• ٢٩ تشرين أول/أكتوبر ٢٠٢٠ | ١٢ ربيع الأول ١٤٤٢ هـ
البلاغ

شهر الرحمة والتكافل الإجتماعي

فائزة جعفر

شهر الرحمة والتكافل الإجتماعي
◄أطل على المسلمين في كل بقاع العالم شهر رمضان الكريم وبدأ المسلمون صيامهم.. وسيظل رمضان على مدى الدهور شهراً له طابع خاص ومعان خاصة. فهو شهر الله. الشهر الذي يقف فيه الإنسان مع نفسه متأملاً في عام مضى ومستشرفاً عاماً جديداً. بعزم جديد وهمة جديدة.. على تفادي أخطاء مضت وعلى الإلتزام بخط جديد ومنهج جديد. والذي يدرك رمضان سعيد الحظ فمعنى أن أحياه الله حتى أدرك هذا الشهر العظيم أنّه أخذ فرصة جديدة فرمضان شهر التوبة وشهر البركات وشهر النفحات وشهر تفتح فيه أبواب السماء وترفع فيه دعوات التائبين إلى السماوات العلا لتلتقي بغفران الله. والصيام علاج.. علاج للنفس وعلاج للجسم. فبعد عام طويل من معاناة الحياة والإسراف على النفس يبدأ الصيام فيغسل من الروح متاعبها ويزيل عن النفس همومها ويزود الوجدان بطاقات جديدة من العزم والإحساس القوي بمعرفة مكان الإنسان في هذا الكون الفسيح فهو عنصر واحد صغير جدا من كون لامتناه. وهو قدرة محدودة للغاية أمام قدرة لا تحدها حدود. وهو نبت سوف يزول وسوف يعود للأرض التي منها نبت وتتحول عناصره إلى أصولها الأولى... حفنة من تراب.   هذا الإحساس يغسل الأحزان ويعمق في قلب الإنسان ألا شيء يستحق هذه الضراوة في الصراع من أجل عروض زائلة أو متع عابرة. أو تنافس غير شريف لتحقيق أهداف غير شريفة. والصيام تصحيح للأخطاء التي إرتكبها الإنسان في حق بدنه طوال العام وتطهير للسموم التي كدسها في خلاياه بجشعه وشراهته. فقد أثبت الطب الحديث انّ السمنة هي الداء الوبيل الذي يجر وراءه أحدث ادواء العصر وأثبت الطب الحديث أيضاً انّ الصيام هو صمام الأمان الذي يعيد للجسم توازنه وللبدن صحته. ويحقق التوازن المفقود. هذا الكلام يقولونه اليوم وجاء به ديننا الإسلامي الحنيف منذ قرون فالإسلام دين التوازن في كل شيء وهو دين يكره الإسراف ويكره التقتير ويقوم على الوسطية.. لقد أنشاؤا في الغرب مصحات يقوم العلاج فيها على الصوم الإسلامي ونحن لم نفعل ذلك لسبب بسيط لأن رمضان هو مصحة خاصة لكل فرد مسلم متمسك بدينه يعيد التوازن لجسمه ويصحح ما أصابه من أمراض التخمة والبدانة. ورمضان شهر الرحمة والتكافل يجمع الجميع باحساس واحد فإذا كان الجوع مشكلة البعض فإنها مشكلة يتوزع إحساسها على الجميع حتى يدرك المسلم كل أحاسيس إخوانه في الدين فيسارع إلى تقديم حق لهم عليه وواجب عليه لهم ورمضان شهر عبادة. شهر تعمر فيه المساجد وتنار المنائر ويعلن أنّ المسلمين ورغم ما أصابهم ما زال يجمعهم خيط قوي من أحياء شعائر الله. والصيام شهر يفزع فيه المسلمون إلى المساجد يلتمسون العون من الله على ما أصابهم ويسجدون لله رجاء أن يتدارك هذه الأُمّة برحمته وأن ينهضها من كبوتها وأن يرفع من شأنها وان يحبط كيد الاعداء لها وان يعيد لها مجدها وعزها. عرفت الأُمم القديمة الصوم، وفرضته الشرائع السماوية منذ أقدم الأزمان يقول الله تعالى في كتابه الكريم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ) (البقرة/ 183)، والمراد من قوله: (الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ)، اليهود والنصارى كما عرفه الجاهليون قبل عصر البعثة وتعبدوا به.. فالصوم عبادة قديمة أقرتها الشرائع السماوية. وجعلها في شهر رمضان من كل سنة.. (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ...) (البقرة/ 185).   