• ١٤ نيسان/أبريل ٢٠٢١ | ٢ رمضان ١٤٤٢ هـ
البلاغ

في الأمية التكنولوجية

يحيى اليحياوي

في الأمية التكنولوجية
◄ليس بديهياً بالمرة فصل مسألة الأمّية عن المسألة التكنولوجية أو اعتبارهما مسألتين متقابلتين، متنافرتين. فالأمّية تتغذى من التكنولوجيا إن هي لم تسايرها وتتملّكها، والتكنولوجيا تتقهقر ويصعب توطينها إن هي اعتملت في محيط تسود فيه الأمّية وتتسيّد.

قد تتعايش الأمّية (بكل أشكالها) مع التكنولوجيا (بكل روافدها)، لكنها غالباً ما لا تستطيع المسايرة والمواكبة. والسرّ في ذلك لا يكمن فقط في جانب التوازي الذي يميّز وتيرتهما ويطبع اتجاه سريانهما، ولكن أيضاً في جانب القدرة على التحكم فيهما وضبط آليات اشتغالهما في الزمان والمكان.

وبالتالي، فقد يبدو الحديث في علاقة الأمّية بالتكنولوجيا شبيهاً بالحديث في الشيء وفي نقيضه في الآن نفسه، لا بالنظر إلى اختلال أطراف المعادلة فحسب، بل وكذلك بحكم طبيعة الأطراف نفسها واستحالة استمرارية العلاقة.

لن نروم التحدّث هنا عن تلك العلاقة على خلفية من مبدأ للسببية وارد وكائن، بقدر ما نتغيا تلمّس جوانب من ظاهرة الأمّية "الجديدة"، الأمّية التكنولوجية، التي تُعتبر التكنولوجيا إن لم نقل صانعها فهي على الأقل مكرِّسها ومجذّرها.

والأمّية التكنولوجية التي نقصدها في هذا المقام لا تنحصر في مقدرة الأفراد والجماعات على فك رموز القراءة والكتابة (الأمّية الأبجدية)، ولا في تشغيل وإعادة تشغيل بعض المستجدّات التكنولوجية التي قد لا تتطلب مهارات خاصة لذلك (الأمّية المعرفية)، ولكن نقصد بالأساس تلك الأمّية التي تحول دون إدراك أسرار التكنولوجيا وإدراك الخلفية الثقافية والرمزية التي استنبتتها وكذلك دون تملّكها وتوطينها وتبيئتها.

وعلى هذا الأساس، فالأمّية المقصودة هنا إنما تطال – وإن بدرجات متفاوتة – العارف البسيط بأمور القراءة والكتابة، كما المتمكّن من بعض التقنيات، كما الذي يملك التكوين لكنه لا يملك القابلية أو القدرة على المتابعة والمسايرة.

ولهذا السبب، فإنّ الفرد العادي، كما التقني المتوسط كما المهندس ذي التكوين العام، متساوون أمام العديد من المستجدّات التكنولوجية، يستعملونها أكثر مما يفهمونها، يستوظفونها أكثر ما يدركون كنهها أو يملكون المقدرة على فك ألغازها.

كذلك، فإنّ الأمية التكنولوجية لا تقتصر، في المحصلة النهائية، فقط على الذين يملكون مهارات وخبرات علمية وتقنية محدّدة، لكنهم غالباً ما لا يجددونها أو يلقحونها أو يُعْمِلون مبدأ إعادة التكوين لإغنائها وتزويدها بما استجد من معارف وابتكارات. والعبرة في ذلك إنما تعود إلى مبدأ أن ما يتعلمه الفرد في بداية مشواره أو طيلة فترة نشاطه أو عمله، غالباً ما يتقادم ويفوت، وبحكم الأمر الواقع، في نهاية المشوار أو يمسسه التقادم السريع تحت محك التطور العلمي والتكنولوجي.

