• ٩ أيار/مايو ٢٠٢١ | ٢٧ رمضان ١٤٤٢ هـ
البلاغ

الحوار.. سفينة النجاة بين المختلفين

محمّد أيت حمو

الحوار.. سفينة النجاة بين المختلفين

 

إنّ الحوار في الداخل ومع الخارج ضرورة حضارية، "وعلى العموم فإن عصرنا هو عصر الحوار بدون قيم قيد ولا شرط. ولذلك فلابدّ من فتح النوافذ وإقامة جسور الحوار بين الأطراف المختلفة، فهو البلسم الشافي للصراع الجاثم بين أصحاب التوجهات والمشارب المختلفة الذين يتبادلون الأحكام المعلبة، والمستنسخات الجاهزة، والوصفات المعدة مسبقاً.  ونحن نعتقد جازمين بأنّ الحاضر والمستقبل أدعى إلى الائتلاف منه إلى الاختلاف، مع الإقرار بحق الاختلاف والتنوع والتعدد. "فأنا أتحاور مع الآخر، لا لكي يصبح مثلي أو أصير مثله، بل لكي أفيد منه واغتني به عبر الانخراط في أعمال ومشاريع مشتركة نساهم فيها بتغيير بعضنا بعضاً بصورة متبادلة. وهذا يعني أنّ الحوار لا يعني أن تصير الأطراف المختلفة نسخاً طبق الأصل لبعضها البعض، بل أن يتخلى كل طرف عن "إمبرياليته" ونظرته الاستبعادية. "ولنتذكر أنّ الاعتقاد بأنني الصحيح، وغيري على خطأ، إذا لم يكن مبنياً على أسس عقلية منطقية يجعل ذلك الحوار مع الغير تعصباً وتشدداً على جملة من المبادئ التي يتصورها قائلها بأنّها (حق)، وهي في تكوينها (باطل). ومن هنا قال الراديكاليون في نقدهم المذهبي والديني بتفكير الغير، والكفر المتهم به الغير هو مصادرة لمعتقده وحقوقه في الاعتقاد. فإغلاق باب الحوار وسد نوافذه والإخلال بأدبه، فعلة شنعاء توقع صاحبها في إماته "روح العقلانية النافعة" فضلاً عن "روح الجماعة الصالحة" كما يشير إلى ذلك طه عبدالرحمن الذي يشد في كتاباته على أهمية الحوار ودوره الإيجابي عندما يقول: "ليس من العجيب أن ينزل "الحوار" منزلة الحقيقة؟... وبيان هذه الحقيقة الحوارية من الوجوه الثلاثة الآتية: أوّلها، أن طريق الوصول إلى الحق ليس واحدا لا ثاني له، وإنما طرقا شتى لا حد لها، لأنّ الحق هو نفسه، على خلاف الرأي السائد، ليس ثابتاً لا يتغير، بل أصله أن يتغير ويتجدد، وما كان في أصله متجدداً، فلابدّ أن يكون الطريق الموصل إليه متعدداً، وحيثما وجد التعدد في الطرق، فثمة حاجة إلى قيام حوار بين المتوسلين بها. والوجه الثاني: إنّ تواصل الحوار بين الأطراف المختلفة فئات أو أفرادا، يفضي مع مرور الزمن إلى تقلص شقة الخلاف بينهم، وذلك لدخول هذه الأطراف في استفادة بعضها من بعض، حيث إنّ هذا الطرف أو ذاك، قد يأخذ في الانصراف عن رأيه متى تبين له، عند مقارعة الحجة بالحجة، ضعف أدلته عليه، ثمّ يتجه تدريجياً إلى القول برأي من يخالفه، أو يأخذ، على العكس من ذلك، في تقوية أدلته متى تبينت له قوة رأيه، مستجلباً مزيد الاهتمام به من لدن مخالفه حتى ينتهي هذا المخالف إلى قبوله والتسليم به. وهكذا، فإذا أنزل الخلاف منزلة الداء الذي يفرق، فإنّ الحوار ينزل منزلة الدواء الذي يشفي منه. والوجه