قد تكوّن قصيدة بدر شاكر السيّاب «في المغرب العربي» ،[1] من بين أهم قصائده دلالة و قيمة. " إنّها في جميع الأحوال قصيدة مميزة تشكّل علامة فارقة في مسيرته الإبداعية نظراً لما إتّسمت به من بناء متوازن و متماسك الى حدّ بعيد، و من إرتياد لطرق في التعبير و من محاولة تجديد في الإيقاع لا تخلو من جرأة و مغامرة ـ هي تتناول نضال العرب في الجزائر و شمال أفريقيا من أجل إستقلالهم و تحرّرهم و نهضتهم، معبّرة عن الإلتزام السياسي القومي في مسيرة الشاعر الفكرية والإبداعية"[2].و تتّضح من ذلك أنّ قصيدة «في المغرب العربي» في نطاق الإلتزام القومي العربي، و قد نظّمها السيّاب عام 1956، و نشرها في مجلة الآداب في عدد آذار من العام نفسه و فيها تجاوب حي عميق بين الشاعر و الإنتفاضات العربية التحرّرية في شمالي أفريقيا، في تونس و المغرب و الجزائر، و في كلّ بقعة عربية أخرى. فضلاً عن تجاوبه مع الفكر القومي العربي، و شعاراته الإيديولوجية الحديثة التي أخذت تنتشر في الأقطار العربية المختلفة، و مع التراث العربي و الأمجاد العربية و تاريخ العرب القومي و الحضاري[3]:قرأت إسمي على صخرةعلى آجرة حمراء،على قبر فكيف يحسّ إنسان يرى قبره؟يراه و إنه ليحار فيه:أحي هو أم ميّت؟ فما يكفيهأن يرى ظلاله على الرّمالكمئذنة معفّرةكمقبرةكمجد زالكمئذنة ترّدد فوقها إسمُ اللهو خط اسمٌ له فيها[4]من هذا المطلع، يتّضح أن السيّاب في هذه القصيدة و بلسان الإنسان العربي، يهدف إلى التعبير عن شخصية الأمّة و تاريخها و واقعها و تطلّعاتها. فلقد كان لأمّة العرب حضورٌ في ما غير من الزمان على إمتداد إمبراطورية واسعة الأرجاء شملت من بين ما شملته بلاد المغرب العربي في شمالي افريقيا، و تجلّي حضورها دولاً و مؤسسات و لغة و ثقافةً، و ديناً و منشآت، و تراثاً عربياً غنياً بالفكر والأدب و الفن و العلوم، و حضارة إنسانية شامخة ماتزال آثارها قائمة في بلاد المغرب العربي[5]. و لقد إنطلق الشاعر من ظاهرة صغيرة جدا، من كتابة منقوشة في وحشة الصحراء على آجرة حمراء عند بقايا قبر. هذا الشئ الصغير فتح بابا عريضاً أمام السيّاب على مدى آفاق شاسعة من تاريخ الأمة العربية و قضاياها و جوهر وجودها ماضياً و حاضراً و مستقبلاً و كان مفتاحه حيرة إستبدلت به أمام إسمه المنقوش على حجارة القبر. فهو من جبهة يرى قبره بعينه، و اسمه و تاريخ وفاته، مما يوحي إليه بأنه حيّ ، فيتساءل «أحيّ هو أم ميت»؟ و كأنه في غمرة هذا الإرتياب، يريد أن يطرح السؤال الجوهري على أمّته من خلال ذاته: «أحيّة هي أم ميّتة» فالإسم المنقوش على آجرة القبر هو في الحقيقة إسم الأمة العربية، و القبر هو ماضيها و أمجادها التاريخية فالسيّاب لا يكفيه أن يكون له ـ و بالتالي لأمته ظلّ وجود، و إنّما هو يريد له و لها وجوداً حقيقياً حياً فاعلاً، لذلك نراه كمقبره ... كمجد زال... كمئذنة تردّد فوقها إسم الله . ... و خطّ إسم لها فيها. لأنّ ذلك هو مثابة ظلّ للوجود، و ليس وجدوا حقيقيأ، رغم أن المئذنة ترمز بشموخها إلى شموخ ذلك الماضي، و في أعلى الشموخ تردّد من قبل اسم الله الذي يرمز الى العظمة و القدرة والقداسة و روعة الخلق و الإبداع، و الى قيم الخير والحق والجمال و سوى ذلك ما يترجم على الصعيد البشري تراثاً حضارياً:و كان محمّد نقشاً على آجرّة خضراءيزهو في أعاليها...