• ١٦ كانون ثاني/يناير ٢٠٢١ | ٢ جمادى الثانية ١٤٤٢ هـ
البلاغ

صناعة القادة

د. ياسر العيتي

صناعة القادة

◄هل التغيير ممكن؟

لنفترض أن مديراً وجد في نفسه صفاتٍ لا تتفق مع صفات القائد الذكي عاطفياً، وجد عنده ضعفاً في التعاطف مع الآخرين مثلاً، أو في المرونة أو في المبادرة وتحمل المسؤولية.

فهل يمكن لهذا المدير أن يتغير؟ الجواب الأكيد: نعم. فمهارات الذكاء العاطفي يمكن تعلمها. كما يمكن تعلم أي مهارة أخرى.

أجريت دراسة في جامعة كيس ويسترن ريزيرف في الولايات المتحدة أثبتت ارتفاع مهارات الذكاء العاطفي عند مجموعة من المديرين بعد دورة تدريبية، وكان التحسن بمقدار 47% في مهارات إدراك وإدارة الذات، و75% في المهارات الاجتماعية. والملفت للنظر أنّ هذا التحسُّن لم يكن مؤقتاً، بل استمر سبع سنوات، وهي الفترة التي أجريت الدراسة خلالها.

ويروي دانييل غولمان في كتابه (القيادة الأساسية) قصة موظف، كان يعمل مندوباً للمبيعات، وقد حقق نجاحاً باهراً في عمله، ونال عدة جوائز، فرقي إلى منصب مدير لأحد الأقسام، ولكن أداءه كمدير لم يكن جيداً كأدائه عندما كان مندوباً للمبيعات، فتمت دراسة حالته من قبل فريق مختص بتنمية الذكاء العاطفي عند القياديين، فتبين أنّه يستخدم مع موظفيه أسلوب الإلحاح (الذي تعود عليه عندما كان مندوباً للمبيعات) وإصدار الأوامر دون تعاطف، وأنّه كان يركز على أخطاء الموظفين بدلاً من تدريبهم على القيام بالأمور بشكل صحيح. نُبِّه المدير الجديد إلى نقاط ضعفه، وأوصي باستخدام أنماط المشاركة والتدريب والرؤية، وفعلاً بدأ هذا المدير بالإكثار من لقاءاته الثنائية مع موظفيه لكي يفهمهم أكثر، ويتعرف على حاجاتهم وطموحاتهم، وأصبح يضع الخطط معهم بدلاً من أن يفرضها عليهم، فكانت النتيجة نجاحاً باهراً لم يتصوره أحد.

 

إذن... الذكاء العاطفي مهارات يمكن اكتسابها، والقيادة فن يمكن تعلمه

 

كيف يتم التغيير؟

1- آمن بإمكانية التغيير:

يعتقد بعض المديرين أنّ الناس يُخلقون بطباع وصفات معيّنة لا سبيل إلى تغييرها، وهذا مفهوم خاطئ؛ فالأبحاث تشير إلى أنّ المدير يستطيع أن يتغير، وأن يغير المؤسسة كلها معه. إن أوّل خطوة نحو التغيير أن يقتنع الإنسان بإمكانية التغيير.

2- اكتشف ذاتك المثالية:

أي ما الشخصية التي تسعى إلى أن تكونها؟ إذا قلنا لك، تخيل نفسك بعد خمسة عشر عاماً من الآن وقد حققت ما تريد.. أين تكون؟ ماذا تفعل؟ ومن الناس الذين يحيطون بك؟ عندما ينظر القائد في أعماق نفسه، ويعرف ماذا يريد وما طموحاته وأحلامه سيشعر بالاندفاع والإثارة وهو مندفع إلى تحقيق هذه الطموحات والأحلام. إنّ حياة الإنسان وعلاقاته بالآخرين تصبح روتينية مملة عندما يفقد الاتصال مع ذاته المثالية، أي تلك الشخصية التي يسعى إلى تحقيقها، وقد تتغير أحلام الإنسان وطموحاته مع الوقت، فيكتشف مجالات يجد فيها نفسه لم يكن يعرفها من قبل، وإذا لم يكتشف الإنسان هذا التغيير قد يظل يعمل في مجال لا يعبِّر عنه، وبالتالي لا يُطلق كلّ ما لديه من مواهب وإمكانيات.

