• ٢٠ تشرين أول/أكتوبر ٢٠٢٠ | ٣ ربيع الأول ١٤٤٢ هـ
البلاغ

صلاتي.. وصلاحي/ ج (3)

أسرة

صلاتي.. وصلاحي/ ج (3)
 - نماذج من العمل الصالح: فيما كان الأب منشغلاً في الردِّ على مكالمة هاتفيّة، كان (أحمد) و(ليلى) قد استعدّا لهذه اللّيلة الفاصلة، حيث أخذ كلٌّ منهما دفتر ملاحظاته وتأهّب لكتابة بعض القصص النافعة.. قالت ليلى: ستكون اللّيلة دافئة حقّاً، فأنا أحبّ القصص. ردّ أحمد: ألَم تشبعي من القصص التي كانت أمِّي ترويها لكِ وأنتِ طفلة؟ الأُم: القصص ليست للأطفال فقط، حتى نحنُ الكبار بحاجة إلى سماع القصّة المعبِّرة والنافعة. هنا ينهي الأب مكالمته ويدخل الصالون، فيسمع زوجته وأولاده يتحدّثون، فقال مفاكهاً: ما هذا، يبدو أنّ الدرس قد بدأ من قبل أن يأتي المعلِّم؟! أحمد: هذا نسمِّيه في درس الرياضة بـ(الإحماء).. مجرّد تنشيط للذاكرة وتهيئة للذِّهن حتى يستعدّ لتقبّل الدرس. ليلى: الذِّهن اليوم مفتوح تماماً ولا يحتاج إلى مقوِّيات أو منشِّطات. (يضحك الجميع). الأب: جميل أن نستمع إلى قصص العمل الصالح فنقتدي ونهتدي بها، ونتمثّلها فنعمل مثلها، ولكنّ الأجمل أيضاً أن تكون لنا أعمالنا الصالحة التي تتحوّل إلى قصص تُروى وتُقتدى أيضاً، ذلك أنّ أصحاب القصص الذين سأحدِّثكم عنهم هم في الواقع أناس أمثالنا، عشقوا الخير، وأحبّوا أعمال البر والتقوى، ولم يكتفوا برواية قصص الصالحين والتسلِّي بها. الأُم: برأيي المتواضع، فإنّ قصص العمل الصالح ليست قصصاً تأريخية فقط.. عملها أشخاص في الماضي، بل هي قصص يومية يمكن أن نشاهدها ونسمعها فيما يعمله الجار لجاره، والصديق لصديقه، والأب لأسرته. الأب: والأُم لأسرتها أيضا.. أحمد: والأولاد لأسرتهم كذلك. ليلى: هاتَ يا أبي سمعنا بعض ما عندكم. الأب: أراكِ متحمِّسة أكثر من كلِّ ليلة. ليلى: أنا محتمِّسة كلّ ليلة، لكنّ حماسي الليلة أكثر. أحمد ممازحاً: إنها تحنّ إلى أيّام الصِّبا والطفولة حينما كانت مما تقصّ عليها بعض القصص قبل النّوم. ليلى بلغة ذكية: تلك كانت قصص ترويها لي أمِّي لكي أنام، أمّا هذه القصص سيرويها أبي لكي أصحو وأنتبه وأستيقظ! الأب والأُم (يُصفِّقان لليلى). الأب: سأروي لكم أوّلاً قصّة عن التصدّق، وسنتحدّث عن معناها فيما بعد، فلقد قال رجلٌ صالح: لأتصدّقن اللّيلة بصدقةٍ، فخرج بصدقته فوضعها في يَدِ (سارق)، فأصبح الناس يتحدّثون: تصدّق اللّيلة على سارق!! فقال: اللّهمّ لكَ الحمد على سارق!! وفي اللّيلة التالية، قال: لأتصدّقن بصدقةٍ، فخرج بصدقته فوضعها في يَدِ (زانية)، فأصبحوا يتحدّثون: تصدّق اللّيلة على زانية! فقال: الحمد لله على زانية! وفي اللّيلة الثالثة، قال: لأتصدّقن بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يَدِ غني، فأصبحوا يتحدّثون: تصدّق على غنيّ! فأُتيَ (أي جاؤوا وسألوه) فقال لهم: "أمّا صدقتي على (سارق) فلعلّه أن يستعفَ عن سرقته، وأمّا (الزانية) فلعلّها تستعفف عن زناها، وأمّا (الغني) فلعلّه أن يعتبر فينفق ممّا أعطاه الله"! أحمد: هذه القصة تلتقي مع مفهوم أنّ (الأعمال بالنيّات). ليلى: والقصّة تقول إنّ ظاهر العمل ليس كباطنه، فالتصدّق على هؤلاء ظاهرياً لا معنى له، لكنّ قصد المتصدِّق نبيل. الأب: ما شاء الله، لقد استوعبتم الدرس جيِّداً. الأُم: لكن، ألا ترون أنّ مواقف كهذه لا يتحمّلها الناس، أي أنّهم – كما تروي القصّة – أصبحوا يتحدّثون، أي ينالون الرجل الصالح المتصدِّق بالسوء، وليس كلّ الناس يأتون ليتحرّوا عن الحقيقة؟ الأب: ما تقولينه صحيح، لكنّ العمل الصالح والنيّة الصالحة لا يأبهان بالأقاويل، فليقل الناس ما يقولون، ما دامت نيّتي سليمة، وعملي صحيح، فأنا لا أعمل للناس أي لا أريد أن أكسب رضاهم في عملي، بل هدفي رضا الله، ولكن إذا أُسيءَ فهمي فأنا مستعدّ لتوضيح موقفي. أحمد: هل نحنُ مطالبون بتقديم تقارير للناس عن أعمالنا. الأب: طبعاً لا، لكن إذا ظنّ الناس بنا الظّنون، فيجب أن نوضِّح لهم حقيقة الأمر بكل صراحة وبكلّ شفافية. ليلى: والقصّة الثانية؟ الأُم: يبدو أنّ ليلى لن تشبع اللّيلة من القصص؟ ليلى: لا سيّما إذا كان الراوي بابا! الأب: أشكركِ يا ليلى على حُسن ظنّكِ بأبيكِ، وأمّا القصة الثانية فهي قصة أحد الصالحين الذي آلى على نفسه أن يمرّ به يوم من الأيّام إلا ويُدخل السرور فيه على قلوب ثلاثة من المؤمنين، سواء بقضاء حاجة، أو مشاركة مجانية في عمل ينفعهم، أو نصيحة يطلبونها، أو حلاً لمشكلة، أو وساطة خير (حميدة) أتوسّط بها، أو إصلاح لعلاقة سيِّئة، وما إلى ذلك. الأُم: هنيئاً له على هذه الأعمال الصالحة.. إنّه يوم مبارك، بل أيام مباركة هذه التي تجد قلباً رحيماً ونفساً زكيّة تُدخل السرور على الناس في زمن يتعمّد فيه البعض على الإساءة إليهم ومن دون أن يعتذر. ليلى: لو خُلِيَت قُلِبَت. أحمد: حتى ولو لم يتمكّن أحدنا من إدخال السرور على قلوب ثلاثة، فليكن قلباً واحداً على الأقل؟ الأب ملاطفاً: قلبُ مَن مثلاً؟ أحمد: قلبُ ماما. الأب: وأنتِ يا ليلى. ليلى: حتى تتكافأ الكفّة.. قلبُ بابا! الأب: وأمّا القصة الثالثة، فهي لإنسان صالحٍ كان يهتمّ بتوسيع دائرة الصلاح، فلم يكتفي بأن يقوم بالأعمال الصالحة، بل يحاول أن يدفع الآخرين إليها أيضاً. فلقد التقى بشخصٍ يرتكب المعاصي وراحَ يُفكِّر في الطريقة التي يُنقذهُ فيها من معاصيه، فتفتّق خياله أو ذنه عن طريقة ذكية لا تُشعِر العاصي بماضيه السيِّئ لئلا ينتكس، فكان إذا دخل وقت الصلاة قدّمه أما وصلّى خلفه، ليزرع الثِّقة في نفسه، ويضعه موضع المسؤولية إزاء تصرفاته. وبالطّبع كان يعلم هذا الإنسان الصالح أنّ صلاته غير صحيحة، لأنّه يُصلِّي خلف متجاهر بالمعاصي والذنوب، فكان يُعيد صلاته فيما بعد، إلا أنّ هذا الأسلوب الفطن نجح في نقل هذا الشخص العاصي نقلة