم من طول الأمد الذي أصاب الذين أوتوا الكتاب من قبلهم، فكيف بنا نحن الذين تفصلنا عن زمن تنزل الوحي القرون الطوال؟!

 

المصدر: كتاب القراءة... أوّلاً

ارسال التعليق

Top