ومعنى ذلك أنّ المعارف الضرورية لنشاط الإنسان تتزايد بقوة، والمهارة تتطلب الاستمرار في التعلّم والتكوين، والمثابرة في مواكبة تيارات البحث العلمي وآفاق الإبداع التكنولوجي.

وإذا كانت هذه المهمة هي بالأساس من مسؤولية النخب العلمية والتكنولوجية، أي تلك التي تعمل في حقول العلم والمعرفة بحثاً وتطبيقاً، فإنّ الأمّية التكنولوجية ستكون بالتأكيد من "نصيبها" إن هي تقادمت أو اقتصر نشاطها على مهاراتها الاولى دونما تجديد أو توسيع.

من هنا، فمن غير المجازفة القول بأنّ الأمّية التكنولوجية قد لا تقتصر على "نخب" الجنوب، حيث سُبل البحث العلمي والإبداع التكنولوجي شبه منعدمة وإمكانات المسايرة متعذرة، بل قد يتعداها إلى بعض من نُخب الشمال (حتى وإن توافرت لها تلك السُبُل والإمكانات) إن هي لم تحتكم إلى منظومة من الحيطة التكنولوجية وأنظمة رصد وتتبُّع مُعتبرَيْن.

وبالتالي، فالفارق بين الأمّية التكنولوجية لدى نخب الشمال وتلك التي نلاحظها متفشية بين "نخب" الجنوب هو فارق من حيث المستوى والدرجة والحدة وليست إلّا نسبياً فارقاً في الطبيعة، إذ إنّ الأمّية هذه لا تتأثر جذرياً بالفضاء الذي تعمل فيه أو بالزمن الذي يحكمها.

إلا أن ما يجعل من هذه الأمّية "الفردية" مكمن خطر على الأمن الجماعي هي عندما يبتلى بها صاحب القرار أو صانعه في العالم الثالث، فتراه بالتالي يرهن حاضر بلاده ومستقبلها بقرارات تُؤخذ في معظمها دونما دراسات مستفيضة أو من دون الاحتكام إلى أصحاب الخبرة لاستيضاح التبعات.

لا تنقص الأمثلة المعبِّرة عن ذلك أو يتعذر وجودها في دول العالم الثالث وفي العديد من الدول غيرها: فالجاهل بالأنظمة الرقمية (الأمّية الرقمية) في عالم الاتصالات أو المعلوميات مثلاً، لا يستطيع استيعاب جدوى هذه الأنظمة أو فائدتها أو ضرورة اعتمادها على حساب الأنظمة التشابهية القائمة.

من هنا، فلو كان لصاحب القرار هذا، أعني الجاهل بالمستجدّات المتاحة، أن يضع "دفتر شروط" بغرض اقتناء هذه الأنظمة، فلن يتسنى له ذلك إلا بناء على ما تُروّجه الشركات المنتجة وتسرّبه من معلومات عن فعالية أنظمتها، أو على أساس معايير اخرى – مالية أو زبائنية – قد يكون "دفتر الشروط" في خضمها إجراء شكلياً خالصاً.

وإذا لم يتم استبعاد بنود التكوين والمساعدة الفنية من الدفتر إياه عند اقتناء تلك الأنظمة وتشغيلها، فإنّ هذه البنود غالباً ما تقتصر على الصيانة والمراقبة ونادراً ما تمسّ الجوانب التقنية الدقيقة أو نُظُم البرمجة.

إذا لم يكن الإشكال المطروح أعلاه إشكال أمّية تكنولوجية بامتياز، فما تفسير لجوء العديد من نخب العالم الثالث لاقتناء خدمات اتصالية ومعلوماتية لم يتسنَ لها، حتى في دول المنشأ، تجريبها أو تشغيلها أو التأكد من مدى حاجة المجتمع لتبريرها؟

وإذا لم يخرج الأمر عن كونه أمر أمّية تكنولوجية، فبِمَ نفسِّر تهافت نخب التكنوقراط للحصول على رخص تشغيل الجيل الثالث من الهواتف النقّالة (الموفِّرة للإنترنت بصبيب عالٍ ضمن خدمات أخرى)، في الوقت الذي لا ينفي الهاتف النقّال على مالكه حالة الأمّية التي تميزه؟

لا يقتصر الأمر في هذا الصدد على التكنولوجيا المعقّدة ذات الحمولة المعرفية العالية، بل يتعدّاها إلى التكنولوجيا الأخرى المقتناة لأغراض زراعية أو صناعية أو خدماتية تقليدية... إلخ.

