• ٢٧ تشرين أول/أكتوبر ٢٠٢٠ | ١٠ ربيع الأول ١٤٤٢ هـ
البلاغ

حوارية نهاية الصيف

نعيم محمّد الغول*

حوارية نهاية الصيف

كانوا يجلسون حول طاولة، وكانت وجوههم شاحبة، وكانت الحرارة والرطوبة تزيدان من استرخاء أجسادهم، كانت الريح تهب بعنف في الخارج، ومثل كلّ شيء في الخريف كانت تحمل في ثناياها حرارة الصيف وبرودة الشتاء.

الأوّل باكتئاب: سينتهي هذا الصيف كما انتهى الصيف الماضي وما قبل الماضي... ولا شيء يحدث.

تمطى الثاني في كرسيه بلا مبالاة وقال: لا أدري لِمَ نتدخل في مجرى الأشياء؟! لِمَ لا نتركها وشأنها؟: عندها يسير كلّ شيء بانتظام – هذا الصيف سينتهي فلم نبحث عن حدث جديد؟!.

هتف الثالث بتقزز: ليكن، ما يضير لو مضى هذا الصيف؟ وما يضير لو بقي كلّ شيء على ما هو عليه؟!.

الأوّل: وظل الكآبة يتمدد في صدره: ولكنكما لم تلاحظا الأوراق التي بدأت تصفر وتؤذن بالسقوط! وكذلك الريح الباردة الجافة التي تهب.. إنّها تخلخل كلّ شيء، في نهاية الصيف الماضي حدث ذلك أيضاً.. ولكن لم يحدث شيء آخر بالأهمية نفسها.

علّق الثالث ساخراً: ماذا تتصور أن يحدث؟ أكنت تريد أن ينفخ أحد ما أو جماعة ما فتخرج ريح بحجم هذه الريح، وتقتلع وتدمر مثلما تفعل هذه الرياح؟

الثاني: ضاحكاً: ... أظنني أرى جانباً طريفاً في هذه المسألة! لنفترض أنّ ريحاً واجهت هذه الريح، أوّلاً لنعترف بأنّ مثل هذه الريح لم تهب وبهذه القسوة على بلادنا منذ ثلاثين أو أربعين عاماً على الأقل – كما يروي آباؤنا – والطريف في الأمر أنّ هذه الريح العنيفة المدمرة ستواجهها ريح تعيد ما دمر قه.. قه.. قاه هذه الريح تقتلع وتأتي الأخرى فتزرع.. يا للروعة ويا للجمال!!.

الأوّل وقد انحسر ظل الكآبة عنه قليلاً: عظيم! لقد وضعت يدك على الجرح!.. مع أنّ هناك افتراضاً آخر وهو أنّ الريح التي تقتلع قد تزرع أيضاً.. لكن لننس هذا، أو أن نتتبع مصدر الريح الرهيبة هذه، أنا أتصور أنها تخرج من هوة ما أو فتحة ما أو ربما تكون هناك مروحة عملاقة تدفع بها إلى هنا.. إذن لِمَ لا نسد هذه الفتحة ونستريح؟!!

الثاني يصفّق جذلاً: أجل.. أجل "الباب الذي يأتيك منه الريح أغلقه واستريح".. رائع.. يا للجمال.

الأوّل ممتعضاً: ليست أبوابنا المطلوب دائماً إغلاقها بل الفتحات يا فصيح.

الثاني بإصرار: .. ولكن ماذا لو أنّ رياحاً أخرى جاءت.. هل سنقضي العمر بحثاً عن الفتحات لنسدها؟.

الأوّل بشرود: هذا خراب.. كلّ شيء أصبح خراباً.. ولا شيء يحدث.. ريحٌ تأتي.. ريح تذهب. صيف يقدم.. صيف يمضي.. يا لهذا الإيقاع..!!

الثاني: .. سأقول لكم ما ينبغي أن يحدث.. ولعق شفتيه وقد بدأت يتلذذ بالتقاط الخيط العبثي للحوار: بدلاً من البحث عن الفتحات وسدّها، أو الانتظار حتى تأتي ريح أخرى، ثمّ نبحث عن فتحاتها ونسدها ونبقى ضمن هذه الدائرة، علينا أن نبني مراوح ضخمة ومتينة.. عندئذ لن تأتي الريح إلينا، بل نحن الذين سنصدر الريح للخارج؟.. ثمّ هتف مداعباً: ولكن تذكروا.. هذه المراوح يجب أن تكون من صنعنا.. لقد سئمنا المراوح المستوردة.. هه ها.. ها.

الثالث وهو يحك رأسه مفكراً: وسيأتي آخرون ليحطموا كلّ مراوحنا ويسدو الفتحات عندنا ونعود من حيث بدأنا.

الأوّل باهتمام: إذن علينا أن نبحث عن حل! أقول لكم جاداً: نريد حلاً؟؟

الثالث بلا مبالاه: لا طائل من وراء ذلك.

الأوّل يهز رأسه معترضاً: بلى.. لابد من حلّ.

الثاني: ولماذا نفكر في حلّ؟ اسمعا، التفكير طاقة.. طاقة ذهنية.. وإذا خرج من الذهن إلى اللسان تحول إلى طاقة حركية – أي كلام – .. والكلام إذا خرج من الفم تبدّد وضاع.. فلماذا نفكر؟ أقول ببساطة: علينا أن نستعد لشتاء قارس.. آه.. تذكرت، يجب أن أذهب لشراء بعض الملابس الشتوية.

(يمضي.. ويبقى الاثنان وحدهما).

الأوّل: .. لقد ذهب.. وهذا الصيف ذهب.. وريح تأتي وريح تذهب.. ولا شيء يحدث.. لا حل.. لا حل..

الثاني ناهضاً: سنتعب رؤوسنا بالبحث عن حل، لِيَسرْ كلّ شيء على الطريقة التي جئنا ووجدناها عليها! كلُّ ما نستطيع فعله – هو إجراء إصلاحات بسيطة، ويمرّ الصيف والشتاء والخريف... و... آه بمناسبة الإصلاح.. عليَّ أن أذهب لأقوم ببعض الترميمات والإصلاحات في البيت.

(يمضي.. ويبقى الأوّل وحيداً).

تمتم ورأسه بين يديه وهو يستمع للريح تعوي من بين الأشجار، ورعشة آخر الصيف تنتابه.. لقد ذهب.. والصيف ذهب.. وليس من حلّ.. وهذه الريح ستبقى تعبث بنا.. إلا إذا.. إلا إذا.. ونظر إلى الكرسيين الخاويين.. إلا إذا أُشْغِلَ الكرسيان!!.

 

* قاص إسلامي فلسطيني

المصدر: مجلة المجتمع/ العدد 1447 لسنة 2001م

ارسال التعليق

Top