• ١٩ حزيران/يونيو ٢٠٢١ | ٩ ذو القعدة ١٤٤٢ هـ
البلاغ

قصص تربوية هادفة في الهِمَم العالية والواطئة/ ج(1)

أسرة

قصص تربوية هادفة في الهِمَم العالية والواطئة/ ج(1)
 القصّة الأولى "المطالب العالية!!" 1- جاء في أخبار موسى (ع) وقصصه أنّه بعد أن انتقلَ من مصر إلى فلسطين (الأرض المقدّسة)، راحَ يبحثُ عن قبرِ الصِّدِّيق يوسف (ع)، ولمّا أعياهُ البحث ولم يجد مَن يدلّهُ عليه، التقى بامرأةٍ عجوزٍ مخضرمة (عاشت في زمن يوسف وموسى)، فسألها: أتعرفين يا أمةَ الله قبرَ يوسف الصدِّيق؟ فقالت: نعم. قال (ع): دلِّيني عليه. قالت العجوز: نعم، ولكن بشرط. قال موسى (ع): ما هو شرطك؟ قالت: "أن أكون معكَ في الجنّة"! فشرطَ لها ذلك، أي وعدها وعداً حقّاً وصدقاً أن تكون رفيقته في الجنّة!!   - الدروس المُستخلَصة: إمرأة عجوز بالية، لكنّها ذات عقل راجح، وأفق واسع، وهمّة عالية، لقد قالت بلسانِ حالها، ها هي الفرصة الثمينة قد أتت، وها هو رسول الله مَن يقدر على تلبيتها، فاطلبي العالي والغالي أيّتها العجوز، فطلبت الجنّة، وهكذا تكون الهمم الكبيرة لا تطلب إلّا الطلبات العالية. والجدير بالذِّكر، أنّ النبي (ص) الذي نقلَ القصّة، كان قد عرض على أحدهم أن يكافأه، فطلبَ منه مئة رأس من الإبل، فقال (ص): ما باله لم يطلب أكثر من ذلك، ماذا لو تعلّم من عجوز موسى، وحكى الحكاية. 2- وإليك قصّةً مشابهة: خدمَ (ربيعةُ بن كعب) رسول الله (ص) سبع سنين، فقال له رسول الله (ص) ذاتَ يوم: يا ربيعة! خدمتني سبع سنين، أفلا تسألني حاجة؟ فقال ربيعة وقد سرّهُ العرضُ النبوي: أمهلني يا رسول الله حتى أفكِّرْ!! فلمّا أصبح صباحَ ذلك اليوم، دخَل (ربيعةُ) على النبي (ص)، فاستقبله النبي (ص) بابتسامته العذبة وسؤاله: يا ربيعةُ! هاتِ حاجتَك؟! فقال ربيعة وهو ممتلئٌ ثقة أنّ حاجته ستُلبّى لأنّها من عند رسول الله (ص)، أكرم خلق الله على الإطلاق: (تسألُ اللهَ أن يُدخلني معكَ الجنّة يا رسول الله!!). فقال (ص): مَن علّمكَ هذا؟ فقلتُ: يا رسول الله! ما علّمني أحد، فكّرتُ في نفسي، وقلت: إن سألتُه مالاً كان إلى نفاد (انتهاء)، وإن سألتُه عُمراً طويلاً وأولاداً كان عاقبتهم الموت! فنكّس (خفض) رسول الله (ص) رأسهُ ساعةً، ثمّ قال: "أفعلُ ذلك، فاعنِّي بكثرةِ السجود"!   - الدروس المُستخلَصة: 1- (ربيعةُ) لم يتعلّم من عجوز موسى، لكنّه فكّر وأعملَ عقله، ووازنَ، ورجّحَ، فرجحَ لديه ما لا يرجح عليه شيءٌ وهو (الجنّة)، ولذلك سأله (ص) عمّن علّمه ذلك، إعترافاً منه (ص) بذكاء وعلوُّ همّة (ربيعة). 2- أنظر إلى مقارنة ربيعة بين (النوافِد) اللّواتي ينتهينَ فلا يبقى منهنّ شيء؛ كالمال، والأولاد، والعمر، وبين (الأوابِد)؛ وهي الجنّة، ونعيم الرِّضوان، ورفقة النبي المصطفى وآله (ع). فابحث عن (الخالِد) ولا تقف مسمّراً عند حدود (النّافِد).   القصّة الثانية "باعدتُ بينَهُم هِمَمُهُم!!" سُئلت زوج النبي أم المؤمنين (أمّ سلمة) (رض) ذات مرّة: لماذا تفرّقت قبورُ أولادكِ في الأرض يا أمّ المؤمنين؟! (أي أنّ كلَّ ولدٍ دُفِنَ في بلد). فقالت: "لقد باعدت بينهم الهِمَم"!! أي كانوا طموحين، وذوو أهداف عالية كبيرة، فلم تسعهم مدنهم التي كانوا فيها، فهاجروا في أرض الله الواسعة، وسعوا في مناكبها طلباً لرزقه الواسع الحلال، ولمّا وافتهم المنايا (موت كل واحد منهم)، دُفِنَ حيث استقرّت به بلاده التي رحل إليها.   - الدروس المُستخلَصة: 1- الهمّةُ: روحٌ عاليةٌ لا تقعد بصاحبها عند المطالب الصغيرة، والأمنيات الجزئية، أو بما حازهُ الأقرانُ (الأصحاب) من أهداف قريبة. هي طاقةٌ ضخمةٌ، وزخمٌ كبيرٌ ينهضُ بصاحبه لينيله أعلى المراتب، وأغلى المطالب. 2- "لقد باعدت بينهم هِمَمُهُم"! تعبيرٌ غايةٌ في الدلالة والروعة، فالأُمّ العاقلة لم تجلس لتندب توزّع أولادها في البلاد، بل هي الأخرى قيّمت ما أقدموا عليه من خلال تقييمها لهممهم العالية، أي أنّهم لم يكونوا مثل بعض الناس الذين يعيشون متجاورين متقاربين لا يُغادرون مسقط رأسهم، ولا يطلبون أكثر ممّا توفِّرهُ لهم الظروف المحيطة. [تذكّر قصة التاجر الشاب الذي أعرضَ عن أن تكون له (همّة الأسد) راضياً بـ(قناعة الثعلب)].

ارسال التعليق

Top