الثالث: أنّ الحوار يسهم في توسيع العقل وتعميق مداركه بما لا يوسعه ولا يعمقه النظر الذي لا حوار معه. إنّ الحوار هو بمنزلة نظر من جانبين اثنين، وليس النظر من جانب واحد كالنظر من جانبين اثنين. فمعلوم أنّ العقل يتقلب بتقلب النظر في الأشياء، وأنه على قدر تقلبه، يكون توسعه وتعمقه. والعقل الذي لا يتقلب ليس بعقل حي على الإطلاق، والعقل الذي يبلغ النهاية في التقلب، فذلكم هو العقل الحي الكامل". فالحوار يلعب دور الشرايين التوحيدية والململمة للأجنحة المختلفة والمتعددة المرجعيات في المجتمع الواحد، رغم الصعوبة التي تكتنف هذا التقريب ولملمة هذا الشتات. يقول أحد الباحثين: "يجب أن نعترف بداية بأنّ الأمر ليس من السهولة بمكان، خصوصاً في بيئة تتسم بالانحطاط والاستبداد حيث يسعى كل فريق إلى الانفراد برأيه والانغلاق عليه مع العمل على استدعاء رصيده التاريخي من الشكوك والاتهامات ليعلنها في وجه الفريق الآخر ويتم بذلك مصادرة الحاضر والمستقبل ورهنهما في ذلك الماضي. إنّ الأمر يتطلب كخطوة أولى القطع مع ذلك الماضي المشحون بالعداء والتشكيك ثمّ العمل على شرعنة وتنظيم الاختلاف والتعدد ومن ثمّ العمل على إيجاد أرضية مشتركة وذلك من خلال التفاكر والحوار حول إشكالات الأُمّة وأوليات أسئلتها الراهنة. بكلمة، إنّ الوعي الحضاري يدعو إلى العمل على دمج هذا التعدد والتنوع في سياق حركية الأُمّة وصيرورتها للتواصل مع مسار تاريخها بالشكل الذي يجعلها تشتغل في اتجاه مدار الأُمّة، اتجاه "التنوع في إطار الوحدة"، وإلا أصبح هذا التعدد بمختلف تجلياته في زمن القهر والانحطاط مدخلا لتفتيت الأُمّة وتكريس التبعية". وإذا كان العالم الإسلامي قد ارتضى القرآن – أو النص التأسيسي الأوّل بتعبير محمد أركون – مائدته اليومية، فمن غير المعقول أن ينعدم الحوار بين مكوناته المختلفة في الآن الذي نجد فيه الدعوة للحوار كامنة في القرآن الذي يحق لنا وصفه بكتاب جدل ومناظرة، كما تؤكد ذلك العديد من الآيات القرآنية، كقوله عزّ وجلّ: (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ) (البقرة/ 111). وقوله سبحانه: (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ) (الأنفال/ 42). وقوله تعالى: (قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ) (الأنعام/ 149). وقوله عزّ من قائل: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ... فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ) (البقرة/ 258). وقوله عزّ وجل: (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ) (الأنعام/ 83). وقوله تعالى: (قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا) (هود/ 32). وغيرها من الآيات الأخرى التي تصب في باب الجدل والمناظرة والحوار. وبتعبير محمد الطالبي، "فالقرآن نفسه حوار من أوّله إلى آخره". فالحوار يمكن الأطراف المتصارعة من تكوين نظرة سديدة إلى