• ٢٦ كانون ثاني/يناير ٢٠٢١ | ١٢ جمادى الثانية ١٤٤٢ هـ
البلاغ

النرجسية الفردية والنرجسية المجتمعية

عماد سامي سلمان

النرجسية الفردية والنرجسية المجتمعية

◄النرجسية هي إحدى أهم اكتشافات فرويد في عِلم النفس. قام بدراسة هذه النظرية وتطويرها "إريك فروم" وهو عالم نفس تحليليّ وفيلسوف، ولد سنة 1900. فالنجرسيّة الأوّلية تظهر عند الجنين والرضيع، بحيث لا تكون له أيّة علاقة مع المُحيط الخارجي، فهو لا يميِّز بين ذاته وغير ذاته. فالحقيقة الوحيدة الموجودة عنده هي جسده، وأحاسيسه، وحاجاته الفطرية، ولا يكون العالم الخارجي موجوداً بالنسبة إليه. يقول فرويد في هذا المجال "وهكذا تُمثِّل الوِلادة انتقالاً من نرجسيّة مُكتفيَة بذاتها، إلى إدراك عالَم خارجي مُتحوِّل، وإلى أوّل اكتشاف للأشياء المحسوسة". ويتابع فرويد فيقول "يبقى الإنسان نرجسيّاً إلى حدٍّ ما، حتى بعد أن يجد أشياء خارجية ملموسة يوجِّه اللّبيدو نحوها". "هكذا يمكن تحديد النرجسية في المعجم الفرويدي على أنّها انتقال من حالة النرجسية المطلقة، إلى القُدرة على التفكير موضوعيّاً والشعور بِحُبّ كامل نحو الأشياء المحسوسة، وهي قدرة لا تتعدّى أبداً حدوداً مُعيّنة".