فأمسى تأكل الغبراءوالنيّران من معناهو يركله الغزاة بلا حذاءبلا قدمو تنزف منه دون دمجراحٌ دونما ألمفقد مات ...و متنا فيه، من موتى و من أحياء.فنحن جميعنا أمواتأنا و محمّد و اللهو هذا قبرنا: أنقاض مئذنة معفّرهعليها يكتب إسم محمّد و اللهعلى كسر مبعثرةمن الآجر و الفخّار[6]و قد يبدو من المستغرب ـ أوّل الامر ـ أن تعلو هذه النغمة الألوهية و الإنسانية في قصيدة السياب التي تتحدّث عن النضال العربي أوعن الأوضاع العربية عامة، و لكن حسب إعتقاد الناقد و أبحاث الدكتور إحسان عباس؛ بأنّ هذه القصيدة (المغرب العربي) و خصوصاً هذا المقطع يؤكد الحقيقة نفسها بأنّ هذه الظاهرة الألوهية و الإنسانية في شعر السيّاب كانت ذات دلالة عكسية نعني أنّها قول على الألم الدفين لإندحار الإنسان و ما يؤمن به من مثل دينية. و تفسيراً لهذا الأمر الذي يبدو محيّدا نقول أنّ الناس الذين يتحدث عنهم الشاعر في هذه الفقرة ينقسمون في ثلاث فئات ؛لا في فئتين قوية و ضعيفة): فئة الغزاة الذين يؤمنون بآلهة جديدة تحمل أسماء «فحم» و «حديد» و ما أشبه، و هم الذين يولّهون قولهم تحت أسماء ترمز الى تلك القوة، و هؤلاء هم الذين يسلّطون «طائر الحديد» ليرمي الحضارة بحجارة من سجيّل، و قد سمّوا أحياناً «التتر» و أحيانا أخرى «الصليبين» و هم يعودون في تاريخ الإنسانية تحت أسماء مختلفة، و قد ظهروا في المغرب العربي يحطّمون و يقتلون، كما تدفّقوا تحت اسم «الصهايّنة» إلى المشرق العربي كطوفان من الظلام. و الفئة الثانية هم الثائرون الذين مايزال إلهم فيهم يحمل في مقدمتهم راية الثورة، إلهم العربي رمز الحياة و القوة و تحطّم على أيدي أولئك الثوّار ما عداه من إلهة كانت تعبد لأنّها ترجى أو تخشى. و أما الفئة الثالثة فهي جماعة المغلوبين والمستسلمين إلى سبات عميق، و هؤلاء هم جميع الشعوب العربية، كما يصفه الشاعر و هم سكان القبور التي لا تثور ـ و ربّما أنّ هؤلاء موتى، لهذا مات محمّد فيهم كما إندثرت معاني الألوهية بينهم[7].و لكن التراث الحضاري العربي، و شخصية الأمة العربية، و أمجادها ، لها قلب ينبض و يبثّ فيها حرارة الحياة هو النبي محمّد فمن اسم الله في أعالي المئذنة، كان إسم محمّد منقوشاً على آجرة خضراء «يزهو في أعاليها» و ليس محمّد على المستوى القومي عند العرب نبياً فحسب، مبشراً بالإسلام، و ناظراً لتعاليمه. و إنما هو إنسان عربي، و قيمة عربية فاعلة، و ذروة في عطاء هذه الأمة، و إبداعها. و بقدر ما هو عنصر روحي إصطفته الإرادة الإلهية ليكون رسول الله إلى العالمين، هو أيضاً عنصر قومي عربي، و حصيلة إنسانية و حضارية في تاريخ الأمة لذلك إقترن إسمها بإسمه، ما اقترن اسمه باسم الله، و شاع بين العرب اسم محمّد تدعو به أبناءها تيمناً و تقديساً و تخليداً لرمز حضارتها و وجودها القومي. لكن الزّمان قد إنقلب في الحاضر الراهن و انقلبت معيارالمقاييس و القيم، فغدا المجد العربي عرضة للعبث و المهانة. «تأكل الغبراء والنيران من معناه، و يركله الغزاة بلا حذاء، بلا قدم» . و «تنزف منه دون دم، جراح دونما ألم». إزاء ذلك يشعر السيّاب بموت هذا المجد في عناصره الثلاثة المتلازمة: الإنسان العربي، و العبقرية العربية التي أضحى محمّد رمزاً لها، والقيم الخلّاقة المبدعة خيراً و حقاً و جمالاً و قداسةً و عظمة و المتمثّلة في اسم الله.