• ١٨ كانون ثاني/يناير ٢٠٢١ | ٤ جمادى الثانية ١٤٤٢ هـ
البلاغ

حلاوة الإيمان

د. ياسر العيتي

حلاوة الإيمان

 ◄(وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالإيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ) (الروم/ 56).

في منتصف التسعينيات ولد في الولايات المتحدة الأمريكية مصطلح جديد اسمه الذكاء العاطفي، عرَّفه واضعوه على أنّه قدرة الإنسان على التعامل الإيجابي مع ذاته ومع الآخرين، حيث يحقق أكبر قدر من السعادة لنفسه ولمن حوله. واعتمد هؤلاء على دراسات كثيرة أظهرت أنّ نجاح الإنسان وسعادته في هذه الحياة لا يتوقفان على ذكائه العقلي فقط الذي يرمز له بالـIQ (Intelligence Quotient) وإنما يحتاج الإنسان إلى مهارات أخرى سموها مهارات الذكاء العاطفي، ورمزوا له بالـEQ (Emotional Quotient). وإذا كان الذكاء العقلي يتألف من:

1-     العامل المكاني (إدراك ومقارنة الأشكال المسطحة وذات الأبعاد الثلاثية).

2-     عامل الذاكرة (حفظ وتذكر المجموعات غير المرتبطة بروابط منطقية).

3-     عامل الإدراك (التعرف إلى شكل بسيط داخل شكل معقد).

4-     عامل التحليل (الاستنباط والاستقراء المنطقيين).

5-     العامل الرقمي (معالجة الأرقام).

6-     العامل اللغوي (فهم المعاني).

7-     العامل المعجمي (استخدام الألفاظ والعبارات).

فإنّ الذكاء العاطفي يتألف من أربع مكونات أساسية هي:

1-  فهم الذات.

2-  التعامل الإيجابي مع الذات.

3-  فهم الآخرين.

4-  التعامل الإيجابي مع الآخرين.

وينطوي تحت هذه المكونات الأساسية سبعة عشر مكوناً فرعياً، كما هو موضح في الجدول التالي، وقد أوردت بعد الجدول تعريفاً محدداً لكلٍّ من هذه المكونات:

 

مكونات الذكاء العاطفي

أوّلاً- فهم الذات

ثانياً- التعامل الإيجابي مع الذات

ثالثاً- فهم الآخرين

رابعاً- التعامل الإيجابي مع الآخرين

1-  إدراك المبادئ والقيم والأهداف

2-  إدراك مشاعر الذات

3-  استخدام الحدس بشكل صحيح

4-  التفاؤل

5-  المرونة

6-  المبادرة وتحمل المسؤولة

7-  التحكم بالمشاعر

8-  الثقة بالنفس

9-  التصميم

10-                   الإبداع

11-                   الانسجام الداخلي

12-                   إدراك مشاعر الآخرين

13-                   التعاطف

14-                   التعبير عن المشاعر

15-                   التواصل مع الآخرين

16-                   الاختلاف البناء

17-                   الثقة بالآخرين.

 

1-  إدراك المبادئ والقيم والأهداف: يعني أن يعرف الإنسان ما الصحيح وما الخطأ، وما المهم وما غير المهم بالنسبة إليه، وأن يعرف ما الذي يسعى لتحقيقه في هذه الحياة.

2-  إدراك مشاعر الذات: هي قدرتك على ملاحظة مشاعرك وتسميتها، ومعرفة الأسباب الكامنة وراءها.

3-  استخدام الحدس بشكل صحيح: هي قدرتك على التخمين وعلى استخدام مشاعرك بشكل فعّال في اتخاذ القرار، وعلى ثقتك بهذه المشاعر.

4-  التفاؤل: النظرة الإيجابية إلى الحياة والإيمان بالقدرة على حل المشكلات وتجاوز الصعوبات وتوقع الأفضل دائماً.

5-  المرونة: هي قدرتك على تغيير وسائلك للوصول إلى أهدافك، واختيار الاستجابات المناسبة للظروف المختلفة.

