• ١٨ حزيران/يونيو ٢٠٢١ | ٨ ذو القعدة ١٤٤٢ هـ
البلاغ

أبوة بلا غضب

د. كارل سيميلروث/ ترجمة: فاطمة عصام صبري

أبوة بلا غضب
◄"أعظم كشف في جيلي هو أنّ الكائنات الإنسانية تستطيع أن تغير حياتها بتغيير مواقف عقولها" (وليم جيمس: مؤلف، فيلسوف، عالم نفس) "آخر الحريات الإنسانية لاختيار المرء موقفه في أية مجموعة معينة من الظروف، هو اختيار المرء طريقه الخاص" (د. فيكتور ي. فرانكل: مؤلف، طبيب نفسي) الموقف هو أحد تلك الأمور التي نعرف جميعنا أنها مهمة، ولكن من الصعب تعريفه. ونتعرف الطفل الشرس على أنّه شخص يحتاج موقفه إلى تعديل. ويعوّل أرباب العمل عندنا كثيراً على مواقف عمالهم. وكما تقترح الشواهد السابقة ثمة طريقة رائعة لتغيير سلوكنا الأبوي وهي تغيير مواقفنا. ما هي المواقف على أيّة حال؟ الموقف هو الوضع الذي أنت فيه حين تقترب من حالة ما. إنّ موقف الطائرة هو وضعها الطبيعي بمعنى الكلمة، وموقف شخص ما هو استعداده لأن يقترب من حال بطريقة معينة. فالولد الشرس يقترب من الراشدين سريعاً ليظهر لهم قلة احترامه بل حتى عدوانيته. والعمال ذوو المواقف الجيدة مستعدون أن يسعوا إلى منفعة الشركة كما لو كانت ملكهم. إنّ موقف الأهل الطبيعي تجاه أولادهم هو عدم الأنانية (الغيرية). وعدم الأنانية الأبوي هو مثال لكل عدم أنانية وهو استعداد للتخلي عن بعض وجوه منفعة المرء الخاصة لمصلحة شخص آخر وخيره. بيد أننا لا نستطيع أن نُكْرِه جميع الأهل على اعتماد موقف واحد. وكما يمكن أن نطلق على هذا المقال اسم "الموقف المناوئ" ومعنى ذلك أنها طريقة أخرى في النظر إلى عادة الغضب على أنها استعداد لمقاربة معظم مشكلات الحياة كأنها صراعات مع أعداء. يتخذ الأهل غالباً موقفاً مناوئاً من مشكلات الأبوة إلى جانب موقف غير أناني. كما إنّ الاستعداد لجعل أولادنا أعداء مناوئين يقاومون سيطرتنا يمكن أن يقوض أي تأثير مفيد لموقف والدي غير أناني. من التناقض معاملة شخص معاملة شخص مناوئ بشكل غير أناني، فالعناية والغضب لا يمتزجان معاً بشكل جيِّد. لقد حاولنا أن نبين كيف يستطيع الأهل أن يطوروا بدائل لعادة الغضب في الأبوة. وثمة طريقة أخرى لرؤية هذه البدائل وهي: يستطيع الأهل الغاضبون أن يستفيدوا من بعض تعديلات للموقف. ثمة طريقة للنظر إلى بدائل عادة الغضب وهي تحسين مواقف تجاه أولادنا تساعد على الحفاظ على بيوتنا هادئة آمنة أثناء تعزيز صلاح أولادنا ورفاهيتهم، إليكم البعض منها: ·       موقف محب مرشد: الاستعداد للمساعدة حين يكون صالح الأولاد في خطر والاستعداد لرفض مطالب الأولاد التي تقوم على أساس توقعات اتصافهم بالأهمية الذاتية. ·       موقف متفائل: استعداد للمثابرة في توقعاتنا لسلوكيات أولادنا. ·       موقف مدني: الاستعداد للإيمان بأولادنا والمثابرة على توقعاتنا بأنّ سلوكياتهم سوف تتغير إلى الأفضل، وخاصة حين لا يكون ثمة دليل ظاهر على ذلك. ·       موقف زيادة الحرِّية: الاستعداد لتزويد الأولاد بتجارب تعلم لتوسيع مناخ الحرية من خلال المناسبات الموسعة لهم بدلاً من تزويدهم بترخيص ودعم ليفعلوا ما يسرهم. لنبدأ بموقف الحب، إنّ العديد من الأهل