فيعبّر عن هذا الشعور بقوله «فنحن جميعنا أموات؛ أنا، و محمّد والله». غير أنه يستدرك بعد ذلك أن ما يراه من موت ليس حقيقياً، فالأمة التي صنعت ماضي العرب و تاريخهم و أمجادهم لا يمكن أن تموت. فهي منذ أيام أبرهة الأشرم و مهاجمته الكعبة قبل ظهور الاسلام ، في صراع قومي ضد الموت و الفناء. فمنذ ذلك الحين قد أخذت تدرك وجودها القومي، و تتصرّف بوحي منه، في مواقفها الحرجة، و ظروفها التاريخية المتأزّمة لتخرج بفضله منتصرةً على ما يحيط بها من الأخطار. هكذا فعلت في عام المقبل يوم تصدّت لأبرهه الأشرم و جنوده و أفياله، و ردتهم عن الكعبة رمز كرامتها و وجودها و قيمها، و هكذا فعلت يوم ذي قار، و في كل فترة من فترات التاريخ التي تألّق فيها مجد العرب، فكانت ثورة دائمة في سبيل الحق و الكرامة والقيم الانسانية العليا.[8]و من الجدير بالذّكر إن يأس الشاعر في المرحلة التموزية لم يكن يأساً من الحياة أينما كان يأسا من الثورة و من مخاضها، إنّه يأسٌ من تغيير حالة القهر التي كان يعيشها العرب. و كذلك الشاعر يحسّ بأنّ كل شيء كان في عدد الأموات ... الشعب ... التراث ... الدين. فيكف إذن يمكن تغيير الواقع؟ يمكن أن نجيب على هذا السؤال ؛ بأنّ الثورة معجزة، لأنّ حدوثها لا يمكن أن يتمّ على أيدي الموتى. لكنّ هذا اليأس من الحياة في المرحلة الذاتية يقود الشاعر إلى طلب الموت.[9]"والمغرب العربي هي من أوّل القصائد التي تصوّر الشاعر فيها، تصوّر إنساناً ميتاً و لكنّه حين إستيقظ رأى قبره، و هذا رمز الإنسان الشرقي العربي الذي تحطّمت حضارته (رمزها) المئذنة التي كان قد كتب عليها إسم الله و محمّد و إندثرت، و أخذ الغزاة الحفاة (لأنه لا حضارة لهم) يركلون ذلك الحطام بأقدامهم دون أي إهتمام بقداسة تلك الرموز الحضارية، و على مقربة من قبر هذا الميت العائد كان هناك قبر جده الذي صنع تلك الحضارة، و صوته ينبعث من وراء القبر"[10].و يستعيد المقطع الثاني، المطلع الأول ليعود من خلال ذلك إلى مبتدأ القول، إنّما متصلا بما إنتهى اليه من رجوع الى الماضي و التاريخ يذكر بأوضاع مماثلة لتلك المأسويّة الراهنة. لذلك تتقدّم الوعي بهذه المأسوية و قد أضحى تاريخيا الدّالة ليستقرئها في بعديها الحاضر و الماضي عبد القبر، الصورة الرمزيّة. عليها و قد أصبح قبرين نظراً إلى ما يمثّله الإندحار من تقريب بين الأمس و اليوم، على الرغم من الفاصل الزمني المديد بينها. و لمّا كان القبر الأول تجيسماً لإنهيار الحضارة العربية الاسلامية في المغرب العربي اليوم و لتهشيم الكيان الوجودي بأبعاده المتعددة لشعبه كما أتيحت معاينته أعلاه، فإنّ القبر الثاني تجسيمٌ لما تعرّض له هذا الكيان و تلك الحضارة تاريخياً من مآس و نكبات. فهما رغم التباعد الزمني يجتمعان في الإنهيار المأسويّ الذي يتجسّم في حفرة تضمّها معاً: الماضي المتمثّل بجد الأب و الحاضر المتمثّل بالمتكلم، حيث لا يعدو الجد أن يكون رملاً و نثارة سوداء دلالة على الخراب و الدمار الذي أصاب ذلك الماضي، و حيث يتقدّم المتكلم إبناً له في هلاكه و تفتّته، فتلتحق صورته طينا يابسا بصورة الجد رمادا رمليا اسود لتولفا سلاله من الهزائم و الإنكسارات تجد في الحفرة اللّحديّة الجامعة قبرا جماعياً تاريخياً يرمز إلى ذلّها و إنطماسها، و لتسعيد معاً صورحطام الآجر و الفخّار لأنقاض المئذنة المعفّرة، رمز الإنهيار الحضاري كما تبدي في المقطع الاول.