عندما تتوافق الأعمال التي نقوم بها مع ما نريده من أهداف تتفجر طاقاتنا الكامنة، وتنساب مواهبنا وإمكانياتنا انسياباً، ونشعر بالسعادة والرضا والانسجام الداخلي، ويصبح لحياتنا معنى، ولأعمالنا قصد وهدف.

 

لا يكتشف البحارة أرضاً جديدة إلّا بعد أن تغيب اليابسة عن أعينهم لفترة طويلة

 

3- حدِّد أين تقف الآن:

إذا اتصل بك صديق وطلب منك أن تدله على الطريق إلى منزلك، فما أوّل سؤال تسأله إياه؟ ستسأله: "أين أنت الآن؟". وإذا لم تعرف أين هو فلن تستطيع أن تدله على الطريق الموصل إلى منزلك. وهكذا نحن، لا نستطيع أن ننتقل بأنفسنا من وضعها الحالي إلى وضع أفضل إذا لم نعرف أين نقف الآن. إذن بعد أن يكتشف القائد (ذاته المثالية)، أي الذات التي يسعى إلى تحقيقها، عليه أن يعرف موقعه الحالي، أي كم هو قريب أو بعيد عن هذه الذات المثالية؟ أو بمعنى أوضح، ما الذي ينقصه لتحقيق هذه الذات؟.. ما نقاط قوته؟ وما نقاط ضعفه؟ يجب أن يعرف القائد نقاط ضعفه لكي يعرف ماذا يجب عليه أن يطور في شخصيته. وأن يعرف النقاط التي يجب أن يركز عليها انتباهه.

لكي ينجح الإنسان في تقييم نفسه بشكل دقيق يجب ألا يكتفي برأيه هو شخصياً في نفسه، بل يجب أن يعرف آراء الآخرين. إنّ القادة الأذكياء عاطفياً يشجعون من حولهم على إعطائهم (تغذية راجعة)، أي تقييماً لأدائهم، وتنبيهاً لهم إلى نقاط ضعفهم ونقاط قوتهم، لأنّهم بحاجة إلى طيف واسع من المعلومات، لكي يكون أداؤهم أفضل، سواء أعجبتهم هذه المعلومات أم لا.

أظهرت دراسة على 700 شخص ينتمون إلى 12 مؤسسة أنّ الأشخاص الذين حققوا تطابقاً أكبر بين تقييمهم لأنفسهم وتقييم الآخرين لهم كانوا أكثر نجاحاً في عملهم.

وفي دراسة أخرى أُجريت على المديرين تحديداً شملت 400 مدير تبين أن أكثرهم نجاحاً هم أولئك المديرون المنفتحون الذين يشجعون النقد ويتقبلونه.

يعتقد بعض الناس أنّ تقبّل النقد يقلِّل من هيبة المدير، وهذا اعتقاد خاطئ؛ لأن هيبة المدير لا تأتي من خلال تجاهله لآراء الآخرين، وإصراره على الاعتقاد بأنّه منزه عن الخطأ. إنّ بعض المديرين يحاولون إخفاء إخفاقهم ونقاط ضعفهم من خلال رفضهم لأي انتقاد. وغالباً ما يؤدي هذا الرفض إلى تعميق شعور الآخرين بإخفاق هذا النوع من الأشخاص وضعفهم، في حين أننا نجل ونحترم أولئك الأشخاص الذين يفتحون صدورهم لآراء الآخرين، ويبحثون عن الحقيقة بصدق وشفافية، ويعترفون بأخطائهم ونقاط ضعفهم.

يجب أن ندرك هنا أن مفهوم الطاعة والالتزام بالنظام الذي يجب أن يحرص عليه المدير لا يتعارض مع مفهوم الانفتاح وتقبل النقد. والمدير الناجح هو الذي يجمع بين المفهومين بحكمة وتوازن.

