• ٢٠ تشرين أول/أكتوبر ٢٠٢٠ | ٣ ربيع الأول ١٤٤٢ هـ
البلاغ

ثقافة الصورة في زمن العولمة

حواس محمود

ثقافة الصورة في زمن العولمة
لقد تميزت ثقافة العقلانية في مغامرتها الكبرى وإنجازاتها الرائعة بالقطيعة وتجاوز ذاتها دوماً (كما يذهب إليه فلاسفة العلوم من مثل باشلار) من أجل مزيد من الاقتدار المعرفي على السيطرة والضبط والتوجيه وفاعلية الإنتاج، إلا أنها أنتجت بدورها ما يتجاوزها، أي حضارة ما بعد التكنولوجيا، وها هي الآن أمام إحدى ثمارها (ثقافة الصورة وأيديولوجيتها الجديدة) التي بدأت تحاصرها، ذلك أنّ الغاية الكبرى قد تحولت من الإنتاج إلى الربح السريع. كان الإنتاج يحتاج كي يتحقق إلى ثقافة العقلانية، أما الربح السريع الذي بدأ يشكل الظاهرة الجديدة في الاقتصاد (اقتصاد السوق والسوق المالية) فهو يحتاج إلى ثقافة مغايرة هي موضوع مقالنا الحالي، إنّها ثقافة الصورة الإلكترونية التي بدأت تمثل حالة شبه قطيعة مع ثقافة العقلانية، إلا أن ثقافة الصورة لم تبرز كليّاً من الأصل لخدمة اقتصاد السوق، بل هي مرتبطة به من خلال تكنولوجيا المعلومات المشتركة بينهما من ناحية، ومن خلال وضع يد سوق المال على الإعلام ووسائطه من ناحية ثانية، إنها حالة ليس من المبالغة في شيء تسميتها بالمصادرة التي بدأت تتعاظم، وإن لم تصبح بعد شمولية، ذلك أن هدفها قوى سياسية تقليدية مازالت تنافسها في عملية المصادرة هذه كما هو حال الإعلام في عدد كبير من بلدان العالم الثالث، حيث يجير لخدمة السلطة في المقام الأول. يتناول الدكتور مصطفى حجازي موضوع ثقافة الصورة من خلال مرتكزاتها التكنولوجية، ويشير إلى أنّ المعلومات المتوافرة في هذا الموضوع متعاظمة دوماً، ويوجزها في القول بأنّ الكتابة فيه تتقادم بسرعة، فالمعلومات التي كانت تعتبر ثورة في الاتصال تصبح في زمن وجيز من الأمور الشائعة حتى في الأوساط الشعبية، وهذا يدل على أننا بصدد حالة مفتوحة النهاية متسارعة الخطوات، والتقدم التكنولوجي في هذا المجال يمر بقفزات ذات تسارع هندسي، أما على صعيد الاستهلاك فما كان يعتبر محصوراً في قلة قليلة سرعان ما أصبح تكنولوجيا عامة الانتشار والاستخدام، لا تلبث التكنولوجيا الجديدة تنزل إلى السوق حتى تصبح من الأمور المألوفة من مثل "الكيبل" والأطباق حيث يكون العالم كله بين يديك فعلاً وباللحظة عينها من خلال برامج البث المباشر، التسارع الزمني يصاحبه انتشار مكاني حيث أصبح فضاء الكرة الأرضية مغطى بشبكة كاملة، لم يعد هناك فضاء محظور وما هو مغلق اليوم يصبح مفتوحاً ومشاعاً غداً (أمريكا قررت فتح موجات البث الفضائية للمبادرات الخاصة)، وهو ما يطلق عليه العاملون في هذا الميدان "الحتمية التكنولوجية الإعلامية". تقوم وراء هذه الحتمية التكنولوجية تكنولوجيا بازغة فائقة القدرة على تبادل المعلومات ونشرها من خلال ثلاثي: الحاسوب – القمر الصناعي – التلفاز، ناهيك عن إدماج هذه التكنولوجيا من خلال (التلفزيونات) ذات الحواسيب المدمجة وذات القدرة على الالتقاط الرقمي للصورة، وبالطبع أصبحت (التلفزيونات المدمجة بالحواسيب الشخصية مسألة شائعة، من هنا فإن ثقافة الصورة لا تملأ علينا دنيانا فقط بل هي تصنعها بشكل متزايد في يسره ونفاذه وشموله، ولن يمضي وقت طويل قبل أن يلتقط جهاز (التلفزيون) العادي