الأمور، وآراء المخالفين قد تكون مصدر غنى وثراء لآرائنا، وحافزاً لتطويرها وتقويتها، ولذلك ينبغي التعامل معها بسعة الصدر بدل ضيقه، والتآسي بالإمام الشافعي الذي يقول: " ما جادلت أحداً، إلا وأحببت أن يظهر الله الحق على لسانه". وقوله كذلك: "إني لا أبالي أن يجيء الحق على لساني أو لسان مجادلي". يقول محمد الطالبي: "هذا الحوار اليوم أساسي، لا لأنّه وسيلة من وسائل التلاقي والكلام الذي يمكن أن يكون أجوف، بل لأنّنا نجد هذا الحوار في القرآن، فالله يتحاور مع الإنسان فرداً فرداً فيقول: (قالوا، قل)، فإن ذلك يعني: قل للطرف المقابل، وبالتالي فإن ذلك يعني حتمية التحاور. التحاور بالنسبة لي ليس شيئاً يملى علي، وليس شيئاً ألبي به دعوة غيري، وإنما ألبي دعوة خالقي. الله سبحانه وتعالى هو الذي أمرني بأن أحاور وأن أتحدث للغير، وإلا كيف يمكن لنا أن نعبر عن قيمنا، وأن نؤدي الشهادة، والله خلقنا أُمّة وسطا كي يكون الرسول علينا شهيدا؟ كيف يمكن لنا القيام بهذا الواجب الأساسي، واجب الشهادة وأداء الأمانة بدون حوار؟! أمر مستحيل تماما، ولما كان الأمر كذلك، فإن من واجبنا نحن أن نكون الدافعين للحوار، وأن نكون الدارسين لكل الأديان الأخرى. لماذا؟ لأنّ الإسلام أتى مصدقاً لما سبقه من كتب ومهيمنا على ما سبق منها". ولو أنّ المسلمين أحسنوا الاستفادة من الإرث الحضاري الإسلامي الغني والمتنوع الذي يعتمد الجدل والمناظرة وتطبيق "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" بالوعظ والإرشاد والإقناع والإصلاح السلمي، لكان لهم شأن آخر بين الأُمم، لأنّ الدين وسيلة للتفاهم والحوار وليس صراعاً. فالحق ثمرة للجدال والرأي والرأي الآخر، ما لم يبلغا مبلغ التعصب الذي يولد الجدال غير الصحي ويحول دون جني هذه الثمرة الحلوة والظفر بها، "حتى لو قيل له [أي المبتدع العام]: هل تريد أن يكشف لك الله تعالى الغطاء، ويعرفك بالعيان أنّ الحق مع خصمك، لكره ذلك خيفة من أن يفرح به خصمه، وهذا هو الداء العضال الذي استطار في البلاد والعباد". فالإنسان حينما يكون متديناً حقيقياً يرتفع عن العصبيات، فكيف يمكن لصاحب النظر الذي يتباهى بالعقل أن يستمرئ التعصب ولا يتخلى عنه؟! فهذا غير معقول كما ينبه فريد الدين العطار إلى ذلك في هذا النص الذي يذم فيه التعصب والمتعصبين قائلاً: "يا من وقعت أسير التعصب، وظللت أبدا أسير البغض والحب، إذا كنت تفاخر بالعقل واللب، فكيف تنطق بعد ذلك بالتعصب؟" وإذا كان صحيحاً أن "آلة السياسية سعة الصدر"، فإنّ التعصب ينسج لحمته من ألياف العمل السياسي حسب قولة الروائي الإيطالي ألبرتو مورافيا: "إنّ التعصب ضرورة يفرضها العمل السياسي، ولا يصح أن أكون أنا مصيباً في رأيي، والآخر، الذي في حزب آخر، مصيباً كذلك في رأيه في آنٍ معاً، هذا المستحيل، ربما يوجد مثل ذلك في الرواية، لكنه لا يوجد في الواقع السياسي". والتخلف لا تجر عرباته سوى أحصنة