• ٢٤ تشرين أول/أكتوبر ٢٠٢٠ | ٧ ربيع الأول ١٤٤٢ هـ
البلاغ

دور السلام والنصيحة في تمتين العلاقات الاجتماعية

الشيخ محمد مهدي الآصفي

دور السلام والنصيحة في تمتين العلاقات الاجتماعية
◄النصيحة من المصطلحات الإسلامية التي تنطوي على عمق مفهومي في الفكر العقائدي والسياسي والاجتماعي. ومن المؤسف أنّ هذا المفهوم الإسلامي العميق فقد محتواه في الفكر الإسلامي المعاصر، ولم يبق له من محتواه غير المحتوى (الوعظي) وهو بعد من أبعاده بالتأكيد، ولكن ليس كل أبعاده.   الأبعاد المتعددة للنصيحة: ونجد في النصوص التالية دلالة واضحة على الأبعاد المتعددة للنصيحة: 1-    عن رسول الله (ص): "الدين النصيحة، قيل لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولرسوله، ولأئمة الدين، ولجماعة المسلمين". 2-    وعنه (ص): "من لا يهتم بأمر المسلمين فليس منهم، ومن لم يصبح ويمس ناصحاً لله ولرسوله ولكتابه ولإمامه، ولعامّة المسلمين فليس منهم". 3-    وعنه (ص): "من يضمن لي خمساً أضمن له الجنة: النصيحة لله عزّ وجلّ، والنصيحة لرسوله، والنصيحة لكتاب الله، والنصيحة لدين الله، والنصيحة لجماعة المسلمين". والنصيحة لله وللرسول ولكتاب الله هي البعد الاعتقادي في هذا المفهوم. والنصيحة لأئمة المسلمين هي البعد السياسي للمفهوم. والنصيحة لجماعة المسلمين في البعد الاجتماعي للمفهوم. فقد استحدث الإسلام مفاهيم وتصورات، واستحدث لها مصطلحات، وربط بها التصور الإسلامي الشامل للعقيدة والسياسة والمجتمع، فلا نستطيع أن نأخذ صورة متكاملة عن العقيدة والسياسة والمجتمع إلا من خلال هذه العناصر التي تشكّل أصول الفكر الإسلامي... ومن هذه المصطلحات والمفاهيم مصطلح "النصيحة". وسوف نجد فيما يأتي – إن شاء الله – عمق هذا المفهوم في الفكر الإسلامي.   العلاقة المتبادلة بين الأفراد والعلاقات الاجتماعية: إنّ سلامة الإنسان بسلامة خطوط العلاقة والارتباط التي تربطه بالآخرين، وكلما تكون العلاقة أسلم يكون حال الإنسان أفضل وأسلم، ولذلك فإن لشبكة العلاقات التي تربط الفرد بالآخرين أهمية كبيرة في سلامة الإنسان واستقامته وسعادته، حتى إننا نستطيع أن نقوّم الإنسان بعلاقاته وصلاته وارتباطاته. فإذا كانت علاقات الإنسان بالآخرين قائمة على أساس العدل والانصاف والتعاون والإيثار والمحبة، كان الإنسان صاحب هذه العلاقات سعيداً مستقيماً في حياته، وإذا كانت علاقته بالآخرين قائمة على أساس الاستئثار والعدوان والخداع والمكر، كان الإنسان قلقاً معذباً بهذه العلاقة. كما يصحّ العكس أيضاً، فكلّما يكون الإنسان صالحاً تكون علاقاته بالآخرين صالحة وقائمة على أسس صحيحة وأخلاقية، وكلّما يكون الإنسان خبيثاً ومنطوياً على نية السوء وسوء السريرة فإنّ علاقاته بالآخرين أيضاً تتصف بالخبث والمكر والسوء والعدوان. إذاً بين الإنسان وعلاقاته بالآخرين علاقة متبادلة يؤثر كل منهما بالآخر فيشقى الإنسان بسوء العلاقة، كما تسوء علاقة الإنسان بالآخرين بشقائه وخبثه. ولذلك يهتم الإسلام اهتماماً بليغاً بأمر نسيج العلاقات الذي يربط الإنسان بالآخرين، ويسعى لترتيب هذا النسيج، بكل ما يمكن في حياة الإنسان وعلاقاته من متانة وقوّة ومودة ومحبّة وتفاهم.   