• ٤ كانون أول/ديسمبر ٢٠٢٠ | ١٨ ربيع الثاني ١٤٤٢ هـ
البلاغ

على أعتاب شهر رمضان.. كيف نربّي أنفسنا على التقوى؟

عمار كاظم

على أعتاب شهر رمضان.. كيف نربّي أنفسنا على التقوى؟

بعد أيام، نستقبل شهر رمضان، وهو شهر الإسلام وشهر الطّهور، كما عبّر عنه الإمام زين العابدين (عليه السلام)، وهو «شهر أُمّتي»، كما عبّر عنه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). وعندما نستقبل هذا الشهر الكريم، فإنّنا نحاول أن نكتشف فيه العناصر التي تتصل ببناء الشخصية الإسلامية، لأنّ هناك نقطة مهمّة لابدّ لنا من أن نتأمّلها في العبادات كلّها، وهي أنّ الله سبحانه وتعالى جعل للعبادات دائرتين.

الدائرة العبادية

الدائرة الأولى هي سرّ التعبّد لله، فالإنسان في العبادة يشعر بمعنى العبودية لله، الذي يفرض عليه أن يذوب فيه، وأن يتجاوز المعاني الذاتية في شخصيته، فينحني عقله بين يديه سبحانه، وينحني قلبه أمامه، وينحني جسده بين يديه، راكعاً يعظّم الله في ركوعه، وساجداً يعظّم الله في سجوده، ومسلماً مستسلماً يعظّم الله في قيامه وفي الكلمات كلّها.

وعندما تتعبّد خلايا الإنسان في الصوم لربّها، فإنّها تجد العناصر التي تجدّد لها حيويّتها خضوعاً لله، بعد أن يعيش الإنسان الصوم في وعيه كلّه، ليقدّمه لله. وعندما ننفتح على الحجّ، فإنّ الإنسان يُحرم هنا ليصوم في إحرامه عن كثير من الأشياء التي تشتهيها نفسه، ويطوف حول البيت ليختصر في طوافه الساحات التي يحبّها الله، وهي الساحات التي يطوف بها في الحياة، وأن يكون سعيه في طريق الله، وأن يتأمّل هنا وهناك، وأن تكون المواقع كلّها والمواسم كلّها خضوعاً لله، يمارسها الإنسان، وإن لم يفهم سرّها ويعي معناها، ويتمثّل الإنسان في العبادة المعنى الذي يجعله يسقط ذاته في معنى عناصره الشخصية، ليذوب في الله، وليشعر بأنّه ليس شيئاً أمام الله، إلّا من خلال ما منحه الله من الإحساس بالشيئيّة في معنى العبودية.

الدائرة التربوية

أمّا الدائرة الثانية، فهي الدائرة التربوية التي تتمثّل بإيحاءات العبادة لعناصر الشخصية الإنسانية، فنحن نقرأ ـ مثلاً ـ في القرآن الكريم: (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ) (العنكبوت/ 45)، فالإنسان عندما يصلّي ويستجمع عناصر الصلاة كلّها فيما يقرأ وفيما يركع ويسجد ويجلس ويقوم، فإنّه ينفتح على عالم يشير إليه بأن يكون الإنسان الذي يعيش معنى أخلاقيته، ليمتنع عن كلّ ما يتجاوز الحدود، وليبتعد عن كلّ ما ينكره الله وينكره الناس.

وعندما يصوم الإنسان، فإنّ المراد من الصوم أن يربي الإنسان على التقوى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة/ 183)، فأن تصوم لله وتجسّد عبوديتك له، يعني أن تكون الإنسان الذي يحركه صومه، ليكون الإنسان الذي يراقب عقله، حتى لا يدخل في عقله إلّا الحقّ، ويراقب قلبه حتى لا يدخل في قلبه إلّا الحب، ويراقب حركة جسده حتى لا يتحرك إلّا في الخير، فأن تتقي الله، يساوي أن تعيش مواقعك في الحياة، فلا تقدّم رجلاً ولا تؤخّر أخرى حتى تعلم أنّ في ذلك لله رضا. وبذلك، فإنّ الصوم يقول لك: كن الإنسان المتوازن في أفكاره وعواطفه ومشاعره وحركته، لأنّك كلّما كنت تقيّاً أكثر، كنت متوازناً أكثر، ولأنّ الانحراف عن التقوى، هو انحراف عن خطّ التوازن في الحياة في كلّ ما تفعل وكلّ ما تترك.

ارسال التعليق

Top