ولم تعن الشرائع السماوية بفرض الصوم الا لما له من حكم وأسرار. منها تطهير المعدة وتهذيب النفس والرسول الكريم (ص) يقول: "ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطنه بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محاله فاعلا، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه" ويفهم من الحديث الشريف انّه دستور طبي حكيم، لا يصدر الا عن عليم بدقائق الطب وأسراره لقد كانت المعدة في كل عصر سبب الشر، ومصدر البلوى للإنسان ومبعث الأمراض والاسقام، لذلك فرض الصوم علاجاً لها من هذه الآفات المهلكة، فيقول الرسول (ص): "جوعوا صحوا" ويقول: "نحن قوم لا نأكل حتى نجوع وإذا أكلنا لا نشبع". وفي الأثر المروي: "إنّ المعدة بيت الداء، والحمية رأس الدواء". قال الله تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) (الأعراف/ 31). فالإسراف في الطعام والشراب يؤدي إلى التخمة ويضر الصحة ويدعو إلى الخمول الكسل، قال لقمان الحكيم لإبنه: "يا بني إذا امتلأت المعدة نامت الفكرة، وخرست الحكمة، وقعدت الأعضاء عن العبادة". فالدين لم يفرض الصوم علينا بلا غاية وإنما قصد به أو لا فائدة الصائم. وانّ الأطباء اليوم يعالجون كثيراً من الأحوال.. قال رسول الله (ص): "لا تميتوا القلوب بكثرة الطعام والشراب فإنّ القلب كالزرع يموت إذا كثر عليه الماء". فالرسول يقول: ان الزرع إذا أخذ أكثر من حاجته من الماء ذبلت أغصانه وخرجت الحياة من سيقانه وبذلك يموت كذلك الإنسان إذا أكل أكثر من حاجته مات قلبه وإذا مات القلب مات الإنسان ولهذا السبب نرى الأطباء ينصحون مرضى القلب بالإقلال من الطعام خوفاً على حياتهم. ومن كل ذلك يتبين لنا انّ الصوم رياضة صحية بدنية تورث العافية وتجلب الصحة وتقوى البدن وتبعث فيه الحياة النشيطة. وأما تهذيب النفس فإنّه مما لا يقبل الجدل انّ الدين حينما فرض الصوم لم يقصد به مجرد الامساك عن الأكل والشرب وعن كل مفطر من الفجر إلى الغرب وانما قصد شيئاً آخر هو كف النفس عن الشهوات ولا سبيل إلى ذلك الا بالصبر الذي نتعوده من الصوم. ولن يكون كف النفس عن الشهوات إلا بضبط اللسان ومنعه من الهذيان والفحش والنميمة والكذب والمراء والغيبة وابعاد السمع عن الاصغاء إلى كل مكروه أو قبيح من كل ما لا يتفق مع الخشية من الله. لقد فرض الصوم ليكون حائلاً بين المرء والميول المرذولة وغيرها من الموبقات والمنكرات. ولكي يكبح جماح النفس الأمارة بالسوء وليربي فينا خلال الصبر في الكفاح والثبات على المكاره، والأمانة في السر والعلانية، فالصوم عبادة لا يراها الناس فيحكمون على الشخص بالصيام أو الفطر وإنما هو عبادة باطنية فمتى صام الإنسان صياماً كاملاً مراعياً فيه الخوف من الله والإمتثال لطاعته دل بذلك على كمال مروءته وإنسانيته وأمانته وعلو همته وشجاعته الأديبة. يقول الرسول (ص) إنما الصوم جنة (أي وقاية) فإذا كان أحدكم صائماً فلا يرفث (أي لا يكون بذيئاً في قوله) ولا يجهل (أي ولا يفعل فعل الجاهلين) وان امرؤ قاتلة أو شاتمه فليقل "إني صائم إني صائم". ففي هذا الحديث الشريف نهى عن الإعتداء باللسان وغيره وفي ذلك رياضة نفسية خلقية وفي الصوم بعث لقوة الإرادة والعزيمة والشجاعة لأن مقاومة الجوع والعطش وجميع شهوات النفس مما يقوي فضيلة الصبر التي هي أصل الفضائل كلها. وما الشجاعة إلا مزيج من الصبر وقوة الاحتمال وبالشجاعة تقوى الأُمّة وتشعر بكيانها في هذا الوجود وتحقق أمانيها.. والصائم الذي يشعر بألم الجوع ويمسك رمقه وفي هذا محاربة فعالة للمبادئ الهدامة التي تقوض صروح النظام الإجتماعي.   