• ٢٢ كانون ثاني/يناير ٢٠٢١ | ٨ جمادى الثانية ١٤٤٢ هـ
البلاغ

زوجات بين دوامة الفراغ وساعات العمل

تحقيق: مروة محمد

زوجات بين دوامة الفراغ وساعات العمل

 

المرأة العاملة تشكو وربة البيت تبحث عن دور في هذا التحقيق بعض ربات البيوت اللاتي عبرن عن ضجرهنّ من إلصاق للقب "ربات منزل" بهنّ، فجاءت متفقة مع نتائج دراسة حديثة خلصت إلى أن 60% من الأُمّهات البريطانيات العصريات يكرهن تسميتهنّ "ربات منزل" لما يحمل المعنى من دلالات سلبية ويقوض دورهنّ في الأسرة، لتلتقي ببعض النساء العاملات اللاتي يعانين هنّ أيضاً مشكلات نتيجة غيابهنّ عن البيت، لنلمس أمنية في تبادل الأدوار لدى الطرفين، ثمّ تعرفنا إلى آراء علماء الاجتماع وخبراء التنمية الأسرية ورجال الدين في أهمية وجود القناعة الذاتية لقيمة الدور الذي يلعبه الإنسان في الحياة، وكانت السطور التالية.

إيمان المزروعي "34" عاماً تقول: تعاني ربة البيت الكثير من السلبيات التي يصعب التعايش معها، فعلى الرغم من حصولي على شهادة جامعية إلا أن زوجي رفض أن أتقدم للحصول على وظيفة رغبة في أن أتفرغ للبيت والعناية به وبأبنائنا، معللاً أنّ المرأة العاملة لا تصلح للزواج، غير مبال لما أتعرض له من ضغط نفسي نتيجة الفراغ الذي أصبح صديقي اللدود، فطبيعة عمل زوجي والتي فرضت عليه العمل في إمارة مجاورة إلى جانب صغر سن توأمي ساعد على عيشي داخل إطار حياة فارغة لا يوجد فيها روح، فقد مللت "الطلعات" وتبادل الزيارات مع الصديقات حتى الذهاب إلى التسوق الذي يسعد الكثيرات لم أعد أريد، فالفراغ هو عدو المرأة ومعه تعيش حياة بائسة حقاً.