والمقصود هنا القول بأنّ الانبهار التكنولوجي، الذي يميِّز ذهنية النخب التكنوقراطية، غالباً ما يغطي على أمّيتها التكنولوجية وعلى هوسها بالاقتناء... اقتناء كلّ مستجد متوافر دونما أدنى تساؤل عن الفائدة المرجوة من استعماله أو حجم الطلب عليه أو الحاجة إليه.

لسائل أن يسأل: إذا كان ما سبق من أمثلة هو واقع الحال القائم، فكيف لبلد ما أن يواكب التراكمات التكنولوجية إذا لم يعمل على اقتناء ما استجدّ منها ربحاً للوقت ودرءاً لتبذير الجهد والمال؟ أوليس من الأفيد – حتى وإن كان من السابق لأوانه – الحصول على رخص لتوفير خدمات الجيل الثالث من الهاتف النقّال ما دام التوجه السائد هو حتماً في اتجاه اعتماده في المستقبل؟ وهو تساؤل لا يخلو من صواب، إذ لا محيد – في الأمدين القصير والمتوسط – عن اقتناء ما يستجدّ من تكنولوجيا وبرامج، لكن التساؤل هنا لا يتعدى طرح الإشكال مستوى المبدأ، بينما تستدعي الممارسة الملاحظة التساؤل عن شروط "الاقتناء"، اي اقتناء التكنولوجيا كتقنيات واقتنائها أيضاً كمعارف.

ومعنى ذلك، أنّه لو حالت الأمّية دون اختيار النخب في العالم الثالث للأنسب من التكنولوجيا، فهذا لا يشفع لها عدم استقطابها لقدرات وكفاءات شابة يتوافرة لديها التكوين العالي والتخصص الرفيع وتتوفّر على مهارات كافية لوضع مقاييس للمقارنة والاختيار.

ومعناه أيضاً، أنّه لو تعذر على النخب التكنوقراطية، القائمة على الشأن العام على خلفية من الزبائنية والولاء أساساً، أن تتابع بالدقة المطلوبة ما توفّره التكنولوجيا وما يفرضه مستوى النمو، فإن تكوين الكفاءات ومنحها الإمكانات كفيلة بالحيلولة دون ذلك.

ليس ثمة من مجال للمزايدة، في تصورنا، في أنّ الإشكال المطروح إنما هو في جزء كبير من إشكال ثقافي بامتياز. والمقصود بهذا القول بإنّه لو كان من الهيِّن نسبياً "محاربة" الأمّية الأبجدية أو المعلوماتية، فإنّه لن يكون بالمستطاع محاربة الأمّية التكنولوجية بقرار او وفق جدول زمني محدّد.

إنّ الأمّية التكنولوجية أمّية مزمنة ستتوارثها الأجيال، في الشمال كما في الجنوب، طالما سلّمنا بحتمية استمرارية واستدامة البحث العلمي والإبداع التكنولوجي. ومكافحة شتى ضروب الأمّية التكنولوجية إنما تبدأ انطلاقاً من المدرسة، من قدرة هذه الأخيرة على تعليم الأطفال كيفية تحويل المعلومات إلى معارف، والمعارف إلى تكنولوجيا إلى ثقافة...

وهكذا، ستبقى الأمّية التكنولوجية حافزاً على البحث العلمي والتطوّر التكنولوجي طالما تمّ الوعي بها كظاهرة متحركة وليس كمعطى ثابت.►

 

المصدر: كتاب أوراق في التكنولوجيا والإعلام والديمقراطية

ارسال التعليق

Top