• ٢٧ تشرين أول/أكتوبر ٢٠٢٠ | ١٠ ربيع الأول ١٤٤٢ هـ
البلاغ

السيِّدة زينب (عليها السلام).. الصبر والقوّة في الموقف

عمار كاظم

السيِّدة زينب (عليها السلام).. الصبر والقوّة في الموقف

لا شكّ في أنّ العاطفة مقدّسة، ولا إنسانية بدون العاطفة، والحسين (عليه السلام) هو سيِّد الإنسانية في معنى العاطفة، العاطفة التي كان يعيشها في نفسه كأيّ إنسانٍ يقف أمام المأساة، والعاطفة التي كان يعيشها تجاه أُمّته، ولكنّ الحسين (عليه السلام) كأبيه، «قد يرى الحوّل القلّب وجه الحيلة»، وجه الموقف، وجه الجزع، وجه البكاء، ودونها حاجز من أمر الله ونهيه، لأنّ الله يريد له أن يجسّد القوّة في صبره، كما يجسّد القوّة في قتاله، وهذا ما جسّدته زينب (عليها السلام) بقولها: «اللّهُمّ تقبّل منّا هذا القربان»، وتقول في مخاطبة يزيد: «فكِد كيدك، وناصب جهدك، فإنّك لن تمحو ذكرنا، ولن تميت وحينا»، وتقول في مخاطبة ابن زياد: «ثكلتك أُمّك يا بن مرجانة»، فهل زينب التي تتحدّث بهذا الحديث الذي نسمعه، هي الإنسان التي لا شغل لها إلّا البكاء والصراخ وما إلى ذلك؟!

كانت حياة أهل البيت (عليهم السلام) مدرسة من مدارس التقوى والإيمان والجهاد والكفاح، قد وهبوا حياتهم لله تعالى، وأخلصوا كأعظم ما يكون الإخلاص له. إنّ من بين أهل البيت (عليهم السلام) الذين رفعوا كلمة الله عاليةً في الأرض العقيلة الطاهرة زينب (عليها السلام). نشأت (عليها السلام) في بيت النبوّة ومهبط الوحي والتنزيل، وقد غذتها أُمّها سيِّدة نساء العالمين بالعفة والكرامة، ومحاسن الأخلاق والآداب، وعلّمتها أحكام الإسلام، وأفرغت عليها أشعة من مثلها وقيمها حتى صارت صورة صادقة عنها.. كانت السيِّدة زينب (عليها السلام) قمّة العاطفة، ولكنّها كانت في الوقت نفسه قمّة الوعي، لقد كانت شريكة الحسين (عليه السلام) في إدارة شؤون المعركة حتى في كربلاء، قبل أن تنطلق بالسبي إلى الكوفة والشام، وهي التي تركت زوجها في المدينة، وجاءت إلى كربلاء، لأنّها عاشت الزوجية للقضية وللرسالة. لذلك، نحن لا نقول إنّ العاطفة في المرأة تسقط إنسانيّتها، ولكن عندما تكون المرأة في ساحة المعركة وفي ساحة الصراع، عند ذلك لا تكون العاطفة حرّةً في التعبير عن نفسها بما يؤثّر سلباً في ساحة المعركة.

ليس في دنيا الإسلام نسبٌ أرفع، ولا أسمى من نسب السيِّدة زينب (عليها السلام)، فقد تفرّعت من دوحة النبوّة والإمامة، والتقت جميع أواصر الشرف والكرامة. فجدّها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، سيِّد الكائنات، الذي فجّر ينابيع العلم والحكمة في الأرض وأسّس معالم الحضارة والتطوّر، وبنى مجتمعاً كريماً تسوده العدالة والقانون. لقد أرسله الله تعالى رحمةً للعالمين، ومنار هداية لخلقه أجمعين. لقد تشرّفت الدُّنيا بدعوته وتوطدت أركان العدالة بدينه، فهو القائد الملهم لقضايا الفكر والوعي في الأرض. هذا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ونبيّ الرحمة جدّ سيِّدة النِّساء زينب (عليها السلام)، وقد ورثت منه خصائصه ومميزاته، والتي منها الدفاع عن الحقّ، ورفع كلمة الله عالية في الأرض. لقد ورثت (عليها السلام) من جدّها وأبيها العزّة والكرامة والشرف والإباء، فلم تخضع لأيّ أحدٍ مهما قست الأيّام، وتلبدت الظروف، إنّها لم تخضع إلّا إلى الله سبحانه وتعالى. من المزايا الفذّة التي تسلحت بها مفخرة الإسلام، السيِّدة زينب (عليها السلام) هي الصبر على نوائب الدُّنيا وفجائع الأيّام. وكان من أقسى ما تجرعته من المحن والمصائب يوم (الطف)، فقد رأت شقيقها الإمام الحسين (عليه السلام) قد استسلم للموت لا ناصر له ولا معين، وشاهدت الكواكب المشرقة من الشباب صرعى والأطفال يذبحون أمامها. إنّ أي رزية من رزايا سيِّدة النساء زينب (عليها السلام) لو ابتلي بها أي إنسان مهما تذرع بالصبر وقوّة النفس لأوهنت قواه، واستسلم للضعف النفس، وما تمكن على مقارعة الأحداث، ولكنّها صمدت أمام ذلم البلاء الكبير، وقاومت الأحداث بنفس آمنة مطمئنة راضية بقضاء الله تعالى، وصابرة على بلائه، فكانت من أبرز المعنيين بقوله تعالى: (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) (البقرة/ 155-157).

ارسال التعليق

Top