نوعية، فكان في البداية يتحرّج من ارتكاب المعصية من صاحبه الذي طرح الثِّقة فيه، وبالمداومة والمواظبة كفّ نهائياً عن ارتكاب المعاصي لأنّه بات يراقب (الله) بعدما كان يراقب (صاحبه)! ليلى: الله، الله، هكذا العمل الصالح وإلّا فلا. أحمد: لا تنسي يا ليلى، إنّ الأعمال الصالحة ليست بحجومها ومنافعها، بل بدوافعها. ليلى: ما دامت هداية الآخر التي يحبّها الله ويرضاها هي نيّتي، فعملي صالح. الأب: بالتأكيد، وبقطع النظر عن تقيق نتائج إيجابية أو لم تسفر المحاولة عن نجاح، فحتّى يكون العمل صالحاً، لابدّ من الاهتمام (بدافعه) والنتائج تأتي تباعاً، فإذا فشلت، يكفيني أنّني حاولتُ واجتهدت. الأُم: تحضرني هنا قصّة لامرأة عجوز كانت تُسمّى (شُطيطة) كانت تبعث بدريهمات (هي كلّ ما تملك) إلى صندوق إعالة المعوَزين الذي يُشرف عليه الإمام موسى الكاظم (ع).. فكان يدعو لها ويُشيد بعطائها على الرغم من قلّته، وكان يسأل الجابي: أين هي دريهمات شُطيطة، وهو مأنوسٌ بها وسعيد. أحمد: وهذه قصّة أخرى يا ليلى تُضاف إلى الرصيد لم تكن في الحسبان! ليلى: ماما عوّدتنا دائماً على المفاجآت السارّة! الأب: أتعرفون أنّ واحدة من القنوات التي فتحها الإسلام للمسلمين حتى يعملوا الصالحات ما هو؟ أحمد: ما هو؟ الأب: قناة أو باب يُسمّى (الوقوفات).. فكلّ إنسان مُقتدِر مالياً، أو حتى جماعة يمكنهم أن يشتروا شيئاً معيّناً ويوقفوه (أي يجعلون خاصّاً بخدمة المسلمين) ليكون صدقة جارية لهم ما دام يُقدِّم خدماته للنّاس، حتى إنّ (ابن بطّوطة) الرحّالة الشهير لمّا وصل إلى دمشق وجد فيها وقفاً لكلِّ طفل أو غلام يبعثه أهله في حاجة إلى السوق فيفقد المال، أو تُكسَر الآنية التي معه، ويُسمّى (صاحب أوقاف الألواني).. بل رأى أوقافاً أو نوعاً من الأوقاف لا حصرَ لها، منها: أوقاف (أموال) على العاجزين عن الحجّ، ومنها أوقاف (أموال) على تجهيزات البنات غير القادرات عوائلها على تجهيزهنّ، ومنها أوقاف لأبناء السبيل (الغُرباء الذين فقدوا ما معهم من المال أو نفد ما لديهم فلم يتمكّنوا من العودة إلى بلدانهم).. وأوقاف تزوِّد الأُمّهات الفقيرات بالحليب والسكّر! الأُم: كم هي رائعة هذه اللّفتات الإنسانية التي تقلّصت، إذا لم نقل إنّها اختفت في بعض بلداننا، رغم أنّ الإسلام الذي دعا إليها حيٌّ ينادي بها ويدعو إليها! الأب: ختاماً، أو أخيراً وليس آخراً، أنقل لكم هذه القصّة الموحية، فلقد التفت أحد الصالحين لرجلٍ حضر جنازة وقد سأله: "أتراهُ (أي الميت) لو رجع إلى الدنيا يعمل صالحاً؟! أجابه الرجل الصالح: إن لم يكن هو فكُنْ أنتَ!! أحمد: فعلاً ختامها مسك، فالعودة إلى الدنيا بعد الموت مستحيلة إلا إذا قامت الساعة، أمّا الأحياء فهم المطالبون بالقيام بالأعمال الصالحة.. اللّهمّ ارزقنا أن نكون منهم. (الجميع يرفعون أيدي الضّراعة): اللّهمّ آمين.

ارسال التعليق

Top