• ٢ كانون أول/ديسمبر ٢٠٢٠ | ١٦ ربيع الثاني ١٤٤٢ هـ
البلاغ

إلتهاب الأغشية السحائية لم يعد خطيراً

محمد عبود السعدي

إلتهاب الأغشية السحائية لم يعد خطيراً
◄ماضياً، كان مجرد ذكر إلتهاب الأغشية السحائية (أو "ذات السحايا") كافياً لجعل المصاب يقلق، ومعه زملاؤه وأسرته أيضاً، خصوصاً أن قابلية العدوى ممكنة، وإن كانت ضعيفة نسبياً. اليوم، بفضل تطور المضادات الحيوية، بات علاج الداء هيناً.
ينطوي التهاب أغشية الدماغ، المعروف أكثر باسم "ذات السحايا"، على خطورة أكيدة. وكان في السابق، في حالات كثيرة، ينتهي بوفاة المريض. إلى ذلك، كانت العدوى شائعة نوعاً ما. والمعضلة أنّ للداء منشأين اثنين، أحدهما فيروسي والآخر ميكروبي جرثومي. وينبغي معرفة أنّ الإصابات الفيروسية غير خطيرة، ولا ينبغي القلق منها بتاتاً. إذ تزول من تلقاء نفسها، من دون علاج، في أكثر الأحيان، أو تتطلب أحياناً علاجاً بسيطاً، وذلك في أسوأ الحالات.
أما الإصابات الجرثومية، فبحث آخر. إذ تعني خطورة عالية. لكن، حتى معها، لم يعد القلق الزائد مبرراً، بما أنّ المضادات الحيوية، في السنوات الأخيرة، تطورت بشكل يتيح القضاء على المرض بنسبة تطاول الـ100 في المئة. ولمعرفة آلية التهاب السحايا بشكل أوضح، ينبغي معرفة ما هي السحايا. يورد معظم الأطباء التعريف الآتي للسحايا: إنها أغشية تحيط بدماغ الإنسان، على ثلاث طبقات. والطبقة الخارجية متينة وقوية، وتدعى "الأُم القاسية". وتنصبُّ وظيفتها على حفظ الدماغ من الإصابات الخارجية والضغط الخارجي. في المقابل، الطبقة الداخلية، الملقبة "الأُم الحنون"، تعدّ رقيقة. وهي تلتصق بسطح الدماغ. وما بين الطبقتين، هناك نسيج إسفنجي، تكثر فيه الأوعية الدموية ما يشكل "الشبكة العنكبوتية". تلك الأغشية كلها، بطبقاتها الثلاث، يتخللها سائل شفاف، يدعى "السائل السحائي".

- حذار من الـ"فرفورية":
"ذات السحايا"، بالإنجليزية (Meningitis)، ليس إلا التهاب تلك الأغشية، جراء هجوم ميكروبات "المكورات السحائية"، التي تنقل عن طريق الرذاذ إلى البلعوم، ثمّ تطال الدورة الدموية، ومنها تصل إلى سحايا الدماغ والسائل السحائي. وتستغرق حضانتها أسبوعاً واحداً، تظهر إثره أعراض الداء. ولتشخيص الداء، يتم "بزل قطني"، أي سحب السائل من فقرات القطن، للحصول على السائل "الرأسي الفقاري"، وتحليله للتأكد من التهاب الأغشية السحائية أم لا. لكن، قبل التحليل، ثمة أعراض وعلامات، تتمثل في النقاط الآتية (كلها، أو قسم منها):
1- صداع شديد.
2- انخفاض دقات النبض بالقياس إلى درجة الحرارة، التي قد لا تكون مرتفعة في الأيام الأولى.
3- تقيؤ حاد، على شكل "دفق"، فضلاً عن الإمساك.
4- ما يسمى "رهاب النور" (بمعنى عدم القدرة على تحمل الضوء).
5- ربما اضطرابات في الحركة، وانخفاض الانتباه. في هذه الحالة، قد يكون الالتهاب تجاوز الأغشية السحائية لكي يشمل خلايا الدماغ أيضاً.
6- تصلب العنق: يصبح ثني الرقبة إلى أمام عسيراً ومؤلماً، وربما مستحيلاً. في المقابل، بخلاف تشنج الرقبة العضلي، يتمكن المصاب بذات السحايا من ثني رقبته إلى أحد الجانبين، يميناً أو يساراً.
7- عدم القدرة على الجلوس من دون ثني الركبتين ("داء كيرنيغ").
8- ثني العنق يؤدي تلقائياً إلى ثني الركبتين ("داء بروجنسكي").
9- التألم المفرط، أي شعور المصاب بوجع كبير من أي مؤثر خارجي، مهما يكن بسيطاً (كقرص البشرة، وربما مجرد لمسها).
10- في حالات نادرة، إصافة بالـ"فرفورية". وهي مرض جلدي، أهم أعراضه ظهور بقع حمراء على الجسم. في هذه الحال، تعدّ ذات السحايا خطيرة جدّاً. وتلك البقع الحمراء، التي تشبه "حَب الشباب" (إنما أصغر بكثير)، علامة مهمة لا ينبغي الاستهانة بها، إذ يؤكد الباحثون أنها تشكل إحدى حالات المضادات الحيوية النادرة التي تتطلب دخول قسم الطوارئ.
 
