• ٢١ حزيران/يونيو ٢٠٢١ | ١١ ذو القعدة ١٤٤٢ هـ
البلاغ

رئيس التحرير

د.مازن صافي

رئيس التحرير
كان عمره ثلاثة عشر عاماً حين توفى والديه في حادث طرق، يومها كانت قصة الحادث قد دخلت كل بيت وتناولتها كافة الصحف، كان التركيز على ذاك الطفل الذي خرج سليماً من الحادث، يومها تدافع الكثيرين للفوز بتربية هذا الطفل، فهو وحيد والديه المتوفيين، لكن عمه الطاعن في السن أبى إلا أن يأخذه عنده.. سافر الطفل مع عمه ورحل عن مدينته وأرضه ليعيش مغتربا هناك، غربة في المملكة المغربية، الثقافة مختلفة، طباع الناس مختلفة، وتداخل بين الثقافات، وامتدت السنوات والطفل يكبر في كنف عمه، وترك عمه العمل وأصبح يعتاش من الخدمات الاجتماعية وبعض الأعمال البسيطة التي تتناسب وسنه، تخرج من الثانوية العامة بدرجات جيدة، وخرج من بيت عمه بعد أن دبَّ الخلاف بين عمه وزوجته وكان هو محور الخلاف، فلقد طلبت الزوجة أن يذهب الشاب ليرى مستقبله ويجتهد في الحياة، ومن غير المعقول أن يعيش بينهما شاب وهي التي تصغر زوجها بعشرين عاما. خرج الشاب من البيت يبحث عن طعام، عن مأوى، عن عمل، عن أي شيء.. ذهب إلى منطقة ثرية وأخذ يعمل في الأعمال التطوعية بأن ينظف الحدائق والشوارع الفرعية مقابل أن يتم إمداده ببعض وجبات الطعام، وبالفعل استمر في ذلك، وكان من عادة هذه الأسر أن تمده بوجبة الطعام ملفوفة في صحيفة تم قراءتها صباحا وانتهت إلى مجموعة النفايات، كان يأكل ويقرأ الصحف ،وينام بجانب البيوت أو في الحديقة إن تسنى له ذلك، حتى وجد إعلانا لطلب عدد من الموظفين المستخدمين  في إحدى الصحف الكبرى، أخذ الإعلان وذهب للصحيفة وتقدم بطلبه ودفع رسوم الطلب بعد أن استدانه من سيدة في الحي الثري، مر أسبوع كامل وعاد لصحيفة ليجد اسمه من بين المقبولين للعمل، كان يعمل مساءً ويدرس صباحا بعد أن تقدم بطلب دراسة في معهد تقني متخصص في تنمية القدرات البشرية ، بدأ في كتابة المذكرات والخواطر والفقرات القصيرة التي يتابعها في الصحف ، وفي أحد الأيام نسى دفتر مذكراته في مكان ما بالصحيفة بعد أن مسح المكتب كله ورتب أوراقه، وأخذ يبحث عنه في كل مكان ولم يجده، في اليوم التالي استدعاه رئيس تحرير الصحيفة يطلب منه أن يتسلم دفتره من مكتبه، ذهب إلى المكتب وهو خائف جدا من قرار الطرد، وإلا لكان قد أرسل الدفتر إلى أحد العاملين  ليسلمه له، أما أن يستدعيه للمكتب فهذا أمر آخر، لم يذهب للمعهد وهو يفكر كيف يعتذر وكيف يبرر وهو أيضا لا يعرف كيف وصل الدفتر إلى رئيس التحرير. دخل مكتب رئيس التحرير الذي قابله بابتسامة وتقدم نحوه وسلم عليه وجلسه مقابله تاركا كرسيه الدوّار، استغرب الشاب ما يحدث، وبادره الرئيس بالسؤال هل هو مَن يكتب هذه المذكرات والفقرات ، وبتلعثم واضح قال له " نعم سيدي " ، ابتسم الرئيس ثانية وقال له " هل يمكنك تزويدنا بخاطرة يومية للصفحة الأدبية وفي المقابل أن يتم إعفاؤه من العمل كمستخدم وأيضا يتم منحك مكافئة شهرية إضافية على راتبك، ابتسم الشاب وأخذ يعانق الرئيس، وقال له: المجتمع سرق بعض أحلامك وهنا يمكنك أن تحقق بعضها، خذ إجازة عدة أيام للراحة وعد بخواطر بعدد كل يوم إجازة، أكتب فيها عن حياتك كما هي في مذكراتك ليتم نشرها في يوم واحد للتعريف بك. تدريجيا أصبح الشاب مشرفا على الصفحة الأدبية، ثم شارك رئيس التحرير في إنشاء صحيفة متواضعة لنشر المواد الأدبية ومشاركات الهواة والمهتمين والأدباء، حتى كبرت هذه المؤسسة وأصبح مالكها الوحيد لتصبح أكبر مؤسسة صحفية أدبية. ولقد كتب في رأس الصحيفة فقرة ثابتة : " اكتشف الميزة التي تمتلكها ووظفها بطريقة صحيحة حتى تحقق النجاح ".

ارسال التعليق

Top