6-  المبادرة وتحمل المسؤولية: هي قدرتك على صنع الفرص بدلاً من انتظارها، وعلى تحمل المسؤولية في إحداث التغيير بدلاً من إلقائها على الآخر.

7-  التحكم بالمشاعر: هي قدرتك على تخفيف المشاعر السلبية وآثارها السلبية، وعلى توليد المشاعر الإيجابية.

8-  الثقة بالنفس: هي إيمانك بقدرتك على مواجهة التحديات، وأن تعيش الحياة التي اخترتها.

9-  التصميم: هي قدراتك على بذل جهد مستمر للوصول إلى أهدافك.

10-                   الإبداع: قدرتك على الخروج بأفكار قوية، والعثور على حلول بديلة، وإيجاد طرق جديدة وفعّالة للقيام بالأعمال.

11-                   الانسجام الداخلي: هي قدرتك على الاستمرار بالتعبير بصدق عن نفسك في جميع جوانب حياتك وعلى جميع المستويات.

12-                   إدراك مشاعر الآخرين: هي قدرتك على معرفة ما يشعر به الآخرون من خلال كلماتهم ولغة أجسادهم.

13-                   التعاطف: هي قدرتك على تفهم مشاعر الآخرين وإشعارهم بذلك.

14-                   التعبير عن المشاعر: هي قدرتك على إظهار مشاعرك للآخرين، وأن تجعل ذلك جزءاً أساسياً من تفاعلاتك اليومية مع الناس.

15-                   التواصل مع الآخرين: هي قدرتك على إنشاء شبكة من العلاقات مع الآخرين بحيث تجد في هذه العلاقات نفسك بشكل حقيقي وكامل وتستطيع أن تعبر عن اهتمامك بالآخرين وتقديرك لهم وأن تشاركهم آلامك وآمالك.

16-                   الاختلاف البناء: هي قدرتك على أن تظل هادئاً ومركزاً وثابتاً عاطفياً في أثناء مواقف الخلاف والصراع.

17-                   الثقة بالآخرين: تحدد هذه المهارة إلى أي مدى تثق بالآخرين، وتعتقد أنّهم يعاملونك بعدل، وهل تثق بالآخرين إلى أن تجد سبباً لسحب ثقتك.

ماذا عن الإنسان غير المسلم الذي يتمتع بذكاء عاطفي مرتفع؟ هل هو سعيد حقاً؟

أي سعادة تلك التي يشعر بها الإنسان إذا لم يعرف سكينة الإيمان وهداية الإسلام؟ أي سعادة تلك التي يحققها الذكاء العاطفي إذا اقتصرت على السنوات القليلة التي سيعيشها الإنسان في هذه الحياة الدنيا؟ ماذا عن سعادة الأبد والخلد في الجنان؟

ماذا لو اجتمع الإسلام والذكاء العاطفي في شخص واحد؟ أعتقد أنّه في هذه الحالة يتحقق الإيمان الذي فرقه الله تعالى عن الإسلام بقوله: (قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ) (الحجرات/ 14)، إنّ للقلب تطلعاتٍ وأشواقاً لا يشبعها إلا الإيمان بالله تعالى، وبما جاء به رسوله محمّد (ص)، ولا يبلغ هذا الإشباع ذروته إلا عندما يعتنق الإسلام إنسان يفهم نفسه، ويعرف كيف يتعامل معها، ويفهم الآخرين، ويعرف كيف يتعامل معهم، أي إنسان يتمتع بالذكاء العاطفي، فالإنسان المؤمن (في رأيي) هو إنسان مسلم يتمتع بالذكاء العاطفي.