الخط الطولي والعرضي في نسيج العلاقات الإنسانية: إنّ للإسلام نظرية متكاملة وتصوراً دقيقاً وشاملاً في العلاقات الإنسانية، وهذه النظرية هي قانون "الولاء"، ولا نعهد هذا الفهم والتصور لشبكة العلاقات الإنسانية بهذه الصورة في غير الإسلام. وهذه الشبكة التي يسميها الإسلام بـ"الولاء" شبكة شاملة وواسعة وقوية ومتينة تشمل كل العلاقات التي تربط الإنسان بالخارج، من دون استثناء تقريباً، وهذه العلاقات ذات اتجاهين: اتجاه طولي (عمودي): يشكل امتداد السلطان الشرعي لله تعالى، ولرسوله، ولأوليائه أئمة المسلمين على الإنسان، وسلطان الإنسان على من يلي أموره من المسلمين وعلى نفسه، وهذا الخط ينتظم على شكل حلقات متسلسلة ومترابطة ومتماسكة من الولاية والسلطان الشرعي في حياة الإنسان، وينتهي إلى ولاية الله تعالى وسلطانه على كل شؤون الإنسان. وذلك قوله تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) (المائدة/ 55). وقوله تعالى: (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ) (النساء/ 59). وهذا هو "الاتجاه الطولي" من اتجاهي الولاء. والاتجاه الآخر هو الاتجاه العرضي (الأفقي) في ارتباط المؤمنين، بعضهم ببعض، في الأمة الإسلامية، وذلك برابط الأخوة والتعاون والتفاهم وحسن الظن، والمحبة، والمودة والتناصر. وذلك قوله تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) (التوبة/ 71). وقوله تعالى: (وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ) (الأنفال/ 72). وهذا الاتجاه من النسيج يستوعب علاقات المؤمنين بعضهم ببعض في نسيج قوي، ومتين من المحبّة، والمودة، والتناصر والتعاون وحسن الظن. ومجمل هذين الاتجاهين في هذا النسيج هو "الولاء" يستوعب كل علاقات الإنسان بغيره بصورة شاملة ومستوعبة تقريباً، ويُنظمها ويُقيمها على أصل صحيحة. وسلامة هذا النسيج تؤدي إلى سلامة الإنسان واستقامته وسعادته، كما أن ضعف هذا النسيج واختلاله يؤدي إلى اختلال حياة الإنسان وانحرافه. وقد وضع الإسلام صورة متكاملة من الأصول والنظريات والقوانين لسلامة هذه (الشبكة) وحمايتها من الضعف والاختلال. ونحن فيما يلي نشير إلى بعض هذه القوانين بقدر ما يربطنا بهذا البحث، ونحيل الباقي إلى موضعه من بحث (الولاء).   السلام والنصيحة: (السلام) و(النصيحة) هي أهم العناصر التي تكوّن هذا النسيج العجيب الذي يربط الإنسان بالله وبأولياء الله وبعباد الله، وهما يعتبران وجهين مختلفين لهذه الآصرة الإلهية. والسلام هو الوجه السلبي لهذه الآصرة، و"النصيحة" هي الوجه الإيجابي لها، وهما معا يعتبران وجهي هذا النسيج الذي تتشكل منه شبكة الولاء، فإنّ (السلام) يأتي بمعنى: (الأمن من العدوان والسوء بمختلف وجوهه، في الحضور والغياب، وفي النفوس والأموال والاعراض، وباللسان واليد). ومعنى السلام في العلاقة: تطهير العلاقة التي تربط الإنسان بغيره في الاتجاهين السابقين (العمودي والأفقي) من كل نية سوء وعمل سوء وعدوان وخبث ومكر وكيد، وسوء ظن وإيذاء وإضرار. وبناء العلاقة على أساس الأمن من كل سوء وعدوان، وهذا هو الوجه السلبي للعلاقة. والوجه الإيجابي للعلاقة هو (النصيحة). ولابدّ مع وقفة قصيرة عند الجذور اللغية لهذه الكلمة، نستطيع بعد ذلك أن نلتمس ما حمّل الإسلام هذه الكلمة من مفاهيم وتصورات.   