4- أعد تشكيل دماغك:

بعد أن يقتنع الإنسان بإمكانية التغيير ويعرف ذاته المثالية (الذات التي يسعى إلى تحقيقها وذاته الحالية يجب أن يبدأ السير لتحقيق ذاته المثالية، وأن يستبدل بعاداته السيئة عادات جيدة.

وتمر عملية اكتساب العادات الجيدة بثلاث مراحل:

1- جلب السلوك السيئ إلى الوعي: فإذا كان المدير مثلاً تنقصه مهارة الإنصات الجيد فعليه أن يدرك وجود هذا النقص عنده.

2- ممارسة السلوك الجيد بشكل واعٍ: فيبدأ بالإنصات إلى الآخرين، ولو وجد في نفسه الرغبة في مقاطعتهم.

3- تغذية السلوك الجيّد في كلّ فرصة حتى يصبح سلوكاً تلقائياً: إنّ التعلم على مستوى التفكير يتم في قشرة الدماغ، وهو يحدث بسرعة إذ يستطيع الإنسان أن يكتسب معلومة جديدة بمجرد سماعه لها. أما التعلم على مستوى العادات فيتم في منطقة عميقة في دماغ الإنسان تسمى (الجهاز اللمبي Limbic system) وهي تحتاج إلى التكرار والممارسة مدة تتراوح من أسابيع إلى أشهر.

 

الإنسان الذي يجهل ما الذي يجهله لن ينمو في هذه الحياة أبداً...

 

إنّ دماغ الإنسان مكون من دارات متشابكة مسؤولة عن أنماط معينة من التفكير والسلوك والانفعال، وإن تفعيل هذه الدارات يزيدها قوة ونشاطاً. وعندما يبدأ الإنسان بتعلم مهارة جديدة تبدأ دارات جديدة بالتشكل في دماغه، ومع تكرار ممارسة هذه المهارة تقوى هذه الدارات، وتصبح أكثر سرعة ونشاطاً، بحيث تطغى على نشاط الدارات المسؤولة عن العادات القديمة، أي تصبح هذه المهارة عادة يمارسها المرء دون جهد منه. وهكذا يكتسب الإنسان العادات الجديدة.

عندما نمارس أمراً ما أوّل مرّة نشعر أننا نفعل شيئاً غير مألوف لنا، وكأننا نلبس ثياب غيرنا، وتكون ممارسة هذا الأمر بحاجة إلى جهد منا. ولكن مع التكرار والممارسة يصبح عادة لا جهد فيها.

عندما نستغل كلّ موقف نجد فيه أنفسنا مدفوعين إلى تصرف خاطئ لنستبدل به تصرفاً صحيحاً، نكون قد حولنا هذا الموقف إلى فرصة للتدرب على التصرف الصحيح، واقتربنا خطوة من التمكن من العادة التي نسعى إليها. أما إذا استمررنا في التصرف الخاطئ فإننا نضيع فرصة أخرى للتغيير، ونبتعد خطوة عن العادة التي نسعى إلى اكتسابها.

إنّ دماغ الإنسان لا يتوقف عن التشكل مادام حياً، وكلّ منّا يملك الفرصة لينمي في دماغه دارات التصرف الصحيح والانفعال الصحيح والتفكير الصحيح. وهذا ما فعله جاك الذي عين مديراً لشركة عالمية لبيع الطعام، وذلك عندما بدأ يعاني من صعوبات في تعامله مع موظفيه، فاستعان بمدرب في الذكاء العاطفي ليحدد المشكلة ويضع العلاج. وجد المدرب أن جاك يبالغ في اتباع نمط القائد الآمر الناهي، وأنّه سريع الغضب، ويتدخل كثيراًفي عمل موظفيه، مما أفقد الموظفين الرغبة في المبادرة والإبداع، فكانوا يفكرون دائماً كيف يريد جاك هذا الأمر؟ وليس ما أفضل طريقة للقيام بهذا الأمر؟ في الوقت نفسه وجد المدرب أن نقاط القوة عند جاك تتجلى في ثقته بنفسه وطاقته العالية وحبه للإنجاز.