عدة مئات من البرامج من محطات تبنى كي تبث دفعة واحدة ما يزيد على ألف برنامج من فن ولون وذوق، إنّنا بصدد حالة فعلية من إغراق إعلامي يعبر عن مدى تزايد قوة ثقافة الصورة ونفاذها، كما لن يمضِ وقت طويل قبل أن يتحول جهاز (التلفزيون) في المنزل إلى سوبر ماركت إعلامي لا يلتقط ما تبثه المحطات فقط، بل هو مربوط بقواعد المعلومات التي تختزن مجمل الثورة البشرية من المادة المصورة والمرئية، ومن هنا ينتشر الحديث عن "إدمان الشاشة" وعن "نسالك الشاشة" تلك هي التكنولوجيا التي ستقدم الثقافة التي تتلقاها وتتعامل معها الأجيال الطالعة، ويمكن القول بأنّ (التلفزيون) لا يملأ علينا دنيانا فقط من خلال نقل الواقع الحي مباشرة أو غير مباشرة بل هو بصدد دنيا الأجيال الطالعة من خلال الواقع المخلق، الواقع المصنوع حاسوبيّاً، هذا الواقع الذي يمكن مزجه بدرجات متفاوتة مع الواقع الطبيعي يتعذر حتى على الأكثر فطنة تمييزه، بدأ الأمر مع أفلام الرسوم المتحركة للأطفال المصنوعة بالحاسوب، وهو بصدد الحلول محل التمثيل السينمائي والممثلين واستحضار النجوم التاريخيين في تمثيل مصنوع، إن هذا الواقع المخلق وإمكانات مزجه تكنولوجياً مع الواقع الفعلي يخلق حقّاً عالماً جديداً كلياً من ثقافة الصورة، عالم له قوة تأثيره التي يطلق عليها الدكتور حجازي تعبير "البلاغة الإلكترونية" ويشير الدكتور حجازي إلى أنّ البلاغة الإلكترونية تأتي كي تعزز وتضاعف بلاغة الصورة المرئية التقليدية والتي أصبح معروفاً مدى استخدامها في الإعلام: مؤثرات الصوت المجسم والألوان المبهرة، وتقنيات التكثيف والتركيز والتكبير والتصغير والدمج والفرز والإنزال، والمزج والتسلسل إلى ما هنالك من تقنيات وإخراج وهي تتوسل كل مبادئ التأثير الحديثة في علوم النفس الحواس والاستقبال الحسي والإدراك، هذه البلاغة لا يمكن المشاهد إلا الاستسلام لمتعها العديدة وبالتالي تأثيرها الصريح منه والخفي المباشر والمداور، الآني واللاحق، حيث أصبح معروفاً في علوم الإدراك أن مقدار الوعي بما يدرك من مثيرات لا يشكل سوى نسبة محدودة مما يتم تلقيه، كما أن بلاغة الصورة مضافة إلى البلاغة الإلكترونية وتلقيها من أكثر من حاسة في آن معاً، وتوجهها إلى أكثر من رغبة ودافع في الوقت نفسه، وقوة نصوعها وتماسكها وانسجامها كأشكال وسيناريوهات تجعل عملية بناء الشبكات العصبية المعرفية الخاصة واستيعابها وتخزينها أقوى بكثير، إضافة إلى كونها لا تتطلب جهداً عقلانياً واعياً ومركزاً، ومن هنا تتكون شبكات معلومات في الدماغ ذات حجم وسرعة لا يقارنان ببطء تكون الشبكات المعرفية الناتجة عن النص المكتوب الذي يحتاج إلى جهد عصبي لفك رموزه وتأويله ثمّ استيعابه بلاغة الصورة تقدم مادة مشغولة سلفاً وجاهزة للاستيعاب.   - ثقافة الصورة والتنشئة الاجتماعية: في السابق كان يسود الاعتقاد بأنّ الاضطرابات النفسية والاجتماعية التي تحدث للمراهقين والشباب تعود إلى الأسباب الفيزيولوجية فقط، إلا أنّ الدراسات الاجتماعية والأنثروبولوجية الحديثة عارضت هذا الاتجاه وربطته بعوامل عديدة أبرزها التنشئة الاجتماعية، فالتنشئة الاجتماعية كمصطلح كانت في الماضي مرتبطة بتعليم وتربية الصغار فقط، بينما شمل المصطلح الحديث تنشئة الصغار والكبار معاً، أي اعتبار التنشئة