الجذور اللغوية للنصيحة: عند مراجعة كلمات أهل اللغة في معنى (النصيحة) نخرج بنقطتين تعيناننا على فهم الجذور اللغوية لهذه الكلمة: 1-    قال ابن منظور: "نصح الشيء: خلص، والناصح: الخالص، وكل شيء خلص فقد نصح". 2-    وقال أيضاً: "النصح: نقيض الغش". وقال في الغش: "هو مأخوذ من الغش: المَشرَبُ الكدر، وغشَّه: لم يُمحضه النصيحة". 3-    وقال ابن الأثير في النهاية: "النصيحة: كلمة يعتبر بها عن جملة هي إرادة الخير للمنصوح". ففي اللغة تأتي النصيحة إذاً بمعنى: 1-    طلب الخير للآخرين. 2-    تمحيص العلاقة وتخليصها من كل ما يشوبها من الغشّ لئلّا يكون ظاهر العلاقة حسناً وهي تستبطن السوء والشر والمكر. وهاتان نقطتان تنفعاننا في فهم معنى النصيحة وما حمّلها الإسلام من مفاهيم وتصورات.   التحليل العلمي لكلمة النصيحة: يصعب إعطاء تحليل علمي لهذه الكلمة، لأنّه لم يسبق لهذه الكلمة، في الدراسات الإسلامية تحليل وتحديد علمي دقيق يمكن اعتماده، رغم أهمية هذه الكلمة ودورها الواسع في شبكة العلاقات الإنسانية في الإسلام. ورغم ذلك فإننا نحاول أن نقوم بتقديم تحديد علمي ينطوي على بحث تحليل لهذه الكلمة، من خلال الأوليات التي بين أيدينا ومن خلال المفهوم اللغوي والمصطلح الشرعي الاجمالي الذي يتبادر إلى أذهاننا من هذه الكلمة. وفيما يلي نستعرض طائفة من كلمات المفسِّرين في معنى كلمة (النصح) لنستطيع بعد ذلك وفي ضوئها ما تقدم من كلمات أهل اللغة إعطاء صورة دقيقة تحليلية لهذه الكلمة: 1-    يقول الراغب الاصفهاني في مادة (النصح) من كتابه القيِّم (المفردات): النصح: تحرّي فعل أو قول فيه صلاح صاحبه... وهو من قولهم نصحت له الود: أي أخلصته: وناصح العسل، خالصه. أو من قولهم: نصحت الجلد: خطته، والناصح: الخياط، والنصاح: الخيط، وقوله: (تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا) (التحريم/ 8)، فمن أحد هذين إما الاخلاص وإما الإحكام. 2-    وقال قاضي القضاة ابن السعود (ت 951هـ) في تفسيره: "النصح": كلمة جامعة لكل ما يدور عليه الخير من قول أو فعل، وحقيقته إمحاض إرادة الخير والدلالة عليه، ونقيضه الغش. 3-    وقال الزمخشري في (الكشاف): يقال: نصحته ونصحت له، وفي زيادة اللام مبالغة ودلالة على إمحاض النصيحة، وأنّها وقعت خالصة للمنصوح له، مقصوداً بها جانبه لا غير. 4-    ويقول القرطبي في تفسيره: النصح: إخلاص النيّة من شوائب الفساد في المعاملة، بخلاف الغش. 5-    ويقول الطبرسي: النصيحة إخلاص النية من شائب الفساد في المعاملة. 6-    ويقول النيسابوري: وحقيقة النصح: الارشاد إلى المصلحة مع خلوص النية من شوائب المكر. 7-    ويقول الرازي في تفسيره الكبير: وحقيقة النصح: الإرسال إلى المصلحة مع خلوص النية من شوائب المكروه. 