  - النرجسيّة الفردية: النرجسية تعني حبّ الذات أو الأنا، وهي موجودة في كلّ شخص منّا لكن على مستويات مُتفاوِتة. يقول فروم في كتابه جوهر الإنسان: "إنّ شخصاً يمكن وصفه بأنّه (ناضج) أو (طبيعي) هو الذي الذي انحصرت نرجسيته ضمن نِسَبٍ مقبولة اجتماعياً، إنّما من دون أن تختفي تماماً". فالنرجسيّة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالأنا، فكلّما زادت النرجسية، كَبُرَتْ الأنا والعكس صحيح. فقِلَّةُ النرجسية عند صاحبها تجعل منه إنساناً من صِنف الأولياء والقديسين، وكثرتها عنده تجعله من صنف المجانين. لابدّ من أنّ معظمنا قد صادف أشخاصاً في حياته لهم المواصفات ذاتها – بِنسَبٍ متفاوتةٍ – للنرجسي كالتي سَنوْرِدها: -        النرجسيُّ هو الإنسان الذي لا يتقبَّل أي نوعٍ من النقد الذي يوجَّه إليه. لا يهتمُّ بآراء الغير. -        يَعتبِر أنّ حقيقة الوجود تنتهي عند حدود منطق عقله فقط. -        هو الذي يمتلك الحقيقة والرأي الصواب. -        يظنُّ أن غيره جاهل، ولا يفهم. -        عندما يُوَجَّه إليه انتقادٌ ما، يفعل واحداً من شيئين: إما تجاهُل الانتقاد وإفراغه من قيمته. أو يتحوَّل إلى ذئب كاسر في ردّة فعله، حتى لو كان هذا النقد إيجابياً. -        في حال فشَله، يضع كلّ اللَّوم على الآخرين. -        في حالِ انتصار المجموعة التي يعمل معها – أو يقودها – يُجَيِّر هذا الانتصار إليه وحده. -        إنّه إنسان مُعجبٌ بنفسه لدرجة الجنون. -   عندما يتحدَّث النرجسيُّ إلينا، يستفيض بسرد أخباره الخاصة التي لا تهمّ أحداً غيره أو يتحدث عن جماله، ثروته، سياراته، انتصاراته، قوّته الجسدية، ذكائه، عبقريّته، أو تفوّقه على الآخرين... إلخ. وعندما يحينُ دورنا بالكلام (في حال ترك لنا هذه الفُرصة) يكون صَمْتُهُ لتجميع الأفكار التي ينوي قولها لنا بعد أن نُنهِي جملتنا، وليس ليسمعنا. -        "فالنرجسيُّ لا يُقدِّر أيَّ شيءٍ خارجاً عنه، ويُبالغ إلى حدٍّ كبيرٍ في كل شيء يعتبره جزءاً منه". -   حين يمرّ النرجسي بسياراته على طريق ضيِّق باتجاه عكسي للسير ويُصادف سيارة تمر بالاتجاه الصحيح المعاكس له، لا يتقبَّل فكرة الرجوع إلى الخلف للسماح للسيارة القادمة بالمرور، فيطلب من سائقها الرُّجوع إلى الخلف وبدون كَلَلٍ حتى لو أدى هذا الموقف إلى القتل.   - النرجسية المجتمعيّة: إنّ النرجسية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالـ"أنا" والعكس صحيح. ويمكن للنرجسي أن يحوِّل الأنا الفردية إلى الأنا المجتمعيّة، خاصّة عندما يُصاب بالإحباط. فالإفلاس بالمُراهنة على (أناه) الفردية، يُحوِّل النرجسي عبادة (أناه) الفردية إلى عبادة (أناه) المجتمعية (ونعني بالمجتمعية الأنا القومية، القبلية، العشائرية، الدينية، العِرقية الطائفية، الجنسية، والعُنصريّة... إلخ). يشَبِّه إريك فروم في كتابه "جوهر الإنسان" عوارض النرجسية الفردية إلى النرجسية الجماعية، حيث تنتقل "عدوى" هذا المرض إلى الجماعة. فالعُنف ونزعة الثأر هِيَ هِيَ عند النرجسية الفردية أو المجتمعية، فيقول في هذا السياق: "إنّ البُلدان التي تَمَّ تدنس رايتها أو إهانة زعيمها، غالباً ما يجتاحها تَعطُّشٌ شديدٌ للثأر يقود إلى حروبٍ جديدة. لكي يلتئم الجرح الذي أصاب النرجسية، يجب سحق المُعتدي لإلغاء الإذلال الذي تَسَبَّب به. إنّ أعمال الثأر، فدية كانت أم قومية، غالباً ما تنبع من حاجة لتضميد جُرحٍ نرجسيٍّ من خلال إبادة مُسَبِّبه". فعندما لا يتبقى لي أيّ شيء يمكنني أن افتخر به في ذاتي، يتملَّكني خوف عظيم من عدم تَمَكُّني من عِبادة ذاتي الفردية، أي الأنا الفردية، أتعلَّق بأيِّ شيءٍ يُشعرني بالانتماء، فأجَيِّر طقوس عبادة الأنا الفردية إلى عبادة عَشيرتي، طائفتي، عِرْقِي،...، وحتى عِبادة فريقي الرياضي المُفَضَّل لديّ. من هنا، تبدأ فكرة التعصُّب الأعمى وعدم تقبُّل الآخر. تتحوَّل فكرة: "انا الأفضل، الأقوى، الأذكى،..." إلى فكرة: "نحن الأفضل، الأقوى، الأذكى،..." من ثُمَّ إلى الأفكار التالية: نحن الأفضل وهُم الأسوأ نحن على حقٍّ وهُم على باطِل نحن إلى الجنّة وهُم إلى النار نحن الخير وهُم الشر نحن... وهُم...   وبما أنّنا نكرَه السوء، الباطل، والشر، فإننا نكرههم ونُحارب الشر بمحاربتهم وتدميرهم. وبما أننا (كلّ شيء)وهُم نَكِرَة (لا شيء). فبالنسبة لنا – كنرجسيِّين – يصبح قتل أطفال أعدائنا عملاً بطوليّاً، وبالتالي، قَتْلُ أعدائنا لجنودنا عملاً إرهابياً، وجريمة حربٍ من الدرجة الأولى. إذا شعر النرجسي بخطرٍ ما يُهدِّد نرجسيّته الفردية أو المجتمعيّة، يتملّكه هلعٌ شديدٌ على أناه التي لا يَملك غيرها، فيُدافع عن "كلّ ما يملك" بـ"كلّ ما يملك أو لا يملك" ومن دون رادعٍ أو وازع، ولا ينتهي به الأمر إلا بتدمير خصمهِ أو تدمير نفسهِ. يُقابل تعلٌّق النرجسي بعقيدته كُرْههُ لكلِّ عقيدةٍ أخرى. وكُلّما زاد الإعجاب المرضي بالـ"أنا"، زاد الخوف على فدانها، وبالتالي زاد النرجسيّ ضراوة في الدفاع عنها مهما كلَّف الأمر من تضحيات. ففكرة "أنا على حقّ وأنا من يجب أن يعيش، وغيري على باطل مصيره المحتوم الموت" تؤدِّي في النهاية إلى نزعة عُنف مبرَّرة وناضجة، لدرجة لا يمكن للنرجسي أن يرى نتائجها المدمِّرة والظالمة على غيره. ففي التاريخ القديم والحديث، مرَّت وتمرُّ حروب دينيّة، طائفيّة، مذهبيّة، عنصريّة، وقوميّة، تخلَّلتها أبشع أنواع المجازر (الدفاعيّة) و(الوقائيّة)... و(المُبرَّرة دائماً). لقد كان المحرِّك الأساسيّ لهذه الحروب، قادة نرجسيُّون ساهموا من خلالها بالكثير من الويلات للبشريَّة جمعاء.►   المصدر: كتاب (مِن مُسَيَّر.. إلى مُخَيَّر/ كيف ننتصر في معركة الحياة)

ارسال التعليق

Top