إنّ الإسلام قناعة فكرية محلها العقل، أما الإيمان فهو حلاوة قلبية محلها القلب. الإسلام يخرج صاحبه من دائرة الكفر، ولكن الإيمان هو الذي يحلق به في آفاق السعادة والطمأنينة والإيجابية. الإسلام أفكار في الذهن لا تتحول إلى أعمال وبذل وتضحيات إلا بالإيمان، وقد جاء في الحديث الشريف: "لا يزني الزاني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السارق وهو مؤمن" (مسند أحمد)، الإسلام تصورات معينة إما أن توجد أو ألّا توجد في عقل الإنسان، أما الإيمان فهو شعور قلبي يزيد بالطاعات والمجاهدات والإقبال على الله وينقص بالغفلة والمعاصي والإعراض عن الله.

إذا كان الذكاء العاطفي يمكِّن الإنسان من التعامل الإيجابي مع ذاته ومع الآخرين حيث يحقق لنفسه ولمن حوله أكبر قدر من السعادة، فإنّ الإيمان يمكِّن الإنسان من التعامل الإيجابي مع ذاته ومع الآخرين حيث يحقق لنفسه ولمن حوله أكبر قدر من سعادة الدنيا والآخرة. وإذا كانت مكونات الذكاء العاطفي هي المهارات السبع عشرة التي ذكرناها قبل قليل فإنّ الإنسان يشعر بحلاوة الإيمان عندما يتحلى بهذه المهارات ويربطها بربه ودينه وآخرته.

كيف يشعر الإنسان بحلاوة الإيمان؟ إنّ الإنسان الكافر ذا الذكاء العاطفي المرتفع يشعر بحلاوة الإيمان بمجرد دخوله في الإسلام، أما الإنسان المسلم ذي الذكاء العاطفي المنخفض، فإنّه يشعر بحلاوة الإيمان عندما يرفع من مستوى ذكائه العاطفي وبما أنّ الذكاء العاطفي هو مهارات يمكن تعلمها وتنميتها لذا يستطيع المسلم أن يتعلم كيف يشعر بحلاوة الإيمان من خلال تنمية مهارات الذكاء العاطفي لديه وربطها بالإسلام.

إنّ الوحي الذي جاءنا من الله تعالى هو الإسلام الخالد الرائع الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلف، وإنّ قدرتنا على الاستفادة من الإسلام واكتشاف روعته تعتمد على قدرتنا على فهمه، وقدرتنا على فهم الإسلام تعتمد على قدرتنا على فهم أنفسنا، وفهمنا لأنفسنا يحتاج إلى علوم وأدوات، تتطور بتطور البشرية وتقدم العلوم والمعارف، والذكاء العاطفي هو أحد هذه الأدوات والعلوم التي تساعدنا على اكتشاف روعة الإسلام وجماله وعظمته. إنّ المسلم الذي يتمتع بذكاء عاطفي مرتفع أكثر قدرة على فهم الإسلام وتطبيقه وتحقيق مقاصده من المسلم الذي تعوزه مهارات الذكاء العاطفي، والإنسان الذي يتمتع بالإسلام والذكاء العاطفي معاً هو المؤمن القادر على جلب أكبر قدر من سعادة الدنيا والآخرة لنفسه ولمن حوله.

إنّ الإسلام قادر على رفع مستوى الذكاء العاطفي عند الإنسان، ولكن بشرط أن يكون لدى هذا الإنسان الحد الأدنى من الذكاء العاطفي لكي يفهم الإسلام فهماً سليماً يمكِّنه من تطوير مهارات الذكاء العاطفي الضامرة عنده. وكما أنّ هناك حدّاً أدنى من الصحة الجسدية يجب أن يتمتع به الإنسان لكي يستطيع النهوض ببعض العبادات التي تؤدي إلى مزيد من الصحة الجسدية -كالصيام مثلاً- عملاً بقوله (ص): "صوموا تصحوا".

