• ٢٢ تشرين أول/أكتوبر ٢٠٢٠ | ٥ ربيع الأول ١٤٤٢ هـ
البلاغ

من أجل تكوين عادة القراءة

محمد عدنان سالم

من أجل تكوين عادة القراءة

◄عزيزي القارئ.. لماذا لا نبدأ بتكوين عادة القراءة منذ الطفولة، ونتعهدها بالرعاية والصيانة والحماية، حتى لا تعتل، ولا يكسوها الصدأ؟ فننعم في ظلال المجتمع القارئ، وتعلو عندنا قيمة الفكر والكتاب، ويزخر مجتمعنا بالمناظرات الأدبية، والمحاورات الفكرية، والندوات العلمية، ويصبح الكتاب لدينا متداولاً غير مهمل، وتصبح أحاديث الناس في لقاءاتهم وسهراتهم وأوقاتهم فراغهم وسمرهم؛ عن الأفكار الجديدة، والنظريات الجديدة، والكتب الجديدة، والقصائد الجديدة، ينشدها بعضهم لبعض، يحتدم النقاش حولها تارة، ويهدأ أخرى، مرتاحاً إلى روعة قصة لكاتب، ونصاعة فكرة لمؤلف، وحداثة نظرية لعالم، ورهافة أحاسيس قصيدة لشاعر.

كم هو رائع هذا المجتمع القارئ! أتخيله مجتمعاً مواراً بالحركة والنمو والإبداع؛ يرصد حركة الأدب والفن والأفكار، يوجهها، يقوِّمها، ينمِّيها، يصقلها، يرتفع بها عن الإسفاف والاجترار..

إنّه يشجع أدباءه، مفكريه، علماءه، ويأخذ بيدهم إلى مزيد من العطاء، بل إنّه لقادر على أن يبعثهم من الموت، وأن يخلقهم من العدم.

إنّه التربة الخصبة الغنية القادرة على إنبات الأفكار.. إنّه المناخ الصافي الملائم للنماء والإبداع.. إنني أعشقه.. أتوق إلى استنشاق عبيره.. أرنو إلى تفيؤ ظلاله الوارفة.. أحلم بالعيش في جنانه.. كم يهزني منظر أبوين يصطحبان طفلهما إلى (مكتبة) ليختار منها (كتابه)! كم يستهويني مشهد شاب في حافلة مكب على (كتاب) يلتهم صفحاته غير ملتفت إلى مغريات الطريق أو منفراته! كم يثير مشاعري ملتقى شباب يتبادلون أطراف الحديث حول فكرة قرأها أحدهم في (كتاب جديد)! كم أشعر بالسمو عندما أرى الشباب المثقف يترفع حتى في سمره ولهوه وترفيهه إلى مستوى الفن والأدب الرفيع.. لا أريد لهذه الصورة الحالمة أن تهتز بمشاهد هابطة من مجتمع عازف عن القراءة، يتحدث بلغة بطنه، وشهوة جسده، وأدوات لهوه، ووسائل عبثه، وسلع استهلاكه، فذاك قيعان مجدبة لا تمسك ماءً ولا تنبت كلأ، بل هو مقبرة لدفن الملكات، تغص بالأموات.

إنّ باستطاعة أي مجتمع أن يحول الحلم إلى حقيقة، وأن يكّون (مجتمع القراءة)؛ إذا تضافرت جهود أبنائه ومؤسساته، وقام كلّ منها بدوره، وتعاونت على أداء واجبها الأوّل والكبير.

 

دور البيت في تكوين عادة القراءة:

إنّ لجو الأسرة دوراً أساسياً في تهيئة الطفل لتعلم القراءة، وتعويده عليها، فإذا نشأ الطفل في جوٍّ لا يكترث بالقراءة، فلا أبوان يقرآن، ولا تقع عين الطفل في البيت على مجلة ولا كتاب، فكيف سيتعلم القراءة؟ وأنى له أن يحبها؟!

إنّ الأبوين القارئين يساعدان أولادهما على حبِّ القراءة، ويوفران لهم في مكتبة المنزل السلاسل الملائمة لمراحل نموهم، ويوجهانهم للعناية بالكتاب، ويخلقان فيهم الرغبة في اقتنائه، ويشجعانهم على توفير جزء من مصروفاتهم لشرائه، ويناقشانهم في مقروءاتهم موجهَيْن وناصحَيْن وناقدَيْن، كي يعلماهم القراءة الناقدة.

 

دور المدرسة:

وللمعلم دوره البارز في تشجيع الناشئة على القراءة، فهو المثال الحي والقدوة الصالحة لهم، يقتدون به في محبته للقراءة فهو يلفت نظرهم إلى المراجع التي تزيد من معارفهم، ويثير لديهم الرغبة في الاستزادة من البحث والتنقيب، ويعلِّمهم منهجيته التي تقوم على عدم التسليم بالرأي السائد قبل معرفة الرأي الآخر، ويحبب إليهم ارتياد المكتبات، والمطالعة فيها، ويعودهم على اختيار مقروءاتهم بأنفسهم، حتى يفتح أمامهم آفاق المعرفة.