لكن الصورتين المذكورتين لا تحيلان على هذا الحطام و حسب، بل تحيلان أيضاً على ذلك الموت المزدوج الذي أثار قلق و حيرة المتكلم في البداية، ذلك أنّ المأسوية التي ظهرت هناك في موت لا معقول يضاف إلى موت فجائعي متّخذة من الإنهيار الحضاري منطلقها، تجد هنا في ما آلت إليه القرابة الدّمويّة، أساس العصبية القبلية و واحدة من أبرز مقومات السلطة العربية الاسلامية، تعبيرها المميّز حيث يماثل طرفاها الجدّ الأكبر وسيلة الأصغر في الموت والإنهدام. هكذا يعي المتكلّم وضعه الراهن : موتاً ذاتياً و جماعياً سلاليّاً و عرقياًً و تاريخياً في الوقت نفسه، يعلنه اسمه المكتوب على القبرين المجتمعين في حفرة البؤس والإنحطاط و الإنكسار.[11] و يربط الشاعر بين السلف؛ أمة العرب و بين الخلف، فالاسم الذي قرأه على صخرة القبر إنّما قرأه في الحقيقة على قبرين: قبرٌ لجد أبيه الذي مازال يحنّ إليه، و الذي لم يبق منه سوى «محض رمال» و «محض نثارة سوداء». و به تتمثّل معنويات القوم و روابطهم التاريخية، و قيمهم الإنسانية، و قبره هو، بما يمثّله من موت حضاري، و ضعف و تفلّك، و واقع متصدّع منهار، و بقايا نبض و تحرك و تطلع إلى الحياة مما إعتبره الشاعر ظلاً للوجود، و تساءل بسببه عمّا إذا كان حياً أم ميّتاً. و كأنه يريد أن يجعل من الحياة العربية العصرية في بعض وجوهها على الأقل إمتداداً لتلك الحياة السالفة، و إستمراراً لحركتها و تفجّرها و إندافاعها[12]:و كان يطوف من جديّ مع المدّهتاف يملأ الشطآن «يا ودياننا ثوري».و يا هذا الدم الباقي على الاجياليا إرث الجماهيرتشظّ الآن و اسحق هذه الأغلالوكالزلزالهزّ النير، او فأسحقه، و أستحقنا مع النير»و كان إلهُنا يختالبين عصائب الأبطالمن زند الى زندو من بند الى بند[13]ففي المقطع الثالث حديث المتكلم عن جده، فيظهر أنّ هذا الأخير ليس نثارة رمل و رماد فقط، ما أوحي المقطع الثاني بذلك، فما خلّفه الأسلاف إلى الأجيال اللاحقة ليس هزائمهم وإنكساراتهم و حسب، بل، و هذا هو الأهم، نضالهم في وجه الإستعباد وثورتهم على القهر و الإستغلال كما يدلّ على ذلك هتاف الجد يستصرخ الأرض و يستحدث سلالة المناضلين من الشعب لتحطيم ما يكبّلهم والتضحية بالذات و حتى بالجميع في سبيل ذلك إن اقتضى الأمر و كما يتّضح البعد الرمزي لله في هذا المقطع، فهو هنا جزء لا تجتزأ من هؤلاء المناضلين في سبيل الحرية و من مآثرهم و إنجازاتهم على هذا الطريق. كان موته هوالآخر الملاحظ آنفاً لم يكن و كما حال الجدّ و الأسلاف، إلا نتيجة إنغماسه في هذا الكفاح التحريري ضمن هذا المنظور لا يعود الله ذلك المفهوم الديني التقلييدي الغيبي المتعارف عليه، إنّما يتقدم كمفهوم جديد إنساني حضاري أنّه و رمز الإنسان العربي حضارته التّليدة الراقية و كفاح من أجل القيم النبيلة كالحرية و العدل ...يزهو إنتصاراته و يكبو بهزائمه.