عملية مستمرة منذ الميلاد وحتى الممات، لأنّه من الواضح أن خبرة التطبيع الاجتماعي للشخص في مرحلة الطفولة لا تستطيع إعداده لكل الأدوار التي يتوقع منه أن يشغلها في حياته القادمة، بل إنّ هذه العملية خلال سنوات النضج يجب أن تكون مطلباً أساسياً في المجتمعات الدينامية الحديثة وهو الأمر الذي يلتقي مع الهدف البعيد للتربية المتمثل في ما يسمى حالياً بفكرة التنشئة الاجتماعية للكبار وهي التربية مدى الحياة، وتأتي وسائل الإعلام في المجتمع الحديث لتقوم بدور بارز في عملية التنشئة الاجتماعية، وهذا الدور يزداد أهمية وتأثيراً بانتشار هذه الوسائل وتطورها التقني واختراقها لجبهات الحياة المختلفة، وقبولها الفعال بين الأفراد وخاصة الأطفال والمراهقين والشباب وملازمته لهم طيلة الحياة من الطفولة وحتى نهاية العمر، ومن هنا نتبين الخطورة الاجتماعية النفسية التي تترتب على تعرض الشباب المستمر لهذه الوسائل. إنّ عملية التأثير بين الفرد ووسائل الاتصال عملية يصعب وضعها وكيفية فعلها نظراً إلى نواتج جملة من متغيرات تكاد لا تحصى في عملية التأثير لكن دراسة التأثير تظهر نتيجة تفاعل الخصائص النفسية والاجتماعية الحضارية، ولعلَّ من أهم خصائص وسائل الإعلام التي تبرز أثرها في عملية التنشئة الاجتماعية أنها غير شخصية، وأنّها تعكس جوانب متنوعة من الثقافة، كما أنّ الواقع يشير إلى اهتمام الشباب ببرامج (التلفزيون) وخاصة برامج القنوات الفضائية الأجنبية، ربما لأسباب كثيرة فهي أحياناً تغذي لديهم شعوراً بالنقص الكبير الذي ينعكس على سلوكهم سلباً لقوة البرامج الأجنبية من ناحية التشويق والإثارة والتنوع وقربها لرغباتهم الثقافية والغريزية، وهو الأمر الذي قد يؤدي إلى هروبهم من برامجهم (التلفزيونية) الوطنية، بل هروبهم من محيطهم الاجتماعي المتناقض، مما يؤدي إلى تكوين خصائص سلوكية مضطربة تجعلهم ينتقلون من الفعل إلى موقع الانفعال، ومن ميدان التأثير إلى خانة الاستلاب والتأثر، فالملاحظ أنّ القاسم المشترك لبرامج الفضائيات الأجنبية هو المادة الترفيهية وأفلام الجريمة والعنف والرعب والجنس، أي أن ثقافة الصورة تطغى عليها أكثر من ظاهرة الاغتراب والقلق وإثارة الغريزة والفردية والعدوانية، ودافعية الانحراف وسلطة المال والجنس وحب الاستهلاك والأنانية وعدم الاكتراث واللامبالاة والتمرد والطيش واللهو واللامسؤولية، وكلها مفردات حياتية تتأسس في إدراك الفرد وسلوكه ومعارفه، حيث تتحول أحياناً من صورة ذهنية إلى نشاط عملي عن طريق المحاكاة والتقيد وعمليات التطبع الاجتماعي. واللافت للنظر أن بعض الفضائيات العربية تساهم بشكل فعّال مع القنوات الفضائية الأجنبية بنشر المادة الأجنبية ذات الطابع الثقافي الهابط والتي لاتتلاءم مع الواقع الاجتماعي، وتتعارض مع التنشئة الاجتماعية العربية ومقوماتها، فهي تكرس صورة الحياة الاستهلاكية، وتعرض مقومات الشخصية العربية والثقافية للتشويه والمسخ والاغتراب الحاد، حيث تتسابق هذه المحطات العربية لإرضاء الشاب واجتذابه بأيّة صورة من خلال المواد الترفيهية، وعرض الأفلام والمغامرات المليئة بالعنف والجريمة وقصص الحب والمغامرات العاطفية والإثارة، بل إن بعض القنوات الفضائية العربية أصبحت أشبه بنواد ليلية تقدم لجمهورها أنواع الإثارة الجسدية