• ٥ كانون أول/ديسمبر ٢٠٢٠ | ١٩ ربيع الثاني ١٤٤٢ هـ
البلاغ

حقيقة التوكل وآثاره الإيجابية

حقيقة التوكل وآثاره الإيجابية

◄كثيراً ما نتناصح فيما بيننا حين الإقدام على عمل فنقول لمن نريد أن ننصحه: توكل على الله. وهي نصيحةٌ ذهبية، وإن كان الكثير يغفل عن حقيقتها، ومضمونها، وآثارها الإيجابية في الحياة؛ لا سيما إذا عرفنا أن الله تبارك وتعالى أمر عبادة المؤمنين بالتوكل عليه كما في قوله تعالى: (وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (المائدة/ 23)، وأثنى على عباده المؤمنين بأنهم يتوكلون عليه، ووعد من يتوكل عليه بأن يكفيه ما أهمُه وأحزنه واحتاج إليه.

قال الله تبارك وتعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) (الطلاق/ 2-3).

وقرأ النبي(ص) هذه الآية على أبي ذر وقال: "لو أنَّ الناس أخذوا بها لكفتهم"، ويعني ذلك لو أن الناس حققوا في أنفسهم التقوى والتوكل على الله تعالى لا كتفوا بذلك في مصالح دينهم ودُنياهم.

 

حقيقة التوكل

قد يعتمد المرء على ربه في تحقيق ما يريد، ويقوم بالأسباب التي من شأنها أن تحقق له ما يريد، لكن ما يزال في قلبه اضطراب أو إنشغال. فقد يثق بالاسباب أكثر من ثقته بربه، أو بدرجة متساوية معها. فإذا وصل الإنسان إلى اعتماد قلبه على الله عزّ وجلّ وحده في جلب ما يريد من مصلحة، أو لرفع ما يكره من ضر، وثبت هذا الإعتماد وصدق، فعندئذ يصل المرء إلى حقيقة التقوى.

ثمار التوكل

 إن منيثق بالله تعالى ثقة تامة فالله تعالى يرزقه ويمده بما يحتاج إليه. ولطالما كانت قضية الرزق هي الشغل الشاغل للناس- فقرائهم وأغنيائهم- لا يرتاح من عناء التفكير فيه إلا من أسلم نفسه وقلبه لله تعالى، ووثق بالله ثقةً لا تهزها الأحداث ولا تضعفها النكابات.

وذلك لأن من أيقن أن الله تعالى هو وحده الذي يعطي، ويمنع، ويخلق، ويرزق، ويضر، وينفع؛ فإن الله تبارك وتعالى لا يخيب ظنه، ولا يضيع دعاءه فيرزقه ما يحتاج إليه من الخير، ويمنع عنه ما يؤذيه من ضر، ويكفيه دنياه وآخرته لأنه جواد كريم.

وقد يتمنى المرء أمراً ويسعى في تحصيله بكل ما أوتي من قوة وجهد ثم لا يوفق في تحقيقه ونيله. فأما المؤمن فيوقن بأن ما أراده لم يشاه الله تعالى له أن يناله، وانّ له أجراً على سعيه في الخير؛ فيحصل له الرضا بالثواب المدخر على جهد لم يحصل ثمرته في الدنيا. فكان الرضا بالقدر ثمرة أخرى من ثمار التوكل.

والمتوكل على الله تعالى قد أوى إلى ركن شديد، واعتمد على من لا يعجزه شيء في الارض ولا في السماء؛ فكان أقوى حالاً من غيره.

والمتوكل على الله تعالى رابح دائماً يربح مدداً وإفضالاً وإنعاماً من الله تعالى، ورضىً وثواباً ونعيماً في الآخرة، مقابل جهد بسيط ميسور. بينما الغافل عن هذا نجده محروماً من كلّ خيراتِ وثمارِ التوكل. ولما كان التوكل على الله ربح لا خسارة فيه، وفوز لا تعب معه؛ كان شعار الصالحين الإكثار من الدعاء المأثور: "اللهم اجعلني ممن توكل عليك فكفيته".

 

مجال التوكل

سبق القول أنَّ التوكل هو الاعتماد على الله تعالى عند القيام بعمل.

وكان لزاماً من أجل إيفاء الموضوع حقه أن نتكلم شيئاً يسيراً عن الأعمال التي يتناولها التوكل:

يقسم العلماء أعمال العبد ثلاثة أنواع:

- أعمال لا بد من القيام بها مع التوكل على الله تعالى والاستعانة به عليها. وتتمثل في الطاعات أو العبادات؛ فمن قصر في شيءٍ منها استحقَّ العقوبة في الدنيا والآخرة.

 - ما أجرى الله تعالى العادي به في الدنيا وأمر عباده بتعاطيه، كالأكل عند الجوع. وهذا النوع يتوجب على المرء أن يتعاطى أسبابه؛ ومن قصرَّ فيه حتى ناله ضرر من جراء تركه- مع القدرة على استعماله- فهو مفرط يستحق العقوبة. لكن الله سبحانه وتعالى قد يقوّي بعض عباده على ما لا يقوى عليه غيره؛ فإذا عمل بمقتضى قوته التي اختصّه بها فلا حرج عليه. ولذا كان يواصلُ في صيامه، وينهى أصحابه عنه، ويقول: "إني لست كهيئتكم إني أُطعم وأُسقى" فمن كانت له قوةٌ فعمل بمقتصى قوته ولم يضعفه ذلك عن طاعة الله فلا حرج عليه، ومن تكلَّف ذلك حتى أضعفها عن بعض وااجبات فإنه يُنكرُ عليه.

- ما أجرى الله تعالى العادة به في الدنيا في الأعمّ والأغلب. وقد يخرق العادة في ذلك لمن شاءَ من عباده. وهو أنواع:

- ما يخرقهُ كثيراً، ويُغني عنه كثيراً من خلقه؛ كالحاجة إلى الأدوية.

- مايخرقُهُ لقليلٍ من العامة؛ كحصول الرزق لمن ترك السعي في طلبه.

فمن رزقه الله صدق اليقين، والتوكل، وعلم من الله أن يخرق له العوائد، ولا يحوجه إلى الأسباب المعتادة في طلب الرزق ونحوه؛ جاز له ترك الأسباب ولم يُنكر ذلك عليه.

ومعظم بلاء الناس في التوكل يأتي من قلة تحقيقهم، ووقوفهم عند الأسباب الظاهرة بقلوبهم واطمئنانهم إليها؛ فيتعبون في تحقيقها ولا يأتيهم آخر الأمر إلا ما قدَّر الله تعالى لهم.

ولو حققوا التوكّل على الله تعالى لساقَ إليهم الرزقّ مع أدنى الأسباب كالطير ترزقُ بمجرد الغدوّ والرواح.► 

ارسال التعليق

Top