• ٤ نيسان/أبريل ٢٠٢٠ | ١٠ شعبان ١٤٤١ هـ
البلاغ

موقع الفرد على المسرح الاجتماعي

موقع الفرد على المسرح الاجتماعي

 لا شك أنّ تصرف الفرد على المسرح الاجتماعي مع الآخرين يختلف تماماً عن تصرفه منفرداً مع نفسه، فالفرد يتعلم منذ الطفولة بأنّ سلوكه الاجتماعي مع الآخرين في المجتمع الكبير يجب أن يتناسب مع الأعراف الاجتماعية المتفق عليها بين الأفراد؛ على عكس السلوك الفردي الذي يتم على الصعيد العائلي مثلاً. إلّا أنّ اختلاف صدق الأفراد في إظهار حقيقة نياتهم أمام الآخرين يساهم في اضطراب عملية التفاعل الاجتماعي. ولذلك، فإنّ كلّ نسك أو عمل عبادي من أعمال الحج، أو الأعمال التعبدية الأخرى في الإسلام يتطلب نية صادقة أو مسبقة بأنّ العمل الذي سوف يُنجز إنما ينجز ابتغاء وجه الله تعالى وحده. فلا عجب إذن، أن يكون السلوك الجمعي الإسلامي في الحج والتفاعل الاجتماعي الناتج عنه من أكمل أشكال التفاعلات الاجتماعية، لأنّ صدق الفرد في إظهار حقيقة نواياه في العبادة الجماعية، يساهم أيضاً في تطابق تلك النية الصافية مع حقيقة النفس الخارجية. وهذا – لا شكّ – يزيد من نشاط الأفراد في التفاعل الاجتماعي فيما بينهم. ولولا وجوب النية في قبول الأعمال التعبدية، لأصبحت تلك الأعمال مجرد روتيناً وتكراراً يملّ منه الإنسان. ولكن النية الصادقة تجدّد روح الدافع الإنساني نحو إكمال العمل المطلوب على أفضل وجه. و"الدليل على جوب النية قوله تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ...) (البينة/ 5)، فهذه الآية تدلّ على أنّ النية للحج ولجميع العبادات واجبة، لأنّ الإخلاص بالديانة هو القربى إلى الله تعالى بعملها مع ارتفاع الشوائب، والتقرب إليه تعالى لا يصح إلّا بالعقد عليه والنية له ببرهان. والنية إرادة مخصوصة محلها القلب، وقد بيّن (ص) ذلك بقوله: "إنما الأعمال بالنيات".

ولما كانت نية الفرد في أداء العمل العبادي الشخصي والجماعي عملاً داخلياً، أصبحت عملية إنشاء "الانطباع الاجتماعي" من قبل الفرد عملية ثانوية وليست أساسية. بمعنى أنّ الفرد المؤمن المنشغل بأعمال الحج لا يبذل جزءاً ثميناً من وقته لتحسين مظهره الخارجي، إلى درجة أنّ همّه الأساس يصبح مجرد ترك انطباع خارجي من نوع ما على الأفراد. فالإسلام – مع أنّه يشجع على النظافة الخارجية والتطيّب – إلّا أنّه لا يعير اهتماماً كبيراً للمظاهر الخارجية، بل ينصّبُ همه الرئيسي على التأثير الداخلي على الأفراد. وهذه الفكرة تعكس اختلافاً جوهرياً بين النظريتين الإسلامية والغربية النصرانية. فالنظرية الغربية المتمثّلة بأفكار العالم الاجتماعي الأمريكي "أرفينك كوفمان" تؤكد على أنّ الفرد الغربي يملك في شخصيته زاوية نفسية أُطلق عليها بـ"إدارة الانطباع الاجتماعي". فالفرد الغربي يحاول جاهداً عرض شخصيته على المسرح الاجتماعي بمظهر يثير إعجاب الآخرين. فمن ارتداء الملابس الأنيقة، إلى حمل الحقيبة الدبلوماسية، إلى تدخين السيجارة، إلى استخدام مواد التجميل بالنسبة للنساء؛ كلّ تلك الأعمال تدور حول تحسين مظهر الفرد إلى درجة الإعجاب وتساهم في ترك آثار الانطباع الخارجي على بقية الأفراد. ولكن نظرية "الانطباع الاجتماعي" فيها مخاطر اجتماعية عديدة. فالفرد الذي يعجز عن إظهار جماله على المسرح الاجتماعي بسبب القبح الخارجي التكويني، ينعزل تماماً عن النشاطات الاجتماعية؛ وهذا يفسر لنا إلى حد ما حالات الانتحار والكآبة والاضطرابات العقلية والأمراض النفسية المتعلقة بها، في المجتمعات الغربية المعاصرة التي آمنت بقوة بنظرية "الانطباع الاجتماعي". وكذلك تظهر للعيان معاناة الفقراء الذين لا يجدون مصدراً مالياً يموّلون به شروط الانطباع الاجتماعي. وأمر ثالث هو أنّ تأثير ذلك الانطباع الاجتماعي من قبل الفرد الذي يملك شروطه الواقعية قد يزول بزوال تلك الشروط. بمعنى أنّ تقدم الفرد في السن، أو عجز السوق التجاري عن تقديم مواد تجميل لسبب من الأسباب، أو تعرض الفرد لحادث طارىء يسبب إعاقته، كلّ تلك الشروط تُظهر الفرد على حقيقته دون مؤثرات خارجية؛ وعندها يكون الانطباع الاجتماعي أمراً سلبياً. أما النظرية الإسلامية، فإنّها تعاملت مع ذاتية الفرد بهدف تطهيرها وتنقيتها، في محاولة منها بأن تكون تلك الذاتية هي الأصل في ترك الانطباع الاجتماعي. وهذا التعامل مع ذاتية الفرد، أكثر ثباتاً وأعظم ارتكازاً – بالتأكيد – من التعامل مع المظاهر الخارجية التي تزول بزوال الشروط الموضوعية. وبتعبير آخر، أنّ النوايا الظاهرية للمرء في الإسلام ينبغي أن تبقى طاهرة ونقية إلى نهاية مطاف الحياة الدنيوية. ولا شك أنّ من أهم مصاديق التعامل الإسلامي مع الذات الإنسانية هو وجوب استمرار النية الصادقة في الأعمال والمناسك التعبدية حتى الانتهاء من أدائها. بل إنّ ملابس الإحرام المبسطة خلال الطواف والسعي والتقصير تؤيد تلك النظرة التي تعتبر المظهر الخارجي مجرد وسيلة لستر مساوئ الإنسان، وليست وسيلة لإثارة الانطباع الاجتماعي وما ينتج عنه من حسد وانحراف وانعدام عدالة وانحلال أخلاقي.

إنّ الأفراد يشكّلون ويصمّمون تعريفاتهم للحقائق الحياتية عن طريق التفاعل الاجتماعي الذي يحصل في كلّ يوم. فأفراد المجتمع الواحد يشاركون بعضهم البعض في فهم الحقائق والأعراف الاجتماعية. والتحية بين الأفراد مثلاً تعتبر مصداقاً لهذا الفهم الاجتماعي. فمصافحة اليد تعبّر عن لون من ألوان التحية في مجتمع ما، بينما تعبّر الابتسامة فقط عن نفس اللون من التحية في مجتمع آخر؛ وفي مجتمع ثالث تُستخدم الكلمات كرمز للتعبير عن التحية. واختلاف هذا الفهم للحقائق العرفية والاجتماعية يعكس اختلافاً للفهم الديني والثقافي والاجتماعي عند الأفراد. ولا شك إنّ تصرفنا الاجتماعي ينبع من وحي إدراكنا لدورنا كأفراد في النظام الاجتماعي. ومع أنّ تلك الأعراف الاجتماعية لا نعرف مصادرها التاريخية، إلّا إننا نعلم بأنّ الشريعة الإسلامية أمضت بعضها، ونهت عن أُخرى، وأنشأت أعرافاً جديدةً كالأعراف المتصلة بالعبادات مثلاً. وهذه الأعراف الجديدة للشريعة تعاملت تعاملاً ملحوظاً مع ذات الفرد، وأعطت الإنسان موقعاً جديداً على المسرح الاجتماعي. وتداخلت الأحكام الشرعية مع الأعراف الاجتماعية تداخلاً عظيماً بشكل جعلت الإلزام الديني للفرد هو المعيار في نشاطاته الاجتماعية. ومناسك الحج – كما لاحظنا – من أهم مصاديق هذا الإلزام الديني الجديد.

وعلى ضوء ذلك، فإنّ تطابق نية الفرد مع سلوكه الاجتماعي خلال أداء المناسك، يضع الفرد في موقع اجتماعي متميز، ويجعل قضية "الانطباع" ونحوها قضية طبيعية غير مصطنعة قد تعمل عملها الأساس في التأثير الداخلي على الأفراد. وما سلوك المكلّف المؤمن في الحج إلّا مصداقٌ من مصاديق دوره الشرعي المتميز على المسرح الاجتماعي الإنساني.

ارسال التعليق

Top