وفي الصوم صفاء القلوب ورقتها وإتقاد القرائح وإنقاذ البصائر وفي الشبع البلادة وغفلة القلب بكثرة ما يتولد من بخار الأغذية في الدماغ وفي الصوم زوال البطر الذي هو مبدأ الطغيان والغفلة والصوم يكسر شهوات المعاصي كلها لأن منشأ المعاصي الشهوات ومادة الشهوات الأطعمة فحرمان النفس منها شهراً مع تقليلها قد يضعف كل شهوة وقوة جامحة طاغية. لقد عرف المسلمون الأوّلون هذه الحكم الجليلة التي للصوم – فصاموا عن عقيدة راسخة واقتناع تام فأورثهم الله القوة والسيادة فحكموا بنفوسهم المهذبة العالية وعقولهم الرشيدة أمم الأرض بالعدل ونشروا فيها تلك الصفات الكريمة التي يعتز بها الإسلام في كل جيل. إنّ الذي يقهر سلطان العادة في الإنسان هو الإيمان وأسلحته العبادات والصوم هو أحد هذه الأسلحة فمثلاً يستطيع الشخص أن يدخل إلى حجرة في بيته ويغلق على نفسه الأبواب الشبابيك ثمّ يأكل ويشرب ويفعل ما يشاء ثمّ يخرج إلى الناس ويعلن إنّه صائم ويصدقه الناس لأن أحد لم يره ولم يطلع على فعلته حتى من أقرب الناس إليه.. ثمّ في أيام الحر والإنسان يحس بالإرهاق مع جفاف في الحلق وفي إمكانه بأن يتظاهر بأنّه يتمضمض ويمتص من الماء ما يشاء ولا أحد يراه.. لكن من أعماق النفس واغوارها يأتي صوت الضمير في الإنسان منبهاً ومحذراً ومشيراً إلى رقابة الله على الإنسان وعلمه بكل شيء وإذا كان أحد لم يرك فإن الله يراك أينما تكون على أي وضع وإذا لم ينكشف غداً على رؤوس الأشهاد (يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ * فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلا نَاصِرٍ) (الطارق/ 9-10)، وإذا كان كل شيء يمرض ويحتاج إلى علاج فإنّ الصوم هو علاج الضمير لأنّه يوقظه من غفلة ويقويه من ضعف ولذا جاء في الحديث عن رسول الله يقول الله تعالى.. كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنّه لي وأنا أجزي به، ذلك لأنّ الصوم سر بين العبد وربه والبشرية بأسرها لن يصلحها إلا قانون السماء الذي صيغ ليهذب النفس وينمي العواطف الطيبة ويدفع إلى كل خير. والصوم مدرسة يتدرب فيها الإنسان على رياضة النفس وتهذيب الوجدان وترقيق العواطف ومساعدة الضعيف والأخذ بيده والسير قدماً في الطريق الذي يوصل إلى سعادة الدنيا وفلاح الآخرة.. والصوم الذي نقصده هو الذي غايته التقوى هي جماع كل خير لأننا لا نقصد ابدأ صوم الإمساك عن الطعام والشراب فقط وضياع اليوم بين تسلية لاهية أو نوم وراحة لأن هذا الصوم ليست له ثمرة مرجوة ولا يوقظ ضميراً ولا ينمي عواطف طيبة لأنّه صوم الخاملين لا ينظر الله إليهم لأنهم فقدوا طعم الصوم ولذّته ومن هنا جاءت الإشارة في الآية الكريمة إلى الصوم الذي ندعو إليه الذي يقوي المراقبة في النفس الإنسانية وينمي أحاسيسها الطيبة فقال سبحانه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).►

ارسال التعليق

Top