- المسببات:
هناك فيروسات عدة ينجم عنها التهاب السحايا. ومنها فيروسات النكاف والقوباء (الـ"هربس")، وأيضاً فيروسا "كوكساكي"، و"إيكو". لكن، على عكس أمراض أخرى، التهاب الغشاء السحائي غير خطير إن كان فيروسي المنشأ، إنما طفيف، ويزول من تلقاء نفسه. الإصابات الجرثومية هي الخطيرة. ومن الجراثيم المتسببة، هناك 3 أنواع لجرثومة ذات السحايا في حد ذاتها، "أ" و"ب" و"ج". إلى ذلك، قد ينجم الالتهاب عن جراثيم أخرى، كجرثومة ذات الرئة، وجرثومة "داء اللسيتريات" و"عُصيات كوش" للسل، بما فيه التدرن الرئوي، وجراثيم أخرى كثيرة.

- علاج الحالات الميكروبية:
التهاب الأغشية السحائية الفيروسي، مثلما أسلفنا، "يعالج نفسه بنفسه، ويتلاشى تلقائياً. في أي حال، ليس له علاج معيّن، إلا إذا كان أحد مضاعفات فيروس الداء الجلدي المسمى قوباء أو "هربس". أما الحالات الميكروبية، فيلعب كشفها المبكر دوراً حاسماً في فاعلية علاجها. وينصبُّ هذا على وصف مضادات حيوية بحسب الجرثومة المسببة، عموماً لمدة 10 أيام. وثمة لقاحات، منها لقاح يدعى "مينينغوتك"، يمتاز بكونه يصلح للرُّضع أيضاً، بدءاً من سن شهرين اثنين، بعكس لقاحات أخرى، فاعلة لكن غير ملائمة للرضع دون 18 شهراً، وكأي لقاح، لا يُستبعد أن تكون له مضاعفات، كالحساسية، إلا أنها نادراً ما تكون خطيرة.

- العدوى واللقاح:
وعن العدوى، ينبغي التحذير من أن بعض أنواع التهابات السحايا الجرثومية قد تنتقل إلى مقربي المصاب جراء الرذاذ المنبعث من فمه. فمثلاً، عندما يكون السبب أحد أنواع الجراثيم الـ3 الخاصة بمرض ذات السحايا نفسه (المصنفة "أ" و"ب" و"ج"، مثلما ذكرنا)، يصبح مدى العدوى 90 سنتيمتراً فما دون. وفي حال إصابة طفل أو مراهق، ينبغي تلقيح تلامذة روضته أو مدرسته أو ثانويته كافة. أما إذا كان طالب جامعة، فيكفي تلقيح شلة أصدقائه وزملائه المقربين. وفي حال ظهور حساسية، يُنصح أيضاً بتناول أدوية مثل "ريدافين" و"سبيراميسين"، لتفادي مضاعفات الحساسية.
في المقابل، عندما تنجم الإصابة عن جرثومة ذات الرئة، يُنصح بتلقيح المقربين بلقاح "بنوموفاكس" (أو ما يعادله). كما ينبغي تلقيح الأطفال المعرّضين أكثر من غيرهم، أي مَن يعانون أصلاً أمراضاً رئوية وتنفسية، قد تفضي جراثيمها إلى الإضرار بالأغشية السحائية، أو التهابها. وهناك أيضاً فئة المسنين، في الـ65 فما فوق، المعرضين أكثر من غيرهم. فالخلايا الأصلية (الجذعية) لجرثومة ذات الرئة، التي تتسم بالقدرة على المقاومة، قابلة للتكاثر السريع عند المسنين المعرضين. أما ذات السحايا من فئتي "أ" و"ج"، فثمة لقاح خاص، يصلح أيضاً للأطفال بدءاً من 18 شهراً، وللبالغين لغاية سن 35 عاماً. لكن فاعليته مثار جدلٍ، إذ لم تثبت لحد اليوم.
أخيراً، ثمة لقاح يسمى "بنتاكوك" مخصص للرضع بدءاً من سن 3 أشهر، ينفع إذا كان التهاب السحايا ناجماً عن الإنفلونزا. كما يتعين تلقيح الحامل في حال إصابة أحد أفراد أسرتها أو أقاربها أو زملائها بالتهاب سحائي ناجم عن "داء الليستريات" (ليستيريا)،. كما يجب، والحال تلك، تلقيح أيٍّ من يعاني عجزاً في المناعة الطبيعية، تفادياً لإصابته بذات السحايا الناجم عن الـ"ليستيريا".

- هل يلم الداء بالرضع؟
عن التساؤل: "هل يصيب التهاب الأغشية السحائية الرضع أيضاً؟"، يرد الأطباء بالقول إنّ الحالة واردة، إنما نادرة جدّاً. إلى ذلك، فهي صعبة الكشف، لأن أعراضها متناقضة وخداعة. وحالما يُلاحَظ واحد منها أو أكثر، يجب الإسراع إلى نقل الطفل إلى الطوارئ. وتتمثل الأعراض في الآتي، إنما جزئياً (حيث لا تظهر كلها معاً عند الطفل نفسه في وقت واحد):
1- بكاء الصغير من دون سبب واضح، وتغير سلوكه.
2- شحوب بشرته.
3- رخو عنقه، على عكس الكبار (إذ عموماً تتصلب أعناقهم، مثلما أشرنا إليه في المقال). لكن، عند الصغير، يظهر "داء بروجنسكي"، الذي يتمثل في كون ثني العنق يؤدي تلقائياً إلى ثني الركبتين.
4- تصلب يافوخ الرضيع أثناء جلوسه، وربما تقوسه، من دون ألم.
5- تعرضه لتشنجات واختلاجات غير طبيعية. ►

ارسال التعليق

Top