- الاستقلال المادي: المرأة العاملة أفضل حظاً منا، بتلك العبارات وصفت إحسان إبراهيم، في العقد الرابع من العمر، حالها وبعض النساء اللاتي لم ينضممن لأداء دور حقيقي في المجتمع على حد قولها وتضيف: للمرأة العاملة استقلالية مادية تجعلها قادرة على التصرف بحرية، فأصعب ما نشعر به نحن نساء الصفوف الخلفية وأقصد من يتبعن أزواجهنّ كظلال لهم فقط، هو عدم وجود مخصصات مالية تشبع احتياجاتنا البسيطة التي يراها بعض الأزواج أشياء تافهة لا معنى لها، ليكون للزوجة العاملة اليد العليا في طرق الإنفاق. تخالفها الرأي سهير نعيم نصر، ربة منزل، والتي قاطعت حديثنا مفضلة استخدام لفظ مربية أجيال وتضيف: لدي 5 أبناء أتفاعل مع مشكلاتهم واعتني بصحتهم وأتابع مذاكرتهم وأهتم بشؤونهم لدرجة تفتقد معها الجلوس لعدة دقائق من دون وجود شيء علي القيام به، كل هذا وما أقوم به من أدوار عدة يكفي لأن اشغل وقتي بطريقة مثالية لا تجعل حياتي فارغة أو لا معنى لها، وهو ما لم يجعلني أفكر يوماً في مشروع أفضل مما اختاره لي رب العالمين، كأن تكون وظيفة أشعر فيها بكياني مثلاً، ساعدني على ذلك تقدير زوجي للدور الذي أبذله من أجل الدفع بكل أفراد الأسرة إلى الأمام بل ويرجع أي نجاح يحصده أحدهم لي وللمجهود الذي أبذله.   - عضو عامل: أسماء، نموذج لإمرأة غير عاملة، لكنها استطاعت أن توجد لها عالماً يشبع رغبتها كعضو عامل منتج دون الخضوع لساعات عمل ودوام يحرمها البقاء بجانب أبنائها: بدأت حياتي بعد التخرج في الجامعة في وظيفة جيِّدة كانت تدر علي دخلاً يكفي كل متطلباتي، ولكن بعد أن تزوجت وأنجبت أطفالاً وشعرت بأهمية بقائي بجانبهم كي أرعاهم، تخليت عن وظيفتي بمحض إرادتي ولا أنكر إحساسي بالفراغ بعض الوقت بسبب غياب دوري كإنسان فعال في المجتمع، وهو ما دفعني إلى البحث عن رسالة أؤديها بجانب دوري الأساسي كأُم، ولم أجد أفضل من نشر تعاليم ديننا الحنيف وتعلم تلاوة القرآن لكل من تطلب مساعدتي سواء كن صديقات أو قريبات لي، وأحمد الله تعالى على استثمار وقتي في شيء هادف يعود علي بصفاء ورضا نفسي تحسدني عليه الكثيرات. تعلق عائشة حسن معلمة، بإحدى المدارس الخاصة ضاحكة: امرأة الدار مرتاحة و"متهنية" أما نحن فقد حرمنا متعة الحياة نتيجة كثرة الأعباء الملقاة على كاهلنا، فمنذ السادسة صباحاً وحتى الثانية ظهراً وأنا في دوامة مربكة أعود بعدها إلى البيت، وقد خارت قواي وفرغت طاقتي مع الطلبة والطالبات في الصف، وعندما أحاول أن أستذكر دروس أبنائي أجدني وقد مللت سريعاً، ناهيك عن الروتين اليومي الذي يحرمني قضاء بعض الوقت مع صديقاتي اللاتي يجتمعن بصفة دورية لتبادل الحديث والثرثرة. عزة فخري، مديرة في شركة خاصة، تقول: لا أنكر ما أضافه إلي عملي من خبرات ومهارات، جعلتني قادرة على اجتياز أي مشكلة تواجهني بسهولة إلى جانب القدرة على مواجهة الصدمات بحكمة وتريث، ولكن أكثر ما يشعرني بالضيق هو عدم تفرغي الكامل لطفلي الصغير وتركه للخادمة طيلة فترة دوامي التي تنتهي في الخامسة مساء، وإن كنت أعوض غيابي عنه بأن أتفرغ لقضاء باقي ساعات يومي معه، والحقيقة أن لزوجي دوراً كبيراً في استقراري النفسي حيث يقدر المجهود الذي أبذله داخل وخارج البيت.   ·       د. علياء إبراهيم: من الأفضل حالاً.. ربة البيت أم المرأة العاملة؟ د. علياء إبراهيم الاستشارية الأسرية وخبيرة التنمية البشرية تقول: منذ خروج المرأة إلى ميدان العمل والتساؤل الذي سيظل مطروحاً هو، من الأفضل حالاً.. ربة البيت أم المرأة العاملة؟ والإجابة عن هذا السؤال من واقع تعاملي مع الاستشارات الشخصية والأسرية، تتعلق بمدى رضا كل طرف عن قرار الخروج إلى العمل أو التفرغ التام للأسرة، بمعنى أنّه إذا كانت ربة البيت اتخذت قرار البقاء في المنزل بنفسها من دون ضغوط، فهذا يساعد على تولد حالة من الرضا بوضعها ولن تعيش ضحية التفكير في أنّها إذا كانت عاملة لكانت أفضل، وكذلك الوضع بالنسبة للمرأة العاملة فالأمر دائماً تحكمه حرية اتخاذ القرار. وتضيف: من جهة أخرى فإن إدراك المرأة لكيفية إدارة شؤون حياتها، يجعل حالة الرضا هذه تزيد أو تنقص، فالمرأة العاملة التي تدرك آليات إدارة وقتها وتحديد أولوياتها من أجل تحقيق معادلة التوازن بين عملها وحياتها الأسرية، تتولد لديها حالة من السكون النفسي والقناعة بأهمية الدور الذي تقوم به من دون الانشغال بحال غيرها، وكذلك الوضع بالنسبة لربة المنزل التي لم تتوقع داخل شؤون بيتها ولم تنعزل عن الحياة، وما يدور فيها من مستجدات إضافة إلى وجود زوج يفخر بدورها كزوجة وأم، ويدعم تفرغها لشؤون أسرتها وبيتها، كل ذلك يسهم في الإعلاء من حالة الرضا عن حملها لقب لربة بيت، في حين أنها قد تشعر بالدونية وانعدام الثقة في النفس عندما تتعرض لنوع من المعايرة من قبل الزوج