• ٥ كانون أول/ديسمبر ٢٠٢٠ | ١٩ ربيع الثاني ١٤٤٢ هـ
البلاغ

رمضان.. ربيع النفوس

د. جابر قميحة

رمضان.. ربيع النفوس
إذا كان "ربيع الزمان" هو فصل الصحو، وجمال الطقس، والتفتح، والخضرة، والنضرة، والنماء، والنشاط، والحيوية؛ فإن شهر رمضان هو "ربيع النفوس والأرواح"؛ إنّه الواحة اليانعة الغنّاء التي رصدها الله – سبحانه وتعالى – للمسلم ليركن إلى أفيائها، ويتملى جمالها، ويتمتع بثمارها، بعد مسيرة أحد عشر شهراً من العناء في ضجيج الحياة ومادياتها، وضوضائها وهمومها. فلا عجب إذن أن كان النبي (ص) – قبل بعثته – يقضي طيلة هذا الشهر في غار حراء، يعبد ربه، ويسبح بحمده، ويتملى عظمته في خلقه، حيث الهدوء يلف الكون من حوله؛ فيسمح للنفس بالإنطلاق المتأمل بلا موانع وبلا معوقات. ويكفي هذا الشهر فخراً وعظمة أنّه يحمل في أيامه ليلة القدر، التي هي خير من ألف شهر، إذ بدأ نزول القرآن فيها، وفيها تنزل الملائكة والروح، وتظل هذه الليلة سلاماً حتى مطلع الفجر. وبنص القرآن الكريم نقرأ: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ...) (البقرة/ 185)، جاء هذا التعظيم في هذا النص القرآني للشهر الكريم، قبل ورود الأمر بصيامه: (فَمَن شَهِدَ مِنكُم الشّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) (البقرة/ 185)، أي عليه أن يصوم شهر رمضان، أيّ رمضان؟ رمضان المعظم بنزول القرآن الهادي إلى الحق، والمبين للسبل المثلى، والمفرق بين الحق والباطل حتى يكون المسلم على بينة من كل شيء، فارتباط رمضان بالقرآن إذن إنما هو إرتباط عضوي، أو بتعبير آخر: ما يطلب من المسلم هو "صيام رمضان القرآني" الذي يمثل القرآن بأوامره ونواهيه جوهره ونخاعه. ولكن الشيء المؤسف حقّاً أنّ الغالبية العظمى من المسلمين يتعاملون مع هذا الشهر الكريم على أساس أنّه شهر طعام وشراب وتخمة، فالموائد تكون غاصة بأكوام من الطعام الدسم الثقيل، والمقبلات، والحلوى بكل أنواعها، وما يُلقى في أوعية القمامة أضعاف ما يأكل على الموائد! وما يلتهمه المسلم في وجبتي الإفطار والسحور يكفيه – في الأيام العادية – لخمس وجبات، وأنا أعرف كثيراً من الأصدقاء يزيد وزنهم وشحمهم ولحمهم في هذا الشهر، وبذلك يفوتهم الحكمة الطبية العلاجية من هذا الشهر الكريم. ومن ناحية أخرى نجد المظاهر الترفيهية تكاد تلتهم المظاهر الدينية، في برامج التلفاز من "الفوازير" و"الأفلام" و"اللقاءات العابثة الهازلة"، وبذلك تفلت من المسلم "الحكمة الروحية" من الشهر العظيم. مظهر مؤسف آخر، وهو أن كثيرين ينظرون إلى الشهر الكريم على أنّه للإسترخاء والكسل والتقاعد "بسبب الصيام" مع أنّه في عهد أسلافنا كان شهر الجهاد، والعمل، ففيه – على سبيل التمثيل – كانت غزوة بدر، والفتح، وغيرها. ومما يُؤسف له أيضاً أن بعض المسلمين "تفلت" أعصابهم، ويثورون لأتفه الأسباب، ويعاملون الآخرين بفظاظة وشراسة، ويعتذرون عن ذلك "بالصيام" الذي حرمهم من "إعتدال المزاج" بالسجارة وفنجان القهوة، وبذلك يفقد المسلم حكمة أخرى من حكم الصيام هي الحكمة التربوية السلوكية. وبهذه الطريقة يصبح شهر رمضان شهر "مفقودات" في مجالات النفس، والعقل، والروح، والمجتمع، وهو الذي شرعه الله ليكون شهر "موجودات إيجابية" لتجديد بناء الفرد والمجتمع في شتى المجالات. ألست معي – يا عزيزي القارئ – فأننا قد ظلمنا هذا الشهر العظيم بفهمنا المعكوس، وسلوكنا "الموكوس"؟ وبذلك نكون قد ظلمنا أنفسنا ظلماً فادحاً، ويا له من ظلم صارخ فادح!! هاهو ذا شهر رمضان يهمل علينا باليمن والبركات، إنّه ربيع النفوس والقلوب، وكان لرمضان في وجدان الشعراء تدفق ثرار، فاض بأعذب الكلمات، وما أكثرها، وفي حدود المساحة المتاحة نكتفي بقطوف قليلة من روضة الشعر العربي الحديث، ونبدأ بالشاعر "يس الفيل" وهو يحيي هذا الشهر المعظم قائلاً: شهر الصيام تحية من شاعر **** عن كل ما يؤذي المشاعر صاما هذي أحاسيس بليلك تزدهي **** ومشاعري لك طاعة تتسامى ونرى الشاعر "هارون هاشم رشيد" يبرز – في قصيدة طويلة له- أهم القيم الروحية، والاجتماعية، والإنسانية التي يقودنا اليها الصوم، فيقول: هكذا الصومُ فكرةٌ تملأ النفْ **** سَ، فتسمو لعالم الأنوار هكذا الصوم نشوة تأسر الرو **** حَ، فتمضي مع النسيم الساري هكذا الصوم رحمة تغمر القلـ **** بَ، فيحيا بسنّة الإيثار ويبرز الشاعر "محمد ضياءالدين الصابوني" (شاعر طيبة) الجو الروحي الذي يسيطر على الصائمين في رمضان من خشوع وتقوى، وذكر وتسبيح، فيقول من قصيدة طويلة: وفي رمضان كم خشعت قلوبٌ **** بذكر الله، والسبع المثاني وفي رمضانَ كم غُفرت ذنوبٌ **** تفتح فيه أبوابُ الجنانِ وما أحلى ليالي الذكر فيه **** تبيت وأنت موصول الجنان وتسبح في معارج من كمال **** وتتلو فيه من غُرر البيان ويرى الشاعر " حسن فتح الباب" أن رمضان هو أكثر الشهور إلهاماً له بأجمل قصائده؛ فهو شهر الصفاء العقلي والروحي، لذلك تنطلق فيه القريحة بشعر التوبة، ومن قصائد الشاعر الرمضانية قصيدة بعنوان "غفران" يقول فيها: ربِّ فارحم نادماً مما يعاني **** وتقبل توبة من كل جاني واهد في غمرِ من الدجْن سُراة **** وأقل عثرة مكلوم وعاني ربِّ واسكبْ من سماواتك فيضاً **** يغمر النفس بآمال حسان (الدجي: الظلام، السراة: السائرون ليلاً). ونعود إلى الشاعر "هارون هاشم رشيد"، فنقرأ له قصة شعرية، تبرز بعض القيم الإنسانية السلوكية التي يوجه الصوم المسلمين إليها. ويبدأ الشاعر قصته بتقديم أحد المسلمين الموسرين الصائمين وقد: ساروا الشمسُ فوقه تتلظَّى **** فتحيل الوجود شعلة نارِ ويتحدث الشاعر عما يعانيه هذا الصائم الثري من الجوع والعطش، وفي طريقه إلى قصره رأى ما يشبه الكوخ، ولكن بلا سقف، وقد ضم عجوزاً وفتية استبد بهم الفقر، والضعف، والشقاء، فتيقظ ضميره، وتملكه الحزن الشديد لما يعانيه هؤلاء، وترجم الثري الصائم شعوره إلى عمل، وأتى الكوخ قائلاً: أيها القوْم.. هلمّوا.. فأنتمو في جواري اهجروا الكوخ وانزلوا في رحابي

أنتِ أُمّي، وهؤلاء صغاري.

 

* أديب ومفكر إسلامي – مصر

ارسال التعليق

Top