• ٢٤ تشرين أول/أكتوبر ٢٠٢٠ | ٧ ربيع الأول ١٤٤٢ هـ
البلاغ

الديمقراطية.. الفرد والمجتمع

د. عبد الله الجسمي

الديمقراطية.. الفرد والمجتمع

◄أحدثت الديمقراطية، كنظام سياسي للدولة، تغيرات جذرية في الدور الذي يمكن أن يلعبه الإنسان الفرد أو الجماعة في المجتمع، فقد كرست بشكل فعال من التصور الذي أتى به عصر النهضة للإنسان، فكلمة (Renaissance) تعني إعادة بعث أو إحياء، والمقصود بالتأكيد هو إعادة إحياء أو بعث دور الإنسان للمشاركة الفعالة بجميع مظاهر الحياة في المجتمع، بعد قرون من القمع والتهميش مارستها بحقه الكنيسة المسيحية إبان حكمها بأوروبا في العصر الوسيط.

لقد دشن الانهيار التدريجي لسلطة الكنيسة مرحلة جديدة، يقوم الإنسان فيها بالدور الأساسي في صنع واقعه وحياته ومن ثمّ مجتمعه، وامتد إلى الجوانب الفكرية والثقافية فيه. فقد استطاع الإنسان من خلال الحرية ومن ثم الديمقراطية من أن يعيد صياغة دوره في الحياة، سواء على المستوى الفردي أو الاجتماعي ليساهم في خلق مجتمع جديد، مثل قطيعة مع المجتمعات الإنسانية السابقة، وأدخل أوروبا ومن ثمّ العالم تدريجياً، مرحلة التحديث الشامل. فماذا وفرت الديمقراطية للفرد والمجتمع؟

 

- الديمقراطية والفرد:

لقد أعادت الديمقراطية الاعتبار للفرد وعززت من دوره في الحياة والمجتمع. فقد خضع الإنسان لأشكال متعددة من التسلط التي لم تحترم فردانيته خلال مسيرة الحضارات الإنسانية الذاتية المختلفة باستثناء الحضارة اليونانية. فقد كان الجانب الجماعي طاغياً في المجتمعات القديمة، فالفرد كان يرى نفسه من خلال المجموعة الذي ينتمي إليه، بحيث يتشكل وعيه وأفكاره وممارساته ورؤيته للعالم وعلاقته بالآخرين بناء عليه، ويخضع له في خياراته وقراراته ويحسب له ألف حساب لكل خطوة يقوم بها.. أي كان مستلباً لما يفرضه الآخرين من قيم وممارسات، وعليه اتباعها أو سيكون منبوذاً. ويعود السبب الرئيس للطابع الجماعي القديم هو علاقة الإنسان مع الطبيعة واعتماده عليها كلياً، وهذا يتطلب العمل الجماعي لمواجهة تقلباتها ومشكلاتها. لكن مع ظهور الصناعة تراجعت تلك العلاقة وأصبح الفرد يلعب دوراً مهماً في الإنتاج والابتكار والتطوير وتصنيع حاجياته الأساسية. ومن هنا أخذت النزعة الفردية بالبروز على حساب الجماعية وبرزت خصوصية الفرد والتعددية بشتى أشكالها.

في هذا السياق عززت الديمقراطية من دور الفرد في المجتمع الحديث، وأصبح الركيزة التي يقوم عليها ومفتاح تطوره وتقدمه. فقد حررته من أشكال الخضوع للسلطة بمختلف توجهاتها، حيث تحرر من السلطة الاجتماعية التقليدية ذات الطابع التراتبي التي يخضع فيها الفرد لمن هو أعلى منه مكانة اجتماعية، قد تصل في بعض الأحيان إلى الخنوع التام. وتحرر أيضاً من السلطة السياسية القمعية التي صادرت حقوق الأفراد في التعبير أو المشاركة السياسية في اتخاذ القرار وغيرها، ناهيك عن الممارسات التي لا تقيم وزناً لإنسانية الفرد أو كرامته، وكذلك من السلطة الفكرية التي تخضع الفرد لنمط معين من الأفكار وطرق التفكير التي من غير الممكن أن يتبنى غيرها، ولا يستطيع الفكاك منها أو توجيه أي نقد لها. لقد ألغت الديمقراطية أي شكل من أشكال التسلط على الفرد. ولم تجعل عليه سلطة إلا سلطة العقل فقط، وبذلك حقق الفرد استقلالية تامة عن أي شكل من أشكال التبعية أو الإلزام، خصوصاً فيما يتعلق بالأفكار وطرق التفكير والمعتقدات والآراء السياسية إلخ.. فاستقلالية الفرد تعني استقلالية العقل الذي أصبح حراً في خياراته ويجسد الإرادة الحرة للإنسان في اتخاذ القرارات التي تناسبه بما يتلاءم مع الإطار العام للمجتمع.