للاحوار، واللاتسامحl`intolerance والوثوقية dogmatisme والتعصب le fanatisme. هذا الأخير – مهما كان لونه علمانياً أو إسلامياً – لن يعبر بنا جسراً، ولن يقطع وادياً، ولن ينتهي بنا إلى مسراح. وبناء عليه، يصبح الحوار ضرورة حضارية للوعاء الزمني الذي نتموقع فيه، حتى يتسع صدر الأطراف المتصارعة – التي ترفض أن ترى نفسها في المرآة – لبعضها البعض، وتكشف الرقعة المشتركة بينها، وتتفق على "كلمة سواء" لترتفع هامتنا، وتزداد قامتنا، وتتقدم خطانا عوض أن تتأخر، وتتسارع عوض أن تتباطأ. فبالجدل والحوار يمكن للأطراف المتصارعة والاستعاضة عن "مجتمع الصراصير" بـ"مجتمع النمل". والخطوة الأولى لتحقيق هذا المجتمع الذي دعوناه بـ"مجتمع النمل" تبدأ بكف كل طرف عن ازدراء الطرف الآخر، "واستحقار الخصم كاستحقار يسير من النار، فإنّه ينتشر من يسيرها ما يحترق به كثير من الدنيا"، وعدم تتبع "عورات" الآخرين وفاقاً مع قول الشاعر: لسانك لا تذكر به عورة امرئ **** فكلك عورات وللناس أعين فمن غير المنطقي أن ندقق في تقصي مثالب الآخرين، وتثقل علينا عيوبنا التي نعمى عن إدراكها والنظر إليها. إذ "من كان لا يبصر غير محاسنه ومساوئ الغير، فالضرير خير منه" على حد قول ميخائيل نعيمة، "وابن آدم إلى عيب أخيه أسرع من السبع إلى فريسته" حسب تشبيه جميل لأبي الحسن العامري الذي يضيف بعيد ذلك: "ولا أحد أخس مرتبة ممن يتتبع القبيح ليستخرجه من بين ظهراني الحسن". فالمسؤوليات هي من الجسامة بحيث يعز على طرف واحد تحقيقها وإنجازها، وهذا ما يستدعي التواضع والتعاون في عالم اليوم. "والعلماء القدامى أعجب بهم كثيراً، خاصة في نهاية كتاباتهم يختتمون بقولهم: "والعلم لله" أو "الله أعلم". حقيقة هذه لفظة جميلة تنبئ عن تواضع العالم، فكما قلت فيما سبق: مهما اجتهد يخشى أن لا يكون قد لبى الحقيقة وأصابها ويقول: "الله أعلم"، لكنه من واجبنا أن نجتهد وأن نقول في النهاية "الله أعلم". فالحوار لا يعني تحويل الآراء المتباينة إلى رأي واحد ووحيد. كلا وألف كلا، "إنّ الرأي لا يعيش إلا إذا كان هناك رأي آخر يخالفه، أما إذا قال الجميع "آمين"، فتلك علامة من علامات انتهاء الدعاء على الميت". فقمع أو اضطهاد المخالفين في الرأي من الجرائم التي لا تغتفر، ولعل صيحة فولتير: "إسحقوا الخزي Ecrasez l`infame" لها أكثر من دلالة في هذا الصدد. فالاختلاف في الآراء رحمة وفطرة جبلت عليها البشرية. "وبناءعلى ما تقدم، نلاحظ أنّ الراديكالي في الثقافة العربية يظهر دائماً بمظهر المخالف لطبيعة الأصول التي يريد الحوار فيها، إن كان على مستوى الانغلاق في التعصب الذاتي، أو الانفصال في التعصب الموضوعي. وفي الحالتين نحن إزاء حالة غير مألوفة من الناحية العقلية، مثل تكفير الغير، ومثل تقليد الغير إلى حد العماء. والنقد الذي يصدر في الحالتين هو نقد يخلو من احترام حقوق النفس في ممارسة حرّيية فكرية على نحو صحيح".؟ فما أحوجنا إلى استلهام قول أحد الأئمة "هذا رأينا فمن جاء بأحسن منه قبلناه"، وأيضاً "قولي خطأ يحتمل الصواب، وقول غيري صواب يحتمل الخطأ". فمن خلال الحرِّية تتحقق مصلحة الإسلام، وعلينا أن نحارب الكفر والمروق والنفاق بسلاح الكلمة، والحجة والبرهان، وليس بمصادرة الفكر... إنّ التعددية الفكرية – في المنظور الإسلامي – تسع العلمانيين، بل والشيوعيين.. والمشروعات الفكرية تعالج بالدراسات الموضوعية، لا بتكميم الأفواه.. والذين يريدون تكميم أفواه خصومهم ليس من حقهم الشكوى إذا كمم خصومهم أفواههم!!.. فالحل في التعددية.. وفي الحوار". إنّ السلطة الحاكمة تلعب كثيراً على حبال النزاعات القائمة بين الأطراف الوازنة والمتناحرة في المجتمع، فتمارس ما يمكن أن نسميه بـ"الاقتصاد في السلطة" الذي ينحل إلى "الاقتصاد في القوة"، ولا تتدخل إلا إذا كانت الأمور تسير على غير حساباتها ورؤاها "الناضجة" كما ينبه حسن حنفي إلى ذلك في هذا النص الذي يقول فيه: "وينشق الصف الوطني إلى فريقين: العلمانية والسلفية، كل منهما يستبعد الآخر إن لم يكفره أو يخونه... كل فريق يمتلك الحقيقة المطلقة ويستبعد الآخر. والدولة تؤيد مرة هذا الفريق الإسلامي إذا كان الخطر قادماً من العلمانية... ومرة أخرى الفريق العلماني إذا كان الخطر قادماً من الحركة السلفية من أجل إشعال النار بين جناحي الأُمّة، فيضعفان معاً، ويقوى القلب أو الوسط الذي تدعي الدولة تمثيله حماية له من التطرف". فالأستاذ حسن حنفي لا يرى الفرق بين المناضلين الإسلاميين والعلمانيين إلا في الوسائل والطرق، أما الغاية التي يسعون إليها فهي غاية واحدة ووحيدة. وكأني بحسن حنفي يدعونا إلى التشطيب على منشأ الخلاف بينهما والاستهانة به عوض التركيز عليه والتهويل منه حتى نصنع كلاً متحداً أو في طريقه للتوحد أو على الأقل كلاً متقارباً. "ولا فرق بين أن يتم تحرير الأرض باسم الخصوصية والجهاد في سبيل الله والإذن بقتال المظلومين للظالمين، وبين أن يتم دفاعاً عن الحريات العامة للأفراد والشعوب كما هو الحال في فلسفة التنوير. ولا خلاف بين أن يتم تحرير المواطن بإعلان الشهادة، الشهادة على العصر بأنّ الله أكبر على كل من طغى وتجبر، والله أكبر قاصم الجبارين كما يحاول أنصار الخصوصية، وبين أن يتم ذلك باسم حقوق الإنسان كما يدعي أنصار الثقافة العالمية. ولا ضير أن يتم تحقيق العدالة الاجتماعية باسم الزكاة والتكافل الاجتماعي وحق السائل والمحروم والفقراء في أموال الأغنياء والمترفين والاستخلاف والشركة، وبين أن يتم ذلك باسم الاشتراكية أو الماركسية أو النزعة الإنسانية. ولا حرج في أن يتم وحدة الأُمّة باسم التوحيد، وبين أن تتم باسم القومية أو وحدة النضال العالمي. ولا خوف من أن يتم الدفاع عن الهوية والخصوصية الثقافية باسم الأصالة كما يريد أنصار الخصوصية، أو باسم الثقافة الوطنية كما يريد أنصار الثقافة العالية وكما اتضحت في