8-    وقال صاحب تفسير المنار: الأصل في النصيحة بأن يقصد بها صلاح المنصوح لا الناصح، فإن كان في فائدة منها وجاءت تبعاً فلا بأس، وإلّا لم تكن النصيحة خالصة. وقال أيضاً: النصيحة والنصح: تحرّي ما يصلح به بين اثنين، ويكون خالياً من الغشّ والخلل والفساد. ومنه تعلم أن من النصح لله ولرسوله في هذه الحالة: كل ما فيه مصلحة للأُمة، ولا سيما المجاهدين منها، من كتمان للسر، وحث على البر، ومقاومة خيانة الخائنين في شتى أوجهها. فالنصح العام من الأركان المعنوية للإسلام، به عزّ السلف، وبزواله وبتركه ذلّ الخلف وابتُزّوا. 9-    وقال المراغي في تفسيره: والنصح: الارشاد إلى مصلحة مع خلوص النية من شوائب المكر. 10-                        وقال صاحب تفسير الميزان في قوله تعالى: (أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ) (الأعراف/ 68): أي لا شأن لي بما أني رسول إلّا تبليغ رسالات ربي خالصاً من شوب الظنون من كوني كاذباً، فلست بغاش لكم فيما أريد أن أحملكم عليه، ولا خائن فيما أريده منكم من التدين بدين التوحيد، فهو الذي أراه حقاً، وهو الذي فيه نفعكم وخيركم. هذه طائفة من كلمات العلماء في تفسير (النصيحة). ونرجح أن يكون (النصح) و(النصيحة) من الخلوص والاخلاص، وليس من الإحكام، وهو أحد المعنيين اللذين يذكرهما الراغب في المفردات، وأشهرهما في كلمات المفسرين وأهل اللغة، وأشبههما بموارد استعمال هذا المصطلح الإسلامي. وعليه فتتألف النصيحة من جملتين تكاد تتفق عليهما كلمات المفسرين وعلماء اللغة، باختلاف يسير في التعبير؛ هما: 1-    تحرّي الخير والصلاح للآخرين، وإرادة الخير لهم في القول والعمل، وتنظيم العلاقة معهم على هذا الأساس. 2-    تخليص العلاقة والتعامل مع الآخرين من كل شائبة سوء، وتمحيص النصيحة في العلاقة والتعامل. وهذا التخليص والتمحيص يقع في مقابل (الغش)، وهو أن يتظاهر الإنسان بالنصيحة للآخرين في تعامله معهم في الوقت الذي تستبطن هذه العلاقة نية السوء والشر وتسمى هذه الحالة عادة بالغش. وهاتان الجملتان تظهران بصورة أو بأخرى من كل الكلمات التي سبقت في تعريف النصيحة، وفيما يلي نحاول – إن شاء الله – أن نحلّل كل واحدة من هاتين الجملتين بصورة علمية، لنصل إلى تحليل وتعريف شامل لمفهوم (النصيحة) ونبدأ بدراسة تحليلية لكل من هاتين الجملتين:   1-    إرادة الخير: العنصر الأوّل في النصيحة (إرادة الخير) وهو معنى واسع، له تطبيقات مختلفة: فقد يكون مصداق الخير هو (المصلحة) وقد يكون مصداق الخير هو الرضا فقط. والنصيحة هي ابتغاء المصلحة للآخرين، أما بالنسبة إلى الله تعالى فهي ابتغاء مرضاته سبحانه، فإنّ الله غني بذاته لا يحتاج إلى شيء، ولا يغنيه شيء، فهو الصالح الغني بذاته، ولا حدّ لغناه وصلاحه والنصيحة بالنسبة إليه تعالى هو ما يرتضيه تعالى من عباده من قول أو عمل. وبذلك تتميز (النصيحة) عن (السلام) بشكل واضح، فإنّ (السلام) هو عدم إرادة السوء والشر للآخرين، والنصيحة هي حبّ الخير وإرادته لهم.►     المصدر: مجلة رسالة الثقلين/ العدد 10 لسنة 1994م

ارسال التعليق

Top