وتلعب مكتبة المدرسة دوراً كبيراً يسهم في تنمية عادة القراءة لدى الناشئة.

 

دور المجتمع:

وللمجتمع دوره الكبير الكبير

فنشاط المراكز الثقافية والمكتبات العامة، وأساليبها المشوقة لها أثر كبير في جذب القراء. وإذا كانت بعض المكتبات العامة تتبع أنظمة صارمة لا تغري القارئ بإطالة المكث فيها للتنقيب عن كنوزها، فإن هنالك قيمين ناجحين في مكتبات أخرى يبذلون جهودهم لاجتذاب الشبان وإغرائهم بالمطالعة.

 

معارض الكتاب:

من أساليب ترويج الكتب، وتشجيع الناس على القراءة، وتعويدهم على المطالعة إقامة معارض الكتاب، على المستوى المحلي أو الوطني أو الدولي.

ومن أبرز أهداف معارض الكتاب، بالإضافة إلى تعريف الجمهور بالجديد من الكتب، وتيسيره لهم، استدراج زوار ليسوا من رواد متاجر الكتب، ولم يعتادوا شراء الكتب وقراءتها بصورة منتظمة، من مختلف الأعمار، ومن سائر الشرائح الاجتماعية والمجموعات الاقتصادية.

ومن الأسماء التي أطلقت على بعض المعارض: حباً بالكتاب (في كندا)، مهرجان الكتاب (في سنغافورة)، أسبوع الكتاب (في أستراليا).

ومن الأساليب التي استخدمت في هذه المعارض:

1-    تنظيم رحلات طلابية منتظمة تضم الطلاب والأساتذة.

2-    دعوة المؤسسات الثقافية والهيئات المعنية بالكتاب في جميع الإدارات والوزارات.

3-    خلق حدث يشد الانتباه إلى الكتاب والمؤلف والناشر.

4-    إصدار نشرة عن (عالم الكتاب) تشرح النشاطات الثقافية المختلفة، وتوزع بالمجان.

5-    توزيع شارة للمعرض على الزوّار، تخول حاملها بعض الامتيازات، مثل المشاركة في: مباريات ثقافية، ومساجلات شعرية، ومسابقات لكتابة القصص، وللرسم.

6-    الإعلام في الصحف والإذاعة والتليفزيون.

7-    قيام شخص يرتدي زيّاً خاصاً لافتاً للنظر، بالتجوال في المدينة في سيارة مكشوفة، وهو يمثل دور (القارئ النهم) أو (ملتهم الكتب)، وذلك من أجل إثارة انتباه الجماهير، ودعوتها لزيارة المعرض، وبثِّ روح الحياة والحركة فيه.

 

جهود أخرى لتنمية عادة القراءة:

تتضافر جهود المربين والمهتمين بشؤون الثقافة، وتتنوع أساليبهم من أجل تنمية عادة القراءة لدى الأجيال الناشئة.

فمن ذلك إقامة حفلات أو أسواق، يقوم المؤلفون فيها بالتوقيع على نسخ الكتب المبيعة.

وتقديم التسهيلات لإيصال الكتاب إلى طالبه في المدن البعيدة والقرى النائية بوساطة البريد، أو المكتبات المتنقلة في سيارات تقوم برحلات منتظمة.

وبث مندوبي المبيعات لزيارة الناس في بيوتهم ومكاتبهم، وتقديم المشورة لهم من أجل تزويد مكتباتهم الخاصة بالكتب الجديدة وبالمراجع الهامة، وتقديم التسهيلات لهم لاقتنائها.

وإقامة المسابقات بين الأطفال لتشجيعهم على كتابة القصص، ومنح جوائز للقصص الفائزة ونشرها.

وتأسيس نوادي الكتب، ومنح المنتسبين إليهم امتيازات وتسهيلات خاصة.

أما الصحافة والإذاعة والتليفزيون وكلّ وسائل الإعلام، فبإمكانها أن تلعب دوراً كبيراً في الحثِّ على القراءة، وذلك عن طريق التعريف بالكتاب، وعقد الندوات لمناقشته، وإقامة حوارات بين مفكرين يضيئون محاسن بعض الكتب، ويلمحون إلى سيئاتها وهناتها، فيحفزون الناس على مطالعتها، ويثيرون عندهم الرغبة في الاطلاع عليها. ومن الخطأ البيِّن أن نتهم وسائل الإعلام بأنها عدوة للمطالعة والكتاب، إذ يكفي أن نتأمل أرقام بيع رواية قام التليفزيون بعرضها لنرى مدى تأثير وسائل الإعلام الحافز على القراءة.

وللأقران المحبين للقراءة، الذين يحرصون على شراء الكتب، ويحثون أقرانهم على شرائها، ويتبادلونها بينهم، أثر كبير:

عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه *** فكل قرين بالمقارن يقتدي

 

المصدر: كتاب القراءة أوّلاً...

ارسال التعليق

Top