الأدبيات الاشتراكية. ولا ضرر من أن تتم تنمية الموارد البشرية باسم تسخير قوانين الطبيعة لصالح البشر وبين أن تتم باسم التقدم والتصنيع، فالغاية واحدة هي السيادة على الأرض. ولا فرق أن يتم تجنيد الجماهير باسم الأمانة التي حملها الإنسان وأشفقت الجبال والأرض والسماء منها، وبين أن تتم باسم النضال أو وحدة النضال العالمي للعمال، وتحالف قوى الشعب العامل. فالغاية العملية واحدة وإن اختلفت الأطر النظرية". ويخلص حسن حنفي إلى القول: "هذا يستمد فكره من التراث، والآخر يستمد فكره من الحداثة، وكلاهما نقل، والخلاف فقط فيمن ينقل عنه". وهكذا تتعدد الطرق وتتباين السبل رغم وحدة الهدف والمصير المشترك، لكن شريطة أن يخرج كل طرف من انغلاقه الذي يعيشه على شاكلة "أسطورة الكهف" عند أفلاطون ليكون فاعلا، حتى لا نظل "كتلة سلبية" أو متفرجين ومنفعلين أمام مسرحية عالمية لم نشارك في صنعها. يقول حسن حنفي: "وقد يتفق إسلامي تقدمي مع يساري وطني في التحليل الكيفي أكثر مما يتفق إسلامي تقدمي مع إسلامي محافظ، وقد يتفق علماني وطني مع إسلامي وطني أكثر مما يتفق علماني وطني مع علماني وطني مع علماني عولمي كسموبوليتاني. فالخلاف ليس بين الإسلام واليسار إذا كان كلاهما يمثل رؤية وطنية تقدمية، بل الخلاف بين الإسلام الوطني والإسلام التابع، بين اليسار الوطني واليسار التابع". وبذاك يخلص حسن حنفي إلى القول بأنّ "الخلاف ليس بين الإسلام والعلمانية، بل بين الاستقلال والتبعية". وبالجملة، فإذا كنا نريد أنبل الغايات، (إحقاق حقوق المستضعفين في الأرض، العدالة الاجتماعية، الحكم الديمقراطي، التحديث الفكري والحضاري، التنظيم العقلاني للاقتصاد والمجتمع والدولة، الأخذ بوسائل التقدم الحديثة، تحرير الأراضي المغتصبة... إلخ). فلا مفر من أن نركب أنبل الوسائل، وألفباء ذلك الحوار. هذا الحوار الذي لا يتم إلا بين المعتدلين الذين يركبون جناح الحكمة، ويقبلون به في الصف الإسلامي والصف العلماني. يقول عبدالوهاب المسيري الذي يميز في كتاباته بين "العلمانية الجزئية" و"العلمانية الشاملة" "وكثير ممن يسمون أنفسهم علمانيين في العالم العربي والإسلامي هم في واقع الأمر علمانيون جزئيون، ولذا لا يمكن تصنيفهم علمانيون من منظور علماني غربي شامل، وهم، لهذا السبب نفسه يمكن أن يقوم تحالف بينهم وبين الإيمانيين، لأن ثمة رقعة كبيرة مشتركة بينهم. فكلا الفريقين لا ينطلق من رؤية مادية مصمتة، بل يؤمن بالقيم الأخلاقية والإنسانية المطلقة. وأعتقد أنّ التصور الذي أطرحه سيجسر الهوة بين الفرق العلمانية والإيمانية المتصارعة حتى يمكننا أن نركز قوانا على عملية بناء الوطن. فالأيام كفيلة بفصل الحنطة عن الزؤان، وتبيان الحق من الباطل، والصالح من الطالح، كما قال طاغور: "إنّ الزمن هو أقوى النقاد جميعاً، فهو الذي يسقط الباطل ويعلي الحق". فهل ستجد هذه الدعوة للحوار آذاناً صاغية واعية؟! أم ستبقى