• ٢٦ تشرين ثاني/نوفمبر ٢٠٢٠ | ١٠ ربيع الثاني ١٤٤٢ هـ
البلاغ

يوم ماطر

نجاة غفران

يوم ماطر
أيقظها زوجها في الرابعة صباحاً، قال إنّ الصغير يبكي ويطلبها، جرت حافية القدمين إلى الغرفة المجاورة وأخذت ولدها في حضنها، تعلّق بها وسأل وهو يرتجف: "ما هذه الضوضاء؟ أنا مرعوب، ما هذه الأضواء؟"، اخترق صوت صفير الرياح وتساقط الأمطار جدران المنزل، غطت الصغير جيِّداً ونامت جنبه، ظل يرتجف كعصفور صغير، ولم يستطع أن يُغمض جفنه لحظة واحدة. قامت تحضر الإفطار في ساعات الصباح الأولى، وتبعها ولدها، لم تتوقف الأمطار العاصفة عن الهطول، أزاحت ستار النافذة وتطلعت بذعر إلى المنظر المخيف في الخارج، صناديق النفايات مرمية وسط الشارع، والمجاري مسدودة، والمياه المحملة بالأزبال والنفايات تغمر الطرقات، وأغصان الأشجار مكسورة وإحداها مجتثة من جذورها ومرمية على عمود الكهرباء الذي لم يتحمل ثقلها، واعوج بشكل خطير. "ماما، أنا خائف، ماذا سيحدث لنا؟". عانقت صغيرها، وشخط فيه والده وهو يدخل: "متى ستصبح رجلا؟" وضع خبز الفطور الساخن الذي أحضره للتو على المائدة. لم تشأ أن تجادله، لا فائدة من ذلك في كل الأحوال. تحلق الثلاثة حول الفطور بصمت. "اليوم موعد اجتماع الإدارة الشهري، ما الذي ستتحفنا به حفيظة يا ترى؟" تساءلت محاولة تلطيف الأجواء، مزاج زوجها عكر، كعادته أغلب الوقت، لم يبد أنّه استمع إليها، ولدها يتناول شطيرته بصعوبة، ويحبس دموعا تشعر بها دون أن تراها، المسكين، لا يريد الذهاب إلى الروض ولا يستطيع أن يقول شيئاً أمام والده. زمرت حافلته أمام الدار، وهبت تساعده ليقوم، تمسك بها عند العتبة وبكى: "لا أريد الخروج، أنا خائف". عانقته بشدة ودفعته بلطف أمامها، لا خيار لديها، لا يوجد من يبقى برفقته في البيت، أحكمت تزرير معطفه، وسلمته إلى مسؤولة الحافلة، قد يكون والده محقا، قلب الصغير رهيف أكثر مما ينبغي. تطلعت إلى السماء المكفهرة، وشيعت الحافلة بحزن، ناداها زوجها بنفاد صبر وأسرعت تجهز حالها وعينها على الساعة، حفيظة لا تتساهل في مسألة التأخر، استقلا السيارة، وحملقت غير مصدقة في الفوضى التي أحدثتها العاصفة المطيرة، طرقات تفيض بالمياه، وأزبال تطفو في كل مكان، وجدران مهدمة، وقطع قرميد مكسرة، وأسلاك مقطوعة، ومارة عالقون وسط المياه. أوقف السيارة قريبا من باب الوكالة، لم تغمر المياه سوى جزء بسيط من الدرج المؤدي إليها، استطاعت الوصول إلى مكتبها بسلامة، اندهشت لخلو المكان من زملائها. "قررت المديرة إجراء الاجتماع في المقهى المجاور" أخبرها الساعي ببرود وهزت رأسها غير مصدقة وهي تتفقد الأوراق التي ستأخذها معها. منذ أن سلمت إدارة الوكالة الإشهارية إلى حفيظة. وكل شيء يسير بالمقلوب في كل المكاتب، الموظفون الشباب ينجزون التقارير الدقيقة، وزملاؤهم المتقدمون في السن يراجعون ما كتبوه، والمديرة تطوف مع الساعي على المكاتب، وحارس المبنى يلتحق بالإدارة لتقديم تقريره حول الحضور اليومي للموظفين، فوضى ما بعدها فوضى. أسرعت للالتحاق بزملائها في المقهى، نظرت حفيظة لساعتها بامتعاض، وأشارت إليها لتجلس، ودوّنت شيئاً في المذكرة التي تضعها أمامها. فطائر المقهى كانت شهية، فسحة الاجتماع القصيرة كانت فرصة ليعرفوا سبب تعلق المديرة بالمقهى الذي دأبت على التردد عليه منذ أن التحقت بالوكالة: "قهوتهم غير مغشوشة، وساعيهم لا يدس أنفه في شؤون غيره، وصندوق نفاياتهم أنيق ومليء بالصحف والمجلات، تستطيعون إلقاء نظرة عليه أن شئتم، بعض الثقافة لن يؤذيكم". عملت بنصيحتها، وتناولت مجلة تعود لبداية الصيف. وقفت في مدخل المقهى تتصفحها وتترقب انخفاض حدة الأمطار التي عاودت الهطول في نهاية الاجتماع. فتحت حفيظة مظلتها، وجرت تحت السيول، وتبعها بعض من خُطّاب ودّها. لم تجد في نفسها ما يكفي من الجرأة واللامبالاة بالبلل لكي تحذو حذو زملائها، فكرت في طفلها، واعتصر الألم قلبها وهي تتصوره خائفاً مرتعباً في الروض. فكرت في زوجها، ولم يتحرك شيء داخلها. قلبت أوراق المجلة بشرود، وأحست بوحدة أليمة.

ارسال التعليق

Top