والغريزية بمواصفات قد لا تجدها حتى في القنوات الفضائية الأجنبية، ومن دون مقص الرقيب وذلك من دون اعتبار بالواقع الاجتماعي ومتطلباته، وإستناداً إلى ما سبق نتوقع مستقبلاً أن تنشأ مشكلات اجتماعية تأخذ أبعاداً واضحة في الحياة العربية، ويتأثر الأطفال والمراهقون والشباب بنتائجها السلبية، فمن المحتمل أن تخلق الفضائيات حالة الاضطراب الاجتماعي وعدم الاستقرار والاختلال والرجرجة في العلاقات الاجتماعية وتعميق المشاعر الذاتية والأنانية أكثر من روح الالتزام الاجتماعي، وإضعاف الولاء للمجتمع والوطن وتنمية الفردية والروح الاستهلاكية، وتعميق الإحساس بالدونية والاغتراب، وإشاعة مشاعر الاستسلام للواقع، وإضعاف الروابط الأسرية وقيمها، وازدياد السلوك الإجرامي والأمراض الاجتماعية، والأهم كما نرى مستقبلاً (مع وجود مؤشرات واضحة وصارخة الآن) احتمال ضعف دور الأسرة والمدرسة في عملية التنشئة الاجتماعية مقابل الدور الكبير والمؤثر (للتلفزيون) في اتجاهات التنشئة الاجتماعية والعمليات السيكولوجية والسوسيولوجية.   - ثقافة الصورة ومحذور التخلف العقلي: يقول المفكر الدكتور محمد جابر الأنصاري بأن مجيء التلفزيون كان بطبيعة الحال اختراعاً ثوريّاً انقلابياً في تاريخ الحضارة، وصار بالإمكان أن ينقل لنا مشاهد حسية حقيقية لم يكن ممكناً نقلها بالكتابة الصحفية أو بالوصف الإذاعي، كما صار بإمكان (التلفزيون) التعليمي نقل صور الجسم البشري ولقطات التشريح والعمليات الجراحية والمشاهد الجغرافية والوقائع المجتمعية في القرى والمدن إلى غير ذلك من إيصال بالصورة وبالرؤية المباشرة لم تكن ممكنة من دون هذه الوسيلة البصرية، وبلا شك فإن هناك مجالات وقطاعات من العلم والحياة لا يمكن فهمها وتفهمها إلا بالصورة الحسية الظاهرة. إنّ (التلفزيون) أو الإيصال بالصورة يمثل تقدماً علميّاً مهمّاً في التواصل الإنساني والمعرفة الإنسانية، وكان من الممكن أن يحتفظ بطابعه التقدمي (الإيجابي) هذا لو أنّ التأثير (التلفزيوني) اقتصر على الجوانب التي يحتاج الإنسان إلى فهمها بالصورة الحسية المرئية ولم يتحول إلى أداة ووسيلةكلية في الإيصال والتواصل اجتاحت مختلف جوانب المعرفة الإنسانية والتكوين العقلي للإنسان منذ طفولته بحيث تغلب جانب الإيصال بالصورة على مختلف جوانب الحياة، وعاد الإنسان بحكم تكوينه (التلفزيوني) – خاصة بالنسبة للأجيال الناشئة – إلى التفكير بالصورة الحسية وأخذت تتقلص لديه ملكات الإمكانات الذهنية التجريدية وملكاته اللغوية والوصفية والمجازية واستسهل المشاهدة الحسية لأي موضوع كان بقدر ما ستصعب القراءة الفكرية والتفكير التجريدي والمعاني الروحية إلى غير ذلك من أساسيات معنوية وتجريدية في الحياة والكون، لا يمكن أن يكون بدونها من قيمة للإنسان من حيث هو كائن عقلي وروحي. إنّ هذه المسألة.. مسألة غزو الصورة (التلفزيونية) لمجالات المعرفة الإنسانية والتواصل الإنساني التي لا يجوز لها أن تغزوها من أفكار معنوية ومعانٍ عقلية ومجردات لم تنل حقها من المعالجة والتوضيح.. وما زال الانبهار بالإيصال (التلفزيوني) ينتشر في العالم حتى في رحاب العلم والجامعات، بحيث أخذ البناء الفكري والعقلي الجديد للإنسان ينبني على الإيصال بالصورة سواء فيما تستطيعه الصورة أو فيما لا تستطيعه، وهنا