• ٣ آذار/مارس ٢٠٢١ | ١٩ رجب ١٤٤٢ هـ
البلاغ

تعزيز المحبّة ونبذ ظاهرة العنف

عمار كاظم

تعزيز المحبّة ونبذ ظاهرة العنف

العنف ظاهرة شائعة في كثير من المجتمعات، إذ اصبحت مشكلة تؤرّق الجميع، يتطلب الأمر الاهتمام بها.. فالعنف ضد الرفق، كما أنّ الرفق ضد العنف، وهو لين الجانب ولطافة القول والفعل.. فالفظاظة والخشونة والغلظة والقساوة في الطبع والقول والمعاملة والفعل هي صفات الإنسان العنيف. ومن الضروري أن نطلّ على نظرة الإسلام لمفهومي العنف والرفق لنحدّد موقعهما في الحياة وفق الرؤية الإسلامية، وغير خفيّ أن الرفق قيمة كبرى يريدنا الإسلام أن نحملها في قلوبنا ونجسّدها على أرض الواقع، يقول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ الله رفيق يحبّ الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف»، وقال أيضاً: «الرفق لم يوضع على شيء إلّا زانه ولم ينزع من شيء إلّا شانه». ولن يستطيع الإنسان بلوغ غاياته بدون انتهاج سبيل الرفق، وهل انتشر الإسلام  إلّا بثقافة الرفق ولغة المحبّة، وهل دخل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قلوب الناس لو لم يكن رحمة شاملة ومُهداة لهم جميعاً.

لننشر ثقافة الرحمة، ونبرهن على أنّ الرفق ليس مجرد قيمة متسامية وشعار عريض نزيّن به ساحاتنا، بل إنّه سلوك ومنهج حياة ينبغي أن يحكم كلّ مرافق الحياة ومختلف الدوائر الإنسانية العامّة والخاصّة، وأنّه من جهة أُخرى محميّ بتشريعات قوانين تكفل تطبيقه وتمنع تجاوزه، آن الأوان لننقذ الرحمة نفسها من نصال العنف وأنيابه المتوحشة، لأنّ الضحية الكبرى لمنطق العنف هو غياب قيمة الرحمة نفسها وتلاشيها.. إنّ العلاقات الإنسانية برمتها لابدّ أن تتحرّك على أساس الرفق لا العنف، فالعلاقة بين المرء وزوجته كمثال عمادها المحبّة والرحمة (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً) (الروم/ 21)، وكذلك العلاقة بين الولد ووالديه (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ) (الإسراء/ 24). ولو خرجنا من دائرة الأُسرة إلى دائرة الأرحام و الجيران والإخوان، سنجد الدعوة واضحة إلى أن يكون الرفق منهاج حياتنا، فعن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «الراحمون يرحمهم الرحمان، ارحموا مَن في الأرض يرحمكم مَن في السماء»، وقد وصف الله المؤمنين بأنّهم (أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ) (الفتح/ 29). والحاكم المسؤول لابدّ أن ينتهج أسلوب الرفق مع الأُمّة (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ) (آل عمران/ 159). ولابدّ أن تمتد حبال المودة وسياسة الرفق إلى الآخر الذي يختلف معك في الدِّين، قال تعالى: (لَا يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الممتحنة/ 8).

كما في القرآن الكريم آيات كثيرة صريحة في تحريم الظلم بذكر اسمه والذي يكون سبب مباشر للعنف، وآيات كثيرة  في تحريم الظلم بصورة غير مباشرة وذلك بالأمر بالعدل لأنّ الأمر بالعدل نهي عن الظلم فمن ذلك قوله تعالى: (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ) (النحل/ 90)، هكذا أمراً مطلقاً بالعدل بكلّ ما هو عدل ولكلّ إنسان فلا يجوز ظلمه ولو كان كافراً أو ظالماً، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) (المائدة/ 8)، ومعنى شنآن قوم أي بغض قوم وهم الكفار.

ختاماً، يجب تعزيز ثقافة التسامح ونشر رسالة المحبّة والتأكيد على احترام الآخر في نفسه وماله وعرضه، ورعاية حقوقه وحفظ إنسانيته وكف الأذى عنه ما دام لا يتحرّك بالظلم والعدوان. وإنّ كلّ أنواع العنف حرّمها الإسلام، فهو عنف سلبي هدام. أمّا العنف المشروع فهو عنف الدفاع عن النفس والمال والعرض والوطن. قال تعالى: (وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ) (الأنفال/ 60)، وقوله تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلهِ) (الأنفال/ 39).

ارسال التعليق

Top