أدرك جاك المهارات التي تنقصه وبدأ بالتدرب عليها، فكان عندما يشعر بالاستياء يقوم بما يأتي:

1-    يتراجع وينصت بدلاً من الهجوم.

2-    يدع الشخص الآخر يتكلم ويبدي رأيه.

3-    يحاول أن يكون موضوعياً، ويسأل نفسه دائماً: هل ردة فعلي منطقية؟ هل أقفز إلى استنتاجات؟

4-    يسأل أسئلة يستوضح فيها، بدلاً من الأسئلة الهجومية أو التي تأخذ شكل المحاكمة. هذا التغير الإرادي في تصرفات جاك جعله يتعاطف مع موظفيه، وينصت لهم بشكل أفضل، مما مكنه من جمع معلومات أكثر، فأصبحت قراراته أكثر صواباً، لأنّها مبنية على معلومات أكثر. وبدأ الموظفون يشعرون باحترامهم له، فازداد تعاونهم معه. وشيئاً فشيئاً أخذ جاك يتدرب على لعب دور القائد صاحب الرؤية، والقائد المدرب، فأصبح يذكّر موظفيه دائماً بهدف المجموعة، وكيف أنهم يسعون معاً لتحقيق هذا الهدف، وقلل من تدخله في عمل موظفيه، فقلّت موجات الغضب التي تعتريه من مرة أو مرتين يومياً إلى مرة أو مرتين شهرياً. وهكذا تحسن جو العمل، وارتفعت المبيعات.

5- استعن بالآخرين:

إنّ التغيير عملية مؤلمة في معظم الأحيان، وترافقها بعض مشاعر التوتر؛ لذلك يلعب الجو الإيجابي الذي يشجع مشاعر التوتر؛ لذلك يلعب الجو الإيجابي الذي يشجع على التغيير ويمنح الإنسان الشعور بالأمان دوراً كبيراً في دفع الإنسان إلى التعلم. ابحث عن أصدقاءك أو مشرفين مخلصين تراجع معهم الخطة التي وضعتها لتطوير نفسك، وتتلقى منهم الدعم والعون والإرشاد.

وسأختم هذا الموضوع بقصة توضح كيف يمكن استخدام النقاط الخمس السابقة لتطوير الذكاء العاطفي عند القائد: كان روزانو مهندساً في معمل للكيماويات في ماليزيا، عيّن مديراً لشركة ظلت تخسر لمدة أربع سنوات. شعر روزانو أنّه يفتقر إلى بعض المهارات القيادية، وأن باستطاعته اكتساب هذه المهارات (1- آمن بإمكانية التغيير). ووضع لنفسه هدفاً: أن يكون مديراً ناجحاً، وأن يقود الشركة من خلال رؤية واضحة إلى مستقبل أفضل، تتفوق فيه وتتميز على جميع منافساتها (2- اعرف ذاتك المثالية) ثمّ عرف من خلال تقييم زملائه له أن ما ينقصه هو استخدام نمط القائد صاحب الرؤية، والقائد المدرب (3- حدد أين تقف الآن) وبدأ يمارس هذين النمطين في كلّ مناسبة، فأصبح يذكر الآخرين برؤيته الجديدة (التفوق والامتياز)، ويستغل كلّ فرصة لمساعدتهم على وضع خطط التعلم الشخصية الخاصة بهم (4- أعد تشكيل دماغك) وشكَّل مجموعة يجتمع معها أسبوعياً لمناقشة خطط التعلم الشخصية ومراجعة التقدم الحاصل في نمط الإدارة والمناخ العام (5- استعن بالآخرين) وكانت النتيجة أن أرباح الشركة ازدادت بنسبة 300% خلال عامين.►

 

المصدر: كتاب الذكاء العاطفي في الإدارة والقيادة

ارسال التعليق

Top