[14]" فقد حقق هذا الجدّ إنتصارات في ذي قار، ولكن أبناء إنقسموا فريقين، فريق حمل راية الثورة في جبال الريف و فريق عرف عار الهزيمة في يافا ترى ما الذي حطم هذه الحضارة؟ إنها غارات الجراد من التتر و الصليبين و هما سيّان، فلمّا إندحر الصليبيون بالأمس جاء و اليوم ينتقمون لأنفسهم من قوتنا و إنتصارنا و إنتصار إلهنا؛ و هكذا إرتبط الماضي و الحاضر بإرتباط قبرين (كهفين متجاوزين يعيش فيها الجدّ و حفيده)"[15]."و من ثنيات الماضي عبر المراحل التاريخية المتعاقبة كان ينبعث الشاعر الهتاف من غبار الأجداد، فيطوف مع مدّ البحار لميلأ الشطآن بدوية، منادياً كلّ أرض عربية لأن تثور، مخاطباً «هذا الدم الباقي على الأجيال إرثاً للجماهير» داعياً إيّاه لأن يتشظّى و ينقضّ على الأغلال التي تكبّل الأمة العربية فيسحقها و يسحق معها الإستعمار والذل والعبودية، و إذا إقتضى ذلك أن يسحق جيلاً من أجيال الامة ، كي يحرّرها، فلا بأس بسحق الجيل الحالي ، ليكون له شرف الفداء و كأنّنا بالشاعر، حين يشير إلى هذا الهتاف الداعي إلى الثورة و يركّز عليه و يبرزه، يبارك في الإرث العربي هذه النزعة الدائمة إلى التحرر، و إلى تحطيم القيود و الإنحلال، و محافظة على الإستقلال و الحياة الكريمة و كرامة الأمة و كيانها و حقوقها، و ترسيخاً لوجودها في أرضها، و حضورها بين الأمم العريقة في الحضارة والقيم الإنسانية. ناهيك بدعوة الأمة العربية في المغرب العربي و في فلسطين، و كل قطر من أقطار العرب، إلى معمودية الثورة ليتجلى الدم العربي و الإرث العربي رائعين مباركين كما تجلّيا من قبل في يوم ذي قار حيث دارت حرب بين العرب و الفرس لأسباب قومية، فإنتصر العرب على الفرس رغم ما كان للأمة الفارسية يومذاك من قوة و عظمة و سيطرة و مجد. ولاغرابة فالحق هو الذي ينتصر دائماً مهما يتألب عليه من قوى الباطل في جيوش المغتصبين و المستعمرين. ان الإله العربي الذي كان يختال على مر التاريخ بين عصائب الأبطال «من زند إلى زند، و من بند إلى بند» هو نفسه إلى الكعبة الجبّار، الذي نصر العرب في ذي قار، و إله الأمة العربيه في نضالها القديم و نضالها الحديث"[16]:إله الكعبة الجبارتدرّع أمس في ذي قاربدرع من دم النعمان في حافاتها آثارإله محمّد و إله آبائي من العرب،تراءى في جبال الريف يحمل راية الثوارو في يافا رآه القوم يبكي في بقايا دارو أبصرناه يهبطُ أرضنا يوماً من السُّحُب:جريحاً كان في أحيائنا يمشي و يستجدي،فلم تضمدُ له جرحاًولا ضحيّله منّا الخبز والأنعام من عبد[17]!" تلك هي الصورة العامّة التي تتمثّل للألوهية في قصائد هذه الفترة و مع أننا لا نفي الجرأة التي صاحبت التعبيرهنا، كما لا ننفي إيمان الشاعر بأنّ إله كل قوم يكون على شاكلتهم، فإننا نرى أنّ الدافع لهذا التصوّر إنّما يمثّل غيرة دينية على ما أصاب الشعوب العربية و الإسلامية من ضعف شديد، و لهذا ذهب في تيار هذه الغيرة المقترنة بروح الثورة بطلب أن يعيد العرب ـ كما أعاد عرب المغرب فيهم ـ محمّد و الاله العربي"[18].و في المقطع الرابع يكتمل معنى الله فيه إستكمالاً و تحقيقاً و تمثيلاً صريحاً لما إنتهى إليه و ثمّ الايحاء به في المقطع السابق، في أوضاع ثلاثة؛ فارساً قاتل في ذي قار، و ثائراً يناضل في جبال الريف، و مهزوماً في يافا يلجأ جريحأ إلى البلاد العربية. في الأول يجري إستلهام التاريخ القديم في بعض وقائعه التي إنتصر العرب فيها على الفرس في ذي قار أوائل القرن السابع قبل بدء الدعوة الالإسلامية.