ومن جانب آخر تبلورت مع الديمقراطية مسألة هامة وهي حقوق الإنسان التي تجسد جوانب منها تطبيق حقيقي للحريات العامة. فحقوق الإنسان مثل الحق في التعبير والفكر والمعتقد والاختيار واحترام كرامته إلخ.. تدخل في صلب مفهوم الديمقراطية. بل إنّ ظهور الديمقراطية هو الذي ساهم بشكل أساسي في بلورة تلك الحقوق، وتحويلها إلى قوانين مؤسسية يتمتع بها جميع المواطنين في أي مجتمع ديمقراطي، عبر وضعها ضمن الدساتير الديمقراطية التي تنظم المجتمع وتفصل سلطاته وتعطي لكل فرد حقه وكيفية ممارسته وفق القانون.

أما النقطة الأخيرة بشأن الديمقراطية والفرد فهي تتعلق بكون الديمقراطية تعطي للفرد إمكانية تشكيل حياته حسبما يراه مناسباً. فهي أوّلاً تشعر الفرد بأن حياته ليست معروفة سلفاً أو تقوم على المسلمات الجاهزة، وثانياً أنها مسألة تبلور وتشكل باستمرار. فميزة الديمقراطية بما توفره من عقلية حرة ونقدية بأنها تخضع كل شيء للنقاش والنقد والتحليل، ولا توجد فيها أشياء تتوارث ولا تقبل الجدل أو النقد فهي ضد المسلمات الجاهزة التي تعيق التفكير وتجمده. كما أنها تجعل من حياة الفرد تجربة لا تقف عند حد معيّن ومتغيرة باستمرار، بطريقة يستطيع أن يخطط لمستقبله وما يريد أن يحققه في حياته الخاصة، وكذلك في علاقته مع الآخرين. فالديمقراطية تجعل من حياة الفرد، أن جاز التعبير، معملاً للتجارب، ما أن ينتهي من إحداها إلا ويبدأ بواحدة أخرى، ولا تقف هذه العملية عند سن معيّن أو فترة معينة من حياة الفرد.

 

- الديمقراطية والمجتمع:

تعد الديمقراطية من أفضل ما أبدعته عقلية الإنسان في مسيرته الفكرية والثقافية. فهذا الإبداع الفريد أعاد تشكيل بنية المجتمع واستطاع الإنسان من خلال تحقيق تطورات هائلة لم تعرفها الإنسانية، خلال الآلاف السنين من التسلط والعبودية. فخلال أربعة قرون فقط استطاع الإنسان أن يضاعف المعرفة الإنسانية عدة مراة، ويحدث التحولات النوعية واحدة تلو الأخرى من خلال الأنظمة الديمقراطية. فمن خلال الديمقراطية أعاد الإنسان تنظيم المجتمع من جديد، فبدلاً من أن تكون السلطة المطلقة بيد فرد هو الذي يشرع ويحكم ويأمر بالتنفيذ ويختزل المجتمع أو الدولة فيه، حولت الديمقراطية المجتمع من حكم الفرد إلى حكم الشعب وإلى مؤسسات مدنية لكل منها إطارها الذي تعمل فيه، وتمارس من خلالها العملية الديمقراطية. وهي في جوهرها تقوم على نظام سياسي عادل من حيث الحقوق والواجبات بمعنى أن فكرة العدالة أيضاً مرتبطة فيها بشكل دقيق، ولا تقتصر فقط على الحقوق بل على القوانين التي يجب أن تطبق على الجميع، ويستفيد الجميع منها أيضاً، وتكون أساس الممارسات التي تقوم عليها مؤسسات المجتمع المدني.

والديمقراطية وسيلة للرقابة متعددة الأوجه، فهي رقابة على أداء المؤسسة التنفيذية وسير العمل في الدولة أو المجتمع ومحاولة تعديل أي اعوجاج أو تجاوز، ورقابة على المشرعين الذين يصدرون القوانين ويخططون لواقع ومستقبل المجتمع سواء من خلال الوسائل الإعلامية التي كفلتها الديمقراطية، أو الانتخابات الدورية التي تتيح للمواطنين اختيار ممثلين آخرين في حال عدم تحقيق الوعود الانتخابية أو لأيّة أسباب أخرى، أو للرقابة على أسس ومسيرة الديمقراطية نفسها عبر الحفاظ على الحريات الخاصة والعامة، وتعميق الممارسة الديمقراطية والاتجاه لمنح المزيد من الحريات التي تحفظ حقوق الفرد.

