فكّر في مشهد: امرأة تقف أمام قبر أخيها الذي فقد حياته، وتلاحظ أن زهوراً طازجة تُوضع هناك منذ عقود، لكنها لا تعرف مَن يضعها.
وبحسب ما نشر في تقرير موقع Psychology Today، هذا بالضبط ما عاشته آن كير حين وقفت بجانب قبر أخيها كارل سميث، الكشّاف الصغير الذي غرق في ويلز في الأول من أغسطس عام 1947، وعمره اثنا عشر عاماً.
كانت آن تبلغ السابعة وقتها، ولم تحتفظ في ذاكرتها إلّا بشذرات متناثرة عنه. غير أن الزهور التي لا تتوقف جعلتها تتساءل: مَن هذا الشخص الذي لم يُفرّط في زيارة كارل طوال هذا العمر كله؟
مرّت سنوات وهي تكتب مقالات وتتحدث في الراديو وتظهر في نشرات الأخبار المحلية، حتى تعاونت مع الصحفية في هيئة الـ BBC كاميلا روز للبحث عن هذا الغامض الذي أبى أن يترك كارل وحيداً.
حين بدأ الباحثون يتتبعون سجلات فرقة الكشافة، برز اسم واحد بإلحاح: صبي صغير كان ينام في خيمة كارل نفسها، ليلة ما قبل الغرق.
اسمه رونالد ويستبورو. تبيّن أن أثره انقطع بعد عام 2014، إلى أن اكتشفوا لاحقاً أنّه تزوّج مرة أخرى وغيّر لقبه العائلي.
حين اتصلت به المحققة، كانت إجابته بسيطة وثقيلة في الوقت ذاته: "أنا في الحقيقة أزور القبر كثيراً".
التقى رونالد بآن، وروى لها ما حدث. كان هو وكارل وما يزيد على عشرين صبياً قرروا الذهاب إلى الشاطئ للسباحة. خرج الجميع من الماء، إلّا أن ملابس كارل ظلت مرصوصة على الرمال.
أدرك الأولاد أن شيئاً ما قد حدث، وعادوا يركضون ليجدوه مُكبّاً على وجهه في الماء. رونالد وصبي آخر هما مَن سحباه إلى الشاطئ.
قال رونالد ببساطة: "أشياء كهذه تبقى عالقة في الذهن، أليس كذلك؟ إنّه أمر مروّع".
هذه الجملة القصيرة تحمل في طيّاتها ما لا تستطيع كتب علم النفس أن تصفه بدقة أكبر. فما يلفت الانتباه ليس فقط أن رونالد تذكر الحادثة، بل أن صياغته جاءت بزمن الحاضر: "إنّه أمر مروّع"، لا "كان مروّعاً". الفارق دقيق لكنه بالغ الدلالة.
حين تمر الطفولة بصدمة أو تجربة عاطفية حادة، يمكن أن تتجمّد تلك اللحظة في الداخل وتظل حيّة، تُعاش من جديد بشكل واعٍ أو غير واعٍ.
رونالد لم يكتفِ بزيارة القبر، بل كان يضع يده عليه ويقول بصوت طبيعي: "مرحباً كارل، كيف حالك؟ سأزورك قريباً"، ثم يرفع نظره نحو السماء. لم تكن تلك طقوساً دينية بقدر ما كانت حاجة نفسية عميقة للبقاء على تواصل مع لحظة لم تنتهِ بعد.
بعد الحادثة، أدلى رونالد بشهادته في التحقيق الرسمي. هناك قال له ضابط شرطة إنّه أحسن صنعاً وأنّه يصلح لمهنة الشرطة.
التحق رونالد فعلاً بالشرطة في سن السادسة عشرة. وحين سُئل إن كانت الحادثة قد أثّرت في هذا القرار، أجاب بالإيجاب دون تردد.
هذا ليس استثناءً. أفادت امرأة اتصلت بالمحققة بأن والدها أصبح طبيباً بسبب ما حدث لكارل في ذلك اليوم. لحظة واحدة، وطفلان على الأقل اختارا مهنتيهما بسببها.
الحقيقة التي يكشفها هذا المشهد أن التجارب التي نمر بها في صغرنا لا تنتهي بانتهاء الحدث، بل تنسج نفسها في طريقة تفكيرنا وخياراتنا وطقوسنا اليومية.
رونالد لم يكن يزور قبر كارل فقط، بل كان يعود إلى الشاطئ مراراً، يحاول في كلّ زيارة أن يُغلق باباً ظل مفتوحاً منذ صيف 1947.
مقالات ذات صلة
ارسال التعليق
تعليقات