قال تعالى في محكم كتابه العزيز: (إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا) (الأحزاب/ 33). السيِّدة الزهراء (عليها السلام)؛ هذه الإنسانة التي أذهب الله عنها الرجس، فليس هناك رجس في فكرها وعاطفتها وفي كلّ حياتها، وهي العصمة كلّها من خلال آية التطهير، والعصمة من خلال أنّها سيِّدة نساء أهل الجنّة، والعصمة في كلّ حياتها، لأنّها كانت تمثّل الطهارة كلّها. لذلك، نحن نريد أن ننطلق من جديد في كلّ موقع من المواقع التي نتذكّر فيها الزهراء (عليها السلام)، وأن نخطّط لتكون (عليها السلام) السيِّدة المسلمة العالمية بالمعنى الإنساني الذي ينطق العالم باسمها ليكتشف إنسانيتها، وليكتشف هذه الأبعاد المتنوّعة التي تصلح لأن تكون نموذجاً للمرأة في كلّ مكان في العالم.
فالسيِّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، هذا الاسم الذي عندما تذكره، فإنّه لا يوحي إليك إلّا بالطهارة كأصفى ما تكون الطهارة، وبالنقاء كأعذب ما يكون النقاء، وبالإنسانية التي تعطي الإنسان معنىً جديداً، وبالعصمة التي تتمثّلها فكراً في فكرها، وخُلُقاً في أخلاقها، وسلوكاً في كلِّ حياتها، وشجاعةً في الموقف مع الحقّ، من دون أن تجد هناك أيّة نقطة ضعف.
في الحديث المروي عن الإمام الحسن (عليه السلام)، يقول فيه: «رأيت أُمّي فاطمة (عليها السلام) قامت في محرابها ليلة الجمعة، فلم تزل راكعة ساجدة، حتى اتّضح عمود الصبح، وسمعتها تدعو للمؤمنين والمؤمنات، وتسمّيهم وتكثر الدُّعاء لهم، ولا تدعو لنفسها بشيء، فقلت لها: يا أُمّاه، لِمَ لا تدعين لنفسك كما تدعين لغيرك؟! فقالت: يا بنيّ، الجار ثمّ الدار». وهذا هو سرّ أهل البيت (عليهم السلام)، أنّهم يفكِّرون في الناس قبل أن يفكِّروا في أنفُسهم، فالزهراء القدوة للمؤمنين والمؤمنات، في الوقت الذي كانت تعيش آلامها وضعف جسدها وحزنها وأمراضها، كانت تفكِّر في الناس قبل أن تفكِّر في نفسها. ولعلَّنا نطلّ على هذه الروح من خلال الآيات التي نزلت بعد أن تصدَّقت هي وأمير المؤمنين (عليهما السلام) على اليتيم والمسكين والأسير: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا) (الإنسان/ 8-9). يطعمون الطَّعام مع حاجتهم إليه على حبِّ الله، فهم يقدِّمون كلَّ جهدهم، سواء كان جهداً مادّياً أو جهداً معنوياً أو ثقافياً أو جهادياً، في سبيل الله وحسب، لا يريدون من الناس جزاءً ولا شكوراً. إنّهم ينطلقون مع الله، لأنّهم عاشوا معه في أنفُسهم، وعاشوا معه في علاقتهم بالناس، وعاشوا معه في حركة حياتهم كلّها.
لذلك، فإنّ التزامنا بأهل البيت (عليهم السلام) وارتباطنا بهم، يفرض علينا أن نكون مثلهم، وأن نتحرّك بخطّهم، وأن نقتدي بهم، لأنّ التمسّك بهم التزام بالخطّ، وانطلاق نحو الهدف، وحركة في النهج، وهذا هو المعنى في أن يكون الإنسان متمسّك بأهل البيت (عليهم السلام).. فأهل البيت (عليهم السلام) لم يعيشوا لأنفُسهم، إنّما عاشوا لرسالتهم ولربّهم وللناس جميعاً، لذلك علينا أن نعيش في خطِّ أهل البيت (عليهم السلام) لرسالتنا ولربّنا وللناس جميعاً.
مقالات ذات صلة
ارسال التعليق
تعليقات