أو أهله، كونها لا تعمل ولا تشاركه تكاليف الحياة مثلاً، مستعينين بنموذج آخر لامرأة عاملة داخل العائلة تقوم بهذا الدور. وتكمل: هناك أنواع أخرى من الضغوطات تتعرض لها كل من المرأة العاملة وربة البيت، مثل وجود الأب الحاضر الغائب الذي ترك كل المسؤوليات على كاهل الأُم سواء كانت عاملة أو متفرغة والكفيلة بتولد العديد من الضغوط النفسية التي قد تنتج عنها أمراض جسدية، وفي الوقت نفسه تتعرض ربة البيت إلى ضغوط أخرى مثل انبهار بعض أبنائها بوالدة أصدقائهم العاملة التي أتاحت لها بيئة العمل نضج في شخصيتها ورجاحة تفكيرها، على الصعيد الآخر تواجه الأُم العاملة أيضاً رغبة أبنائها في التفرغ لهم وترك العمل، ولا ننسى أن لدينا ثقافة إعلامية أظهرت ربة البيت في الدراما بصورة أدنى من المرأة العاملة، ودائماً ما نجد أن نجوم البرامج الحوارية من النساء العاملات فقط، مما شكل لدينا معتقداً بجاذبية صورة المرأة العاملة وتدني صورة ربة البيت، التي قد تكون نالت أعلى الشهادات محبذة البقاء في المنزل من أجل هدف سامٍ، مفضلة التواصل مع المجتمع من خلال العمل التطوعي مثلاً أو إدارة مشروع من المنزل.   - تنظيم الوقت: فاتن، موظفة في إحدى الجهات الحكومية، تدرس وتعمل وتربي أطفالها تقول: الحياة الناجحة تتطلب التخطيط الجيِّد وتحديد الأولويات التي تختلف من امرأة إلى أخرى، فأنا على سبيل المثال أكمل تعليمي الجامعي وأربي أبنائي وأعمل بدوام ساعاته طويلة ولا أشعر للحظة بتقصيري في شيء واجب علي، فتقسيم الوقت وعدم طغيان جانب على الآخر يجعلني ألعب دوري في حياة من حولي بنجاح من دون أن يشعروا بانشغالي عنهم، ومن تشتكي كثرة المسؤوليات فالعيب فيها وليس في ما تقوم به من أدوار، فلدي وقت أدرس فيه وأتعلم وأمارس مهام وظيفتي على النحو الذي يرضي رؤسائي، وأخصص وقتاً لأبنائي ومتابعة دروسهم بل والتنزه معهم إلى جانب رعياتي لزوجي، وشكوى بعض النساء العاملات إنما مرجعه غياب التخطيط الجيِّد للأدوار التي يقمن بها. الدكتورة فاطمة الصايغ، أستاذة في كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، تقول: لا يقل دور ربة البيت عما تقوم به المرأة العاملة، فالاعتناء بالأبناء والتفرغ لهم ومراعاة احتياجات الزوج، رسالة سامية خص الله تعالى بها المرأة دون الرجل لقدرتها على التفاني والعطاء من دون حساب، ومن تشتكي الملل والفراغ والوحدة فلا تلوم إلا نفسها، فمثل هؤلاء النساء يكون لديهنّ طاقة في حاجة إلى استغلال ولا يشبعهنّ ما يقمن به من مهام، وهنا يعاب على ربة البيت اختفاء دورها تجاه خدمة المجتمع الذي تعيش فيه، وهو ما نلاحظه من غياب واضح لعدم وجودها في مؤسسات المجتمع المدني وجمعيات النفع العام، التي تخلو مقاعدها من ربات البيوت اللاتي لو خصصن ساعة أو ساعتين في اليوم لتلك الأعمال التطوعية ما عانين أبداً الفراغ والملل بل يستطعن تحقيق سعادة وهدوء نفسي كبيرين. وتتابع: أما من تشكو ضيق وقتها وكثرة مهامها نتيجة العمل فعليها تذكر الإيجابيات التي تحسدها عليها من ليست في مثل وضعها، مثل الاستقلال المادي الذي تشعر معه بالحرية الاقتصادية بجانب ما يضيفه التعامل مع الآخرين وما ينتج عنه من تبادل للخبرات وقدرة على حل المشكلات بل وتحمل الصدمات وغيرها من السلبيات التي تعالجها بيئة العمل، أما ما يخص الأبناء والزوج فالأمر في حاجة لاستغلال الوقت والفرص بطريقة مثالية.   عبدالله الكمالي: -        ضعي بصمتك في الحياة أياً كان وضعك: الشيخ عبدالله الكمالي، رئيس قسم مراكز مكتوم بدائرة الشؤون الإسلامية والعمل الخيري في دبي، يقول: للمرأة المسلمة دور كبير في الحياة سواء كانت عاملة من خلال مساهمتها في بناء الأُمّة جنباً إلى جنب مع الرجل، أم ربة بيت حيث صناعة الرجال وإعداد الأبطال، من واقع غرس الأفكار الصالحة في نفوس الزوج والأبناء، فهي من تربي وتوجه وتنصح وتذكر وتدفع الأسرة بأكملها إلى تحقيق التقدم والنجاح، فهذه خديجة رضي الله عنها، ساندت النبي (ص)، ووقفت معه في أوّل البعثة، لذلك حفظ لها نبي الرحمة هذا الوفاء العظيم وكان يقول: "وإن حسن العهد من الإيمان"، وكم من الأزواج والأبناء تغير حالهم بشكل غير متوقع بسبب نصائح وتوجيهات الأُمّهات، فلا يجب أن تظن المرأة أن دورها في الحياة مهمش وبعيد عن التأثير، بل التأثير كل التأثير على البيوت والأسرة من قبل المرأة الصالحة الفاضلة، وكذلك المرأة العاملة لابدّ لها أن توازن بين عملها وبيتها وتطبق القاعدة النبوية: "اعط كل ذي حق حقه" و"إن لأهلك عليك حقاً، فالزوج والأبناء في أمس الحاجة إلى جهودك في التربية والتوجيه، وقد يكون الأمر في بعض الأحيان صعباً على المرأة العاملة ولكن من طلب العون من الله أعانه عليه ويسر أمره فلابدّ من المجاهدة والصبر.

ارسال التعليق

Top