كذلك هناك حد أدنى من الصحة النفسية يجب أن يتمتع به الإنسان لكي يفهم الإسلام فهماً سليماً يؤدي إلى مزيد من الصحة النفسية. ولدينا في تاريخ المسلمين القريب والبعيد الكثير من الأمثلة عن أشخاص وجماعات أساؤوا للإسلام والمسلمين ليس بسبب عدم رغبتهم في الالتزام بالإسلام، ولكن لأنّهم قرؤوا الإسلام قراءة خاطئة أملتها نفوسهم التي تعاني من المشاكل النفسية والفكرية. إنّ العلوم الشرعية عندما تُدرّس لطلابها يُدرس معها علم اللغة العربية وعلم المنطق وغيرها من العلوم الأخرى التي لابدّ منها لفهم الإسلام فهماً صحيحاً، وأنا أعتقد أنّ الذكاء العاطفي هو واحد من العلوم التي تساعد على فهم الإسلام فهماً صحيحاً. إنّ بعض المسلمين يتحرّجون من استخدام العلوم الإنسانية الحديثة في فهم الإسلام والدعوة إليه، وهم يرون أنّ سرد الآيات القرآنية والأحاديث النبوية يكفي لإصلاح الواقع وإعادة الدين إلى الحياة. إنّ هؤلاء يساهمون في عزل الدين عن الحياة وعن الواقع دون أن يشعروا بذلك! إنّ الآيات القرآنية والأحاديث النبوية ترسم الوجهة العامة (وهذا أمر في غاية الأهمية) وتضع الإطار الذي لا يجوز الخروج عنه، لكنها تترك للبشر مهمة إسقاطها على الواقع من خلال ما تصل إليه عقولهم من معرفة وعلوم، فعلى سبيل المثال يقول تعالى في محكم كتابه تنزيله: (وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) (الأنفال/ 46)، وهناك الكثير من المسلمين ممن يرددون هذه الآية والخلافات والنزاعات قائمة فيما بينهم! إنّ مجرد ترديد هذه الآية لا يحل النزاعات بين المسلمين إذا لم يعرفوا آليات حلّ النزاع. واليوم يوجد علم اسمه إدارة النزاع يدرّس في الجامعات على مدى سنوات، وهو يشرح آليات فض النزاعات وتسوية الخلافات. لقد استطاع الأوربيون أن يتجاوزوا خلافاتهم الدامية التي راح ضحيتها مئات الملايين، وأن يوحدوا قارتهم، وأن ينعموا بحالة من السلام والتعاون والرخاء لم تشهدها أوروبا من قبل، لأنّهم فقهوا هذه الآليات وعملوا بها. هناك مقاصد عامة وضعها الإسلام سواء في السياسة، أو في الاجتماع، أو في الاقتصاد، وإنّ تحقيق هذه المقاصد لا يتحقق إلا بدراسة العلوم الإنسانية التي تتضمن التفاصيل والآليات التي تطورت اليوم تطوراً هائلاً لم تشهده البشرية من قبل. إنّ الذين يتجنبون الخوض في هذه العلوم خوفاً من أن ينشغل المسلمون بها، ويعرضوا عن الإسلام إنما يساهمون (من غير قصد طبعاً) في تحنيط الإسلام وتجميده وإبعاده عن الواقع وعن الحياة!!

إذن المسلم الذي يتذوق حلاوة الإيمان هو المسلم الذي يتمتع بذكاء عاطفي مرتفع. إنّ الذكاء العاطفي يمنحك شيئاً من سعادة الدنيا، أما الإيمان فهو يمنحك السعادة كلّها في الدنيا والآخرة، الذكاء العاطفي يصل بك إلى حالة من الشعور بالسعادة والرضا، يمكن وصفها بالكلمات، أما الإيمان فهو يجنّح قلبك، ويطلقه في عالم سحري لا يمكن وصفه بالكلمات ولا يعرف روعته إلا من ذاقها (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ) (فصّلت/ 30-32).►

الذكاء العاطفي يفتح أمامك الآفاق أما الإيمان فهو يجعل الآفاق ذاتها تتيه فيك كما يقول محمّد إقبال:

إنما الكافر حيرانٌ *** له الآفاق تيه

وأرى المؤمن كوناً *** تاهت الآفاق فيه

 

المصدر: كتاب مافوق الذكاء العاطفي -حلاوة الإيمان-

ارسال التعليق

Top