• ٢ كانون أول/ديسمبر ٢٠٢٠ | ١٦ ربيع الثاني ١٤٤٢ هـ
البلاغ

تنمية الذكاء العاطفي لبناء شخصية الطفل

تنمية الذكاء العاطفي لبناء شخصية الطفل

مقدّمة:

يتبادر إلى أذهان كثير من الناس بأنّ الذكاء هو الفطنة العقلية التي تكون لدى الطفل، والتي يُمكن تحديدها بواسطة اختبارات الذكاء. غير أنّ الحقيقة الناصعة التي كشفت عنها الدراسات الحديثة هي أنّ الذكاء أنماط عديدة يكمل بعضها بعضاً، وأنّ كلّ نمط من هذه الأنماط يساهم في تحقيق نجاح الفرد في حياته. فإذا تكاملت هذه الأنماط، وتوافقت مع الذكاء العاطفي لديه، فإنّ الطفل سيتفوَّق وسيحقِّق السعادة لنفسه وللمتصلين به. غير أنّ الذكاء التقليدي وحده لا يُحقِّق للمرء النجاح المنشود إذا لم يرافقه ذكاء عاطفي ملائم، وكم من رجل متوقد الذكاء أخفق في تحقيق أهدافه، في حين نجح آخرون ممّن هم دونه ذكاءً، لأنّهم يتمتعون بقدرٍ عالٍ من الذكاء العاطفي.

فبالذكاء العاطفي يستطيع المرء أن يواجه الأزمات والاضطرابات التي تعترض حياته، وبه يلقى القبول من الآخرين. فما المقصود بالذكاء العاطفي؟ وما دوره في تحقيق السعادة لرجال المستقبل؟

 

مفهوم الذكاء العاطفي:

الذكاء العاطفي هو كما يرى دانييل جولمان (1995م): "القدرة على أن تتميز وتستجيب استجابة ملائمة للحالات النفسية والمزاجية والميول والرغبات الخاصّة بالآخرين". أو هو (العيتي 1995م): "قدرة الإنسان على التعامل الإيجابي مع ذاته ومع الآخرين، حيث يُحقِّق أكبر قدر من السعادة لنفسه ولمن حوله".

وهذه القدرة تمكن الشخص من إتقان فنّ التعامل مع المواقف بتفريغ العواطف الإيجابية والسلبية بطريقة آمنة، وهي تمكن الإنسان من التعامل مع المجتمع بوعي، حيث إنّ كبت العواطف يؤثر سلباً على صحّة الفرد النفسية والجسدية، وقد يؤدي به ذلك إلى عزلة اجتماعية تحول بينه وبين أن ينجح ويبدع في حياته. ولن يتمكّن المُتعلِّم من هذه المهارة إلّا إذا كان - كما يرى جولمان - قادراً على:

 

أوّلاً: فهم الذات، ويتحقق هذا الفهم إذا استطاع المُتعلِّم:

- إدراك المبادئ الراسخة في الحياة.

- التسلُّح بالقيم السامية التي تمكنه من التفريق بين الخطأ والصواب، وبين الحقّ والباطل.

- معرفة الأسباب الكامنة وراء أحاسيسه المختلفة.

- استخدام الحدس، استخداماً سليماً.

- اتخاذ القرار السليم.

- تحديد الأولويات وتقديم المهم على الأقل أهمية.

 

ثانياً: التعامل الإيجابي مع الذات، وهذا يتطلب أن يكون الفرد:

- قادراً على تحديد أهدافه بوضوح.

- متفائلاً ينظر إلى الأُمور بمنظار أبيض، ويتوقّع النهايات السعيدة دائماً. ومثل هذا الشخص تراه في معظم الأحيان باسماً مبتهجاً يطلق العبارات التي تثلج صدور الآخرين.

- صلباً قادراً على التعامل الإيجابي مع المشكلات التي تعترضه، ومواجهة الصعوبات التي تواجهه.

- مرناً قادراً على تكييف وسائله وأساليبه بما يضمن التعامل مع المواقف والظروف المختلفة.

- مبادراً قادراً على تحمُّل المسؤولية، وعلى إحداث التغييرات الإيجابية، وعدم إسقاط التبعات على الآخرين.

- حليماً قادراً على ضبط عواطفه، بتخفيف المشاعر السلبية، وتوليد المشاعر الإيجابية بدلاً منها.

- واثقاً بنفسه، مؤمناً بقدراته على مواجهة التحدّيات وتحقيق الأهداف، فيحيا الحياة السعيدة التي خطط لبلوغها.

- صابراً ومواظباً على بذل الجهود المستمرة لتحقيق الأهداف.

- مبدعاً قادراً على توليد الأفكار البنّاءة وإيجاد أساليب جديدة لحل المشكلات ولتنفيذ الأعمال.

- صادقاً في التعبير عن نفسه في جميع الأحوال وعلى كافة المستويات.

 

ثالثاً: فهم الآخرين، ويكون ذلك من خلال:

- مراقبة أعمالهم وحركات أجسادهم.

- الاستماع لأقوالهم وملاحظة تعبيرات وجوههم.

 

رابعاً: التعامل الإيجابي مع الآخرين، ويتحقق له ذلك إذا استطاع:

- فهم مشاعرهم، وجعلهم يحسّون بأنّه يفهمهم.

- إظهار مشاعره الإيجابية تجاههم.

- التواصل معهم ومشاركتهم في أفراحهم وأتراحهم.