و إعتماد الرمز التاريخي هنا يتعدى الاشارة إلى إنتصار العسكري فهذا الإنتصار لقيم معطيات المختلفة التي واكبته هو إنتصار للقيم العربية من وفاد و شجاعة و كرامة و تآزر و حسن تخطيط و تدبير... على صفات الغدر و ظلم والإستبداد التي واجهتها. تأتي صورة الله هنا للإيحاء بهذه الدلالة و للتأكيد على قدرات العربيّ الفريدة التي تمكّنه من الإنتصار على عدو يفوقه قوة و عدداً و عتاداً.و هكذا فإنّ رمز الله في هذا المقطع بشكل حاسم يدلّ إعتماد الشاعر رمزاً دالاً على الإنسان العربي الحضاري. [19]"هذا الإله الذي إنتصر في حرب ذي قار، و حمل راية الثوّار في جبال الريف المغربي إن هو إلا القومية العربية التي تربط ما بين الأجيال السالفة من عهد الجاهلية، والأجيال الحاضرة في القرن العشرين و هي التي نكبت في فلسطين، و أضحت جريحة تمشي في أحياء العرب فلا تجد من يتحرك لنجدتها، أو يضمّد جراحها. و كان العرب قد أصابهم الذهول من هول الضربة، و سيطر عليهم الخوف من معالجة الأمة الجريحة، و مداواتها بالثورة، و البعث و الإحياء، فراحوا يصلّون في إرتعاش"[20]:بآيات يغصّ الجرح منها خير ما فيهتداوي خوفنا من علمنا أنّا سنحييهإذ ما هلّل الثوارمنّا: نحن نفديه[21]فالشاعر يستمر الحديث عن موضوع الإله في المقطع الخامس، فالإله (الإنسان) العربي (الفلسطيني) الجريح يعرف هنا مع المؤمنين به وجهاً آخر من العلاقة مختلفاً عن ذلك القريب من التخلّي الذي إنتهى اليه المقطع السابع فصلواتهم تعبّرعن لوعة تأثّرهم بمصابه حتى لتكاد تكون نوعاً من الرثاء له، كان موته واقع لامحالة و جرحه قاتل و شفاءه ميؤوس منه. بل يبدو إنفعالهم بمصابة حادّاً إلى درجة يصبح الجرح عندها في كيانهم، و لا يملكون لعلاجه رغم إهتمامهم العاجل بذلك غيرآيات قرانيّة إن كانت لا توقف النزف فإنها مع ذلك تمنع خيرما في الدم أن يتسرّب و يزول، كما تعالج خوف العرب جميعا الذي يتملكهم إزاء حقيقة معرفتهم أنّ إفتداء الثوّار لهذا الانسان هو الطريق اليقينيّ لشفائه و خلاصه.[22]النكبة العربية في فلسطين ليست وليدة مصادفة، و إنما هي وليدة قحط عام، حل ببلاد العرب طوال قرون متعددة. قحط حضاري إستبد بمعظم أوطانهم، فباتوا يتخبّطون في ظلمة الإنحطاط، و قد قلّ الخير في أرضهم كأنّما إحرقتها أسراب الجراد، حتى الحبالى من النساء و الأنعام ما عادت تلد سوى الرماد. و قد انتهكت المقدسات و ذللّت النفوس و صنع من أهلّة المآذن نعال لسنابك خيل المستعمرين. و عضّ الجوع أبناء البلاد نصارى و مسلمين، فدبّ الفناء فيهم و سكنت ريحهم حتى إذا جاء العصر الحديث بدأوا يتحركون لينهضوا من كبوتهم و ينفضوا عنهم غبار الإنحطاط و يثوروا على واقعهم الزريّ، و ينفروا للجهاد[23]:أغار من الظلام على قرانافأحرقهنّ سرب من جرادكأنّ مياه دجلة حيث ولّيتنمّ عليه بالدم والمدادأليس هو الذي فجأ الحبالىقضاه، فما ولدن سوى رماد؟و أنعل بالأهلّة في بقايامآذنها سنابك من جواد؟و جاء الشام يسحب في ثراهاخطى أسدين جاعا في الفؤاد؟...
مقالات ذات صلة
ارسال التعليق
تعليقات