وقد عززت الديمقراطية من مبدأ التعايش بين جميع الأفراد وفئات المجتمع وشرائحه المختلفة، بغض النظر عن انتماءاتهم العرقية أو الدينية أو المذهبية أو الثقافية أو غيرها من أشكال التمييز الأخرى. فالدول غير الديمقراطية التي تقوم على أساس مختلفة، تكون مرتعاً خصباً للظلم والتمييز وعدم الاستقرار وغياب التعايش بين الفئات الاجتماعية المختلفة، وقد تحدث فيها مواجهات تصل أحياناً إلى استخدام العنف من قبل بعض الأطراف ضد أخرى. وقد تجاوزت الديمقراطية من خلال مؤسسات المجتمع المدني الفروقات العرقية والدينية والثقافية، وجاءت بثقافة بديلة للثقافات التقليدية والسابقة وهي الثقافة المدنية التي وحدت المواطنين على أسس من الحقوق والواجبات، واستوعبت الفروقات المختلفة فيما بينهم. فقد استبدلت ثقافة التسامح والتعايش السلمي، بثقافة العنف والإقصاء وإلغاء الآخر، إذ ألغت فكرة امتلاك الحقيقة المطلقة والتعصب لها التي تشكل محوراً للتمييز بين فئات المجتمع، وجعلت من معتقدات الأفراد وثقافاتهم مسألة ذاتية تتعلق بالفرد لا المجتمع، وجعلت من الدولة ومؤسساتها بديلاً لكافة الأشكال الاجتماعية التقليدية السابقة، حولتها إلى مظاهر عرضية للمجتمع المدني الحديث. وعززت من قيم التسامح وحق الآخر في الاختلاف وتقبل الآراء والأفكار النقدية بروح من المسؤولية والتراضي.

وينتج عما سبق إقرار المجتمعات الديمقراطية بحقوق الأقليات، وعدم هيمنة الأكثرية أياً كانت منطلقاتها الفكرية أو العقائدية على الأقليات الأخرى. فقد طورت العديد من الدول الديمقراطية إجراءات لا تتعارض مع أسس الدولة لحماية الأقليات والأفراد وإقرار العديد من حقوقها وإعطاء بعضها أشكالاً من الحكم الذاتي، علاوة على محاولات دمجها في مؤسسات المجتمع المدني وإلغاء كافة أنماط التمييز ضدها وتطبيق مبدأ تكافؤ الفرص حتى يتمتع أعضاؤها بالمواطنة بشكل كامل.

ولعل من أبرز ما تقدمه الديمقراطية للمجتمع، وهذا لا يقتصر فقط على الأفراد كما أشرنا سابقاً، هو أنها تجعله في طور التكوّن المستمر والذي لا يقف عند نقطة أو محطة معينة. فهي تفتح آفاقاً عديدة أمام الأفراد للعمل الجماعي لما فيه صالح المجتمع، وتمنحهم الإمكانيات والآليات التي من خلالها يستطيعون تطوير واقعهم وتشكيله بالطريقة التي يرونها مناسبة. فمن أبرز سمات عملية التحديث خلال القرون السابقة هو الدور الذي يلعبه الأفراد أو المجاميع المختلفة، في خلق أسس ومعايير جديدة لمجتمعاتهم، بمعنى أن جميع المظاهر الموجودة في المجتمع هي من صنع الإنسان بما فيها المظاهر الثقافية والفكرية. وقد فتح ذلك المجال أمام التطور المستمر سواء من ناحية علمية أو ثقافية أو اجتماعية أو سياسية وغيرها، بحيث تتم عملية التغيير بشكل تلقائي دون هزات من الممكن أن تمس كيان المجتمع، والسبب في ذلك يعود إلى آلأليات التي توفرها الديمقراطية في شتى مجالات الحياة، التي يتم من خلالها استيعاب التطورات المستمرة مهما بلغ حجمها وتأثيرها. وقد ساعد على ذلك نسبية المعرفة بشتى أنماطها وقابليتها للتغيير والتطور، وغياب الأشكال المطلقة والثابتة فيها.

الديمقراطية إذن جعلت حياة الفرد والمجتمع مفعمة بالمرونة والقابلية للتغيير والتطور، فلا عجب أن نرى أنّ الغالبية الساحقة من البلدان التي تطورت في العالم هي التي تبنت الديمقراطية منهجاً للحياة، أما أكثر المجتمعات تخلفاً فهي التي لا تزال ترزح تحت الدكتاتورية التي همشت مجتمعاتها ومواطنيها.►

ارسال التعليق

Top