ومن الجدير بالذكر أنّ أُسس الذكاء العاطفي تُبنى في السنوات الأولى من عمر الطفل، ويبلغ دماغه تمام نموّه في السنة الخامسة. وبقدر نجاح الوالدين في تأسيس هذا الذكاء لدى الطفل، يكون نجاحه في حياته العملية أكبر. فكما يختزن دماغ الطفل المعلومات والخبرات التي يكتسبها من البيئة المحيطة به، فإنّه يتشرّب كذلك العواطف والأحاسيس أثناء تعامله وتفاعله مع مَن هم حوله، ويقوم باختزانها في ذلك الجزء من دماغه المُسمّى (Amygdala) وهذه الغدة هي أسرع أقسام الدماغ الأخرى نمواً، حتى إنّها تكاد تكون مكتملة منذ ساعة الولادة.

وقد شَبَّهها بعض الباحثين بآلة التصوير التي تلتقط كلّ شيء يقع عليه البصر، أو يلتقطه السمع، وتختزنه ليستخدم فيما بعد في المناسبات والمواقف، ولذلك يقول علماء النفس: "أعطني الخمس سنوات الأولى من عمر الطفل، أُعطيك رجلاً كاملاً"، لأنّ هذه السنوات الخمس هي التي تُحدِّد ملامح شخصيته في المستقبل.

ولهذا، فإنّ البيئات والمؤسسات التربوية الفاعلة تُربِّي الطفل خلال هذه السنوات الخمس على العمل الجماعي التعاوني، ليعمل بروح الفريق وهو مؤمن بأنّه جزء من منظومة اجتماعية متكاملة.

وتشير الدراسات العلمية التي أُجريت حول هذه القضية إلى أنّ مجموعة التفاعلات والمشاعر التي يعايشها الطفل في أيامه الأولى وسنواته الأولى تؤسِّس وتؤصِّل لديه مجموعة دروس عاطفية تبقى مدى حياته كمرجعية قويّة وثابتة وراسخة، تُؤهِّله للتعامل مع محيطه ومع البشر من حوله.

وعلى الرغم من أهميّتها وقوّة تاثيرها ومدى تأصُّلها، إلّا أنّه من الصعب على صاحبها أن يفهمها أو يُحلِّلها، إذ أنّها قد خزنت في دماغه في مرحلة مبكرة من العمر بطريقة بدائية عندما كان لا يستطيع الكلام أو التحليل.

ويساعد الذكاء العاطفي الإنسان على ضبط عواطفه وانفعالاته في المواقف التي يتعرّض فيها لمشكلات وضغوط نفسية، بحيث يُحسن التصرف حيالها، ويتجاوزها ويتغلّب عليها دون أن تترك لديه آثاراً سلبية، وكذلك فإنّ الذكاء العاطفي يساعده على التواصل مع الآخرين بصورة تجعله قريباً منهم، فيقبلون عليه ويصغون لحديثه. فإذا تَمكَّن الفرد من ضبط عواطفه وأحسن التواصل مع المتحاورين معه، فإنّه سيحمي نفسه من الآثار السلبية للضغوط التي يتعرّض لها.

ولعلّ من أبرز مظاهر الذكاء العاطفي لدى الفرد هو كبح الغضب وضبط المشاعر، والتأني بردّ الفعل، فإذا فعل ذلك فإنّ سلوكه سيكون مقبولاً. وإذا استخدم ذكاءه العاطفي في التعامل مع المواقف الصعبة التي يتعرّض لها، فإنّه بالتأكيد سينجح.

ويؤكِّد دانيل جولمان في كتابه (الذكاء العاطفي) على أهمية "امتلاك الفرد القدرة على ضبط العواطف والانفعالات، وذلك بإظهارها سواءً أكانت إيجابية أو سلبية بطريقة سليمة، ومحاولة اجتناب كبتها أو التعبير عنها بطريقة خطأ".

ونظراً لأهمية الذكاء العاطفي في حياة الإنسان، فإنّ الدول المتقدِّمة كالولايات المتحدة الأمريكية واليابان تؤسِّس مراكز خاصّة هي أشبه ما تكون برياض الأطفال العملاقة والمجهزة بمختلف الوسائل المعيّنة، يتم فيها تدريب الطفل على الحياة الاجتماعية بصورة عملية.

 

الخاتمة:

بناءً على ما سبق، فإنّ الذكاء العاطفي شرط لابدّ منه لتستقيم حياة الإنسان، حيث تستقر نفسه، ويصبح قادراً على تصريف شؤون حياته، واتخاذ قرارات صائبة بشأنها. كما أنّ امتلاك ناصية الذكاء العاطفي يساعد على توجيه المرء نحو الطريقة السليمة في التعبير عن العواطف دون أن يترتب على ذلك خسائر نفسية أو اجتماعية. كما أنّه يعلّمه أن يُكيِّف نفسه على التعامل مع الضغوط الموجهة بقدر أكبر من المشاعر الإيجابية مع الاحتفاظ بها لأطول فترة ممكنة، ويبدو أنّ الذكاء العاطفي أصبح في الوقت الحاضر، وتحت الضغوط المتزايدة من مختلف جوانب الحياة، من أكبر احتياجاتنا.

وهكذا، فإنّ الذكاء التقليدي وحده لا يكفي لجلب السعادة للمرء، إذ إنّ في دماغ الإنسان عقلان: عاطفي ومنطقي، وبينهما كما يرى (جولمان) تنسيق رائع، إذ إنّ المشاعر ضرورية للتفكير، والتفكير ضروري للمشاعر، وبهذا التكامل يتحقق النجاح المنشود، فتحقق السعادة للإنسان الذي يتمتّع بقدر كاف من الذكاء العاطفي.

 

الكاتب: محمود طافش الشقيرات

المصدر: كتاب كيف تجعل من طفلك مبدعاً؟

ارسال التعليق

Top