بسبب اتخاذهم مواقف غير أنانية تجاه أولادهم لا يشعرون بالراحة حين يرفضون التماسات أولادهم ومطالبهم. فهم إما يذعنون لمعظم ما يريده أولادهم أو حين يصلون إلى طريق مسدود يصبحون غضابا. التعديل المطلوب هو جعل رفضهم لمطالب أولادهم ولالتماساتهم غير الصحية جزءاً من التعبير عن الحب. لأنّ الإمساك عن تلبية المطالب يعطي شعوراً بالأنانية يميل الأهل فقط إلى رفض ما يطلبه الأولاد حين يكون الأهل غضاباً، ويشعرون أنّ الرفض هو عقوبة مسوغة أخلاقياً. لا يتطلب الموقف المحب المرشد تجاه أولادك منك أن تشعر بالغضب حين ترفض ما يريدون ويطلبون. إنّ الحب المرشد المنير هو استعداد للعناية بصالح الأولاد. وليس لأن يجعلهم بالضرورة يشعرون شعوراً أفضل. والأهل الذين يظنون أنّ الحب هو العناية بمشاعر أولادهم إنما يربون طغاة. وفي الواقع أنّ هؤلاء الأهل سينقلبون على أولادهم ذوي الشعور بالأهمية الذاتية ويعاملونهم معاملة الأعداء الألداء. إنّ هؤلاء الأولاد طغاة بالمعنى المهم للكلمة. سوف ينقلون بسرعة حياة أهلهم حتى الوصول إلى النقطة التي ينبغي فيها أن يقاوموا. والمعركة الناشئة بعد ذلك ستقصي موقف الحب لدى الأهل ليحل الشعور بالذنب محل ذلك. والبديل هو اتخاذ موقف محب يتضمن قول: "لا". فهذا يساعد على إدراك أنّ الإنسان لا يحتاج أن يكون غاضباً لكي يقول: "لا"، إنّه حقاً جزء من موقف محب أن يكون الإنسان جاهزاً لأن يقول "لا" حين يقتضي صالح الأولاد أن لا يفعلوا شيئاً يريدون فعله. قول "لا" والاستمرار في قوله بهدوء بل بمحبة هو عادة خلقية تنقلنا إلى الموقف الثاني المذكور آنفاً وهو موقف التفاؤل. معظم الأهل هم متفائلون حين يعطيهم أولادهم سبباً ليكونوا كذلك. والتعديل المطلوب هو تعهد التفاؤل حين لا يعطي الأولاد سبباً للتفاؤل. أكثر ما يكون التفاؤل نافعاً حين يكون تسويغه في أدنى درجة، أي: في مواجهة إخفاقات الأولاد. تفاؤل الأهل يقودهم إلى عدم السماح لأولادهم مقايضة العقوبة بالإخفاق. هذه حالة يتعلم فيها الأولاد أن "يأخذوا الدواء" وهو العقوبة بدلاً من أن يدرسوا مثلاً أو يحاولوا أن يقوموا بعمل أفضل إلى حد يريده الأهل. حين يكون أداء الأولاد ضعيفاً أو يسيئون التصرف يساعد موقف التفاؤل الأهل لكي يلزموا الأولاد بإنجاز المهمة، "أتوقع منك أن تفعل ذلك بشكل أفضل الآن حاول مرة ثانية". إنّ موقف التفاؤل يحول دون إنزال عقوبتك ببساطة أو إطلاق حكمك على أداء ضعيف. إنّ موقف التفاؤل يُبقي التركيز على العمل أو على المهمة التي نحن بصددها. إنّه استعداد لإعادة العمل فيتعلم الأولاد بذلك أن يتمّوه بشكل مناسب، ويتعلموا أنّ بوسعهم أن يتمّوه بشكل مناسب. يرسل الأهل أصحاب الموقف المتفائل رسالة قوية إلى الأولاد: أستطيع أن أتعلم وأن أنجز حتى لو أخفقت في البداية حتى حين لا أرى في البداية إن كنت أستطيع فعل ذلك. بل إنّ هذا الموقف يرسل أيضاً أكثر الرسائل أهمية وهي: يتوقع أهلي مني أن أتصرف كما يفعلون لأكون مثلهم راشداً. ثمة موقف آخر ذكرناه آنفاً وهو الموقف المدني ربما يبدو غريباً أن نضمّن التمدن موقفاً مهماً تحسن فيه نفسك بصفتك أباً أو أماً. ومع ذلك ألست تتقدم وتتدبر أمرك في مجتمع مدني؟ ألا تحترم ممتلكات الناس وتهتم تماماً بأمورك وحدها؟ هذه هي النقطة المهمة. ينبغي أن يعود التمدن الدمث إلى البيت. يعامل كثير منا أفراد الناس الآخرين (والكثير من الكائنات الحية الأخرى) على أنّها لا تنتهك، لا يمكننا أبداً أن نسوّغ لأنفسنا أن نتحامق على تميز وتفرد صديق لنا. ما كنا لنستطيع أن نزرع بصلة التوليب (زنبقة) ثمّ نحاول أن نغير لون الزهرة برش دهان عليها. إنها ما هي عليه. وشخصيات الناس الفردية مقدسة لا يمكن المساس بها. وتعهد التمدن الدمث تجاه الأولاد لا يعني أن يتحمل الأهل نمو الفردية عند أولادهم وحسب بل أن يروا أيضاً فرديات أولادهم على أنها إنجازات. ويتناسب موقف التفاؤل وموقف التمدن الدمث معاً في الأبوة. والأهل الذين يتمتعون بموقف متفائل تجاه أولادهم يشبهون المزارعين الجيدين. إنّهم يروون ويسمدّون ويتعهدون ما زرعوا مدة طويلة قبل أن يستطيعوا أن يروا أي نمو يسوغ عناءهم ونفقاتهم. يستغرق الولد على الأقل عشرين سنة ريثما يصبح ناضجاً. والأهل الذين يتمتعون بموقف متمدن دمث تجاه أولادهم، يشبهون المستكشفين الرواد. ينتظرون بترقب ليروا طبيعة خلاقة جديدة نتجت. ومثل كل جبل في سلسلة الجبال، كل ولد ذكر أو أنثى له هويته المهيبة الفخمة. والأبوة المتفائلة مع الأبوة المتمدنة الدمثة تصونان معاً العجب والوعد في حياة جديدة يشعر بها الأهل حين يرزقون بالأولاد. ويضمنان معاً ألا يتهجم الأهل على أولادهم لا حين يولدون حديثاً ولا حين يكبرون. وثمّة موقف أبوي آخر مفيد في مقاومة عادة الغضب وهو الموقف الناضج تجاه الحرية. فالعديد من الأهل خلطوا مشاعر حول جودة الحرية مع الرغبة المحبة بأن يفعل أولادهم الصحيح من الأمور. ينتهي هؤلاء الأهل غالباً بأن يحاولوا السيطرة على الخيارات الحرة لأولادهم. وهذا بالطبع متعذر مستحيل. فالأولاد يتعلمون بسرعة أنّ أهلهم حين يقولون: "إنّه خيارك" فذلك يعني حقاً أنّ عليهم أن يحزروا أي خيار يريده أهلهم أن يختاروه، وهذه أيضاً خطوة أخرى نحو الغضب والعلاقات المناوئة بين الأولاد والأهل. في ثقافتنا الحرة – المقابلة لثقافات الطاعة مثل الفاشية والشيوعية والمقابلة للثقافات المحكومة بالأديان القوية – نحن مهيؤون لنتقبل بسرور معظم مظاهر الحرية الفردية. كيف يؤثر هذا في الأبوة؟ يسلم جدلاً كثير من الناس – ومنهم معظم المراهقين – أن كون المرء حراً يعني حراً من جميع الضغوط أو الضوابط. هذا هو نصف الحقيقة فقط. إن كان هذا كل ما عنته الحرية فيستطيع رائد الفضاء إذن أن يقطع علاقته بالمركبة، ويسبح بالفضاء متحرراً حتى من فعل الجاذبية التي تطبق ضغطاً عليه، يمكن أن يكون هذا مثالاً عن الحرية. تأتي الحرية مع زيادة الفرص ثمّة موقف معدل تجاه الحرية، وهو أنّها فرصة سانحة، ما نفع أن تكون حراً من الضغط إن كنت لا تستطيع أن تفعل شيئاً؟ إنّ توقع الأهل الدائم من أولادهم أن يذهبوا إلى المدرسة ويرتدوا ملابسهم بشكل مناسب، ويتصرفوا بأسلوب غير تخريبي، ويتعلموا بقدر ما يستطيعون عن كل شيء لا يخرق حرية الأولاد. فالتعلم يعطي الحرية بتزويد الفرص والانسجام مع الآخرين يعطي الحرية كذلك. تتطلب الحرية عملاً شاقاً ربما يكون أحد أهم دروس الحرية التي يستطيع الأولاد تعلمها هو أنّ المهارات تتطلب التمرين. سواء أكان ذلك في تعلم القراءة أو في تعلم العزف على آلة موسيقية أو تعلم الجبر فإنّ الوقت والجهد ينبغي أن يقدما مع توقع القليل من المكافأة المباشرة ما عدا توقع الوعد بزيادة الفرص. إنّ الموقف الأبوي الذي يتألف من الاستعداد للتوقع المثابر من الأولاد ليوسعوا حرياتهم بتعلم قيمة التمرين على المهارات لا يتعارض مع أي وجه آخر من وجوه الأبوة. يقود هذا الموقف الأهل بالطبع أيضاً إلى رصد تأثير التعليم. فالسماح للأولاد بالتعرض لفترات طويلة من التعليم الذي ليس له تأثير في مهارات الأولاد هو آخر أمر يتحمله أهل لديهم موقف غني تجاه الحرية. يحتاج الأولاد أن يتعلموا كيف يتحامون التمرين السخيف (الغبي) بالسيطرة على المادة لا من خلال الخروج من باب المدرسة. والمعلمون الذين يعلمون السيطرة على مواد الموضوع أو المهارات هم أساتذة نفسيون، لأنهم يزودون الطلاب بأبواب عديدة مفتوحة. إنّ زرع التفاؤل والتمدن الدمث والحرية من خلال المحبة الغنية المرشدة التي تضع الصلاح والخير فوق كل المشاعر هو فرصتك لتعلم المهارات التي تساعدك، فتكون والداً دون غضب. وكما هو الأمر في أي مهارة فإنّ التدريب مطلوب. ومن المأمول أنّ المواد المتضمنة في دروس هذا الكتاب ستكون خير مساعد لمحاولتك في تحسين أهم أمر تفعله، وهو تربية أولادك في بيت هادئ سعيد حاضن.   سجلات التغيرات الناجحة: من أجل التغييرات الناجحة. لعلك لم تأخذ هذا على محمل الجد. إنّ التغير الصادق نحو الأفضل يتطلب فعل شيء لا مجرد القراءة عنه. إنّك لا تحتاج أن تبدأ بفكرة أن تقوم بكل تمرين وتحفظ كل سجل مقترح. حاول أمراً أو أمرين، ثمّ حاول أن تنتقد الباقي.   سجلات النجاح: في هذا الدرس يفضل تناول الحادث بطريقة أكثر إنتاجية؛ لأنّ النظر إليه بشكل مختلف يشير إلى النجاح في تعديل الموقف. ولغايات الحفاظ على سجل لنجاحاتك يمكنك أن تكتب أربعة عناوين (رؤوس موضوعات) في دفترك الخاص. مع ترك فراغ لتسجيل الملاحظات بعد كل عنوان. لاحظ أنّ وصفاً قصيراً لما يمكن أن يشكل نجاحاً يرتبط بكل موقف مذكور أدناه. 1-    موقف محب مرشد: نجاح في الحب عن طريق الاهتمام بصلاح أولادي قبل الاهتمام بمشاعرهم – المحافظة على مزاج طيب أثناء قول (لا) وحسب، وإعادة قول (لا) عند الضرورة. 2-    موقف متفائل: نجاح في أن يصبح المرء أكثر تفاؤلاً ومثابرة – أنا أشعر شعوراً طيباً لمجرد أن أكرر القاعدة إلى أن يذعن الأولاد. 3-    موقف مدني: نجاح في أن يصبح المرء أكثر مدنية وأكثر احتراماً للفردية – الشعور بالراحة أمام اهتمامات الأولاد والاستعداد للتكلم معهم حول الأمور التي يحبونها دون محاولة تعليمهم الإنصات وطرح الأسئلة دون محاولة توجيه المحادثة. 4-    موقف زيادة الحرية: نجاح في أن أصبح أكثر مثابرة في إغناء حرية ابني – الشعور بالسعادة وبالراحة أثناء المثابرة على توقعي أنّ الأولاد أنجزوا مهمة تربوية.►    المصدر: كتاب عادة الغضب في تربية الأولاد

ارسال التعليق

Top