صوتاً صارخاً في برية؟! مهما يكن الجواب، فإنّ "الحوار" هو القول السليم الذي ينطبق عليه قول المتنبي: وكم من عائب قولا سليما **** وآفته من الفهم السقيم وهو السلسبيل أو الماء الزلال الذي ينطبق عليه قول المتنبي كذلك: ومن يك ذا فم مر مريض **** يجد مرا به الماء الزلالا وبدون ذلك، سيظل طرف يبني وآخر يهدم، لينطبق عليهم قول الشاعر: متى يبلغ البنيان يوما ما تمامه **** إذا كنت تبني وغيرك يهدم ألم يجعل الغزالي جميع الفرق إلبا واحداً على الفلاسفة لأنّ الخلاف مع هؤلاء يتعرض لأصول الدين – وهو الخلاف الأصلي والأكبر – بينما لا يتعدى الخلاف مع سائر الفرق حدود التفصيل؟ فلماذا لا نتأسى ونتمثل بفعلته وقوله في مقدمة تهافته: "عند الشدائد تذهب الأحقاد"؟ "يرى "هابرماس" من منطلق الدفاع عن التعددية أن على المجتمع المعلمن والديمقراطي أن يولي للسنن الدينية المعترف بها أكثر من مجرد مكانة يتركها لها أدب المعاملات أو احترام عراقتها. فما يتسنى للأديان أن تقوله للمجتمع – وفي المجتمع ليس أقل قيمة أو أهمية من خطاب العلم أو المعرفة الدنيوية عموماً. ويرى "هابرماس" أنذه لا يحق للمواطنين المعلمنين عندما يحسنون القيام بوظيفتهم السياسية إنكار الحقيقة الكامنة في الصور الدينية للعالم، كما لا يحق لهم أن يرفضوا حق المؤمنين في تقديم إسهاماتهم في النقاشات العمومية بلغة دينية. بل يذهب إلى أبعد من ذلك عندما يترقب من المواطنين المعلمنين من منطلق ثقافة سياسية ليبرالية المشاركة في بذل جهود من أجل تحويل الإسهامات القيمة من لغة دينية إلى لغة يمكن أن يفهمها الجميع. ومن جهة أخرى يتكلم راتغرنجر – من منطلق يتضح من خلاله أن الكنيسة أصبحت تتعلم من النقد الذي ما فتئت الفلسفة توجهه إليها مشددا على دور العقل بوصفه مصححا للباتولوجيا الدينية – عن الحق الطبيعي أكثر من حديثه عن الطبيعة وعن الطبيعة كـ"عقل" أكثر من حديثه عنها كـ"جوهر". ورغم اعترافه بأنّ الطبيعة حجة أصبحت منهكة – فهو يذكر مستمعيه بأن رجال الدين المسيحيين قد التجأوا إليها في فجر الحداثة وغايتهم من ذلك إيجاد أرضية تفاهم مشترك بين أهل المذاهب المتطاحنة وبين المتدينين وغير المتدينين. ولا يخفى راتغرنجر اتفاقه مع "هابرماس" حول خصائص مجتمع "مابعد علماني" يقترب فيه الإيمان من العقل، ويقرب رجل الدين من الفيلسوف، وكلاهما تحذوه إرادة التعلم المستمر من الآخر، وكل طرف ترتسم حدوده بجوار الآخر. إن حوار الفيلسوف ورجل الدين ثري بالمعاني. فبقطع النظر عن كونه تصالحا بين طرفين غلب على تاريخ علاقتهما الصراع والجفاء – فإنّه يمثل عينة من إمكانية تضافر الجهود في الفضاء العمومي المحكوم بالتعددية والاختلاف والخلاف في المجتمعات الأوربية الراهنة لغاية بلوغ توافق صعب لكنه أفضل من التقوقع داخل نقاشات لا تنتهي حول معنى مبدأ العلمانية". المصدر: كتاب أفق الحوار في الفكر العربي المعاصر

ارسال التعليق

Top