موضع المشكلة، وتجدر الإشارة أنّ هناك إخفاقاً تلفزيونيّاً في نقل وتحويل القصص والروايات ذات العمق النفسي أو الاجتماعي أو الفلسفي إلى إفلام ومسلسلات (تلفزيونية)، هذا الإخفاق هو في عدم القدرة على نقل النص الأصلي للقصة بمعانيها وأبعادها الفكرية العميقة، كما لا يستطيع أن يبرز لنا غير شخوصها ومشاهدها الحسية دون الإيحاءات والمعاني العميقة التي أودعها الكاتب في نصها لأن هذه المجردات لا يمكن نقلها بالصورة لحسية وإنما باللغة المجازية، والذي حدث بتأثير (التلفزيون) طغيان صورة الحس على لغة المجاز وعلى كل ما تحمل هذه اللغة من كنوز إنسانية: طغيان صورة الحس.. المعتاد.. المتبلد.. الروتيني على لغة المجاز: المتعمق.. المنطلق.. المتحرر.. وعلى كل ما تحمله اللغة غير الحسية من كنوز إنسانية، وإذا كان الإخراج (التلفزيوني) يعجز عن نقل المعنى والأعماق النفسية والفكرية في الرواية، فماذا نقول عن الأعمال الفلسفية والمجردات الذهنية والمعاني الأخلاقية والروحية والرموز الرياضية؟ ويمكن الإشارة إلى أنّه يسود شبه إجماع لدى الباحثين المختصين أنّ الأجيال الشابة قد فقدت الملكات اللغوية الراقية في القراءة والكتابة والتعبير وحتى التحاور الاجتماعي المباشر لطول تعاطيها مع الآلة (التلفزيونية) وعدم استخدامها للغة إلا في أضيق نطاق حتى أصبحت أقرب إلى الصمت والعي منها إلى النطق والإفصاح، وصار هؤلاء التربويون والمفكرون يقدمون شتى التفسيرات لهذه الظاهرة الانحطاطية في عقل الأجيال الشابة، وإذا كان هذا التأثير للصورة الحسية على التكوين العقلي للإنسان قد أخذت تظهر انعكاساته في مجتمعات متقدمة لها نصيب واسع من ثقافة الكلمة المكتوبة والمقروءة وأبعادها الفكرية والتجريدية، فإن سيادة التلقي بالصورة المعتمدة على التواصل الشفاهي في مجتمعات نامية ومتخلفة تسودها الأمية وتعتمد أصلاً على التواصل الشفاهي غير القارئ، سيجعل من حالة الأمية طبيعية لا تستدعي التغيير لكونها صالحة بطبيعتها للتلقي (التلفزيوني) البصري – السمعي دون الحاجة إلى المرور بمرحلة تعلم القراءة والكتابة وممارستها، وبذلك يمكن أن يؤصل ويرسخ أقصى التقدم المتمثل في الإيصال الفضائي (التلفزيوني) أقصى التخلف المتمثل في سيادة الأمية ونظمها الذهنية والمعيشية،وهي ظاهرة علينا أن نعتاد مفارقاتها الساخرة في نسيج عالمنا المعاصر بين شمال وجنوب، وذلك كلما ازدادت الهوة اتساعاً بين الفورة التكنولوجية في عالم الشمال والرواسب الدهرية في عالم الجنوب، وما ينشأ عن التصادم بين معطيات العالمين من مركبات هجينة، وليس خافياً علينا بطبيعة الحال أينتقطع مجتمعاتنا فيالخليج العربي والعالم العربي من هذه المواجهة. وفي الختام: أعتقد أن موضوع ثقافة الصورة والتنشئة الاجتماعية سيكون موضوع قرننا الحالي (القرن الحادي والعشرين) بسبب سيادة هذه الثقافة عبر انتشار الفضائيات في العالم وبسبب التأثيرات السوسيولوجية الكبرى على نفسية وسلوك وممارسة الناس الذين يتلقون هذه الوسائل الإعلامية التي تحدث إشكالية الاغتراب المعلوماتي والثقافي والاجتماعي كونها تبث برامج لا تتناسب والوضعيات الاجتماعية للمجتمعات التي تصلها عبر البث الهوائي المباشر.   المصدر: مجلة المعرفة/ العدد 491   * باحث من سوريا

ارسال التعليق

Top