الأجيال الجديدة مدهشة وغريبة، أفكارهم غامضة وبعيدة عن الواقع، من الصعب فهمها أو معرفة اللغة والرموز التي يستخدمونها، وعدم إيمانهم المطلق بكل ما هو تقليدي وقديم، فهم يرفضون ولا يقدمون البدائل، وكأن العالم سيستقيم من خلال الرفض فقط، إنهم يتباعدون عن العالم القديم الذي جاؤوا منه، ولكنهم لا يعرفون في أي عالم يعيشون.
هذه بعض الاعتراضات التي تدور في أذهان الآباء وهم يراقبون تصرفات أولادهم، اعتراضات ليست جديدة يطرحها الجيل القديم منتقداً الجيل الذي يصعد للحياة، وقد ارتفعت عالياً منذ بداية الستينيات مع طفرة المواليد الجدد التي غمرت العالم، ومع ثورات الشباب التي بدأت في فرنسا وانتشرت في بقية أوربا، وقد ارتفعت أصواتها ضد الحكام القدامى وما يجرّون العالم إليه من ويلات الحروب، وانتقلت الاعتراضات من الشارع إلى داخل البيت وداخل الأسرة الواحدة، وظهر ذلك الصراع التقليدي بين الآباء والأبناء، وهكذا كانت المرة الأولى التي ينشأ فيها تعبير الفجوة بين الأجيال، والأقدم جيل الشباب بقسوة أحياناً، الآن لا يؤمن العجائز بقدرات هذا الجيل، فهم يرَونه جيلًا يفتقد للثقة بالنفس ولا يدري كيف يواجه الحياة، لكنهم ممتلئون بالطاقة والحماس، ولكن عندما يتخرجون من الجامعة يواجهون مستقبلًا غامضًا وسط سوق عمل مزدحم قد لا يعترف بالشهادات التي حصلوا عليها بشق الأنفس. لقد كبروا ونضجوا ولكنهم لا يستطيعون الاعتماد على أنفسهم والاستقلال ماليًا، وهم يريدون أن يتزوجوا وأن تكون لهم بيوتهم الخاصة، ولكن هذا يتطلب إمكانيات هائلة لا يمتلكونها.
ومع التغيرات السريعة التي شهدها العالم في هذه الفترة، تغيرات اجتماعية وسياسية وفكرية، تعمّقت هذه الفجوة وتحولت إلى هوّة، لم يكن سببها الانفتاح الاقتصادي والاجتماعي فقط، ولكن ما صاحبه من تطور تكنولوجي وإعلامي أيضاً، الأمر الذي زاد من تعمّق الهوّة بين جيل محافظ متمسك بثقافته وعاداته وتقاليده القديمة، وجيل نشأ في ظروف حياتية مختلفة يسعى فيها إلى التواصل والانفتاح على بقية العالم، وأدى إلى تصادم ثقافي بين الجيلين، أي جيل الآباء وجيل الأبناء، وأصبح كل جيل ينكر فضل الجيل الذي سبقه، وأصبحنا نسمع صيحة كأنها استغاثة: «نحن جيل بلا أساتذة»، ومن المؤكد أن الجيل القديم لم يسمع هذه الصيحة كما ينبغي، ولم يقرأ النصيحة الغالية التي أوردها جبران خليل جبران في كتابه «النبي»: أولادكم ليسوا لكم إنّهم أبناء الحياة، بكم يأتون إلى العالم ولكن ليس منكم، ومع أنهم يعيشون معكم فهم ليسوا ملكًا لكم، تستطيعون أن تمنحوهم محبتكم، ولكنكم لا تقدرون أن تغرسوا فيهم بذور أفكاركم، لأنّ لهم أفكاراً خاصة بهم ولكنكم تحاولون عبثًا أن تجعلوهم مثلكم، لكن الحياة لا ترجع إلى الوراء، ولا تلذ لها الإقامة في منزل الأمس.
ملامح جيل جديد
يطلق على الجيل الجديد الذي ولد بعد عام 2000 الكثير من الأسماء، ويتم تقسيمه لعدة شرائح، ولكن الاسم الذي يضم الجميع هو «جيل الألفية»، ولكن علينا ألا ننظر إليه ككتلة واحدة، فهو جيل متنوع السلوك، يمتلك قدراً كبيراً من المعرفة والتعامل مع متغيرات التكنولوجيا المتقدمة لدرجة لا يعرفها جيل الآباء، إضافة لذلك فهو جيل اهتماماته مختلفة، ونظرته للمستقبل أيضاً، فالتواجد في الفترة الزمنية نفسها لا يعني أن هناك تماثلاً بين أفراده، فقد تعرض هذا الجيل للعديد من التغيرات والأحداث الدولية الجسام، من حروب إلى أزمات إلى أوبئة، جعلت هناك أكثر من فجوة بين أبناء الجيل الواحد، ويحدد بعض الباحثين عمر الجيل بحوالي 12 عاماً، بينما يمد آخرون هذا العمر إلى 20 عاماً، وهو فارق ليس كبيراً في السنوات ولكنّه طويل بحكم المتغيرات السريعة.
هل هناك قواسم مشتركة بين أفراد هذا الجيل؟
1- العامل المشترك بين أفراد هذا الجيل أنهم جميعًا قد وُلدوا في ظل التطور الرقمي، سواء عن طريق ازدياد وسائل التواصل أو سيادة شبكة الإنترنت، هذه الشبكة التي دخلت كل بيت وتغلغلت بالتالي في عقول أفراد الجيل وفرضت تأثيرها عليهم، فقد وُلدت هذه الشبكة مبكرًا في نهاية الثمانينيات كإحدى الاستخدامات العسكرية، ولكن بعد أن سمح بها للاستخدام المدني لم تتوقف عن التطور والاتساع، وتجتذب في كل يوم مشتركين بالملايين، وأصبحت تقدم كل ما يحتاج العقل البشري من ترفيه أو معلومات، وبفضل الإنترنت انتقل العالم فجأة من مرحلة شح المعلومات إلى وفرتها وسرعة تدفقها، وأصبح من السهل على أي مستخدم الوصول إلى المعلومات التي يريدها.
ولكن هناك أيضاً جانب سلبي لهذه الشبكة، فهناك «الهكرز» الذين يقتحمون المواقع ويسرقون ما فيها من بيانات مهمة ويسعون من خلالها إلى ابتزاز الأفراد والشركات، والأخطر هم الذين يستطيعون الدخول إلى الجانب المظلم من الشبكة، حيث توجد المواقع المتطرفة التي تقدم تفاصيل عن صنع الأسلحة والمتفجرات لكل المتمردين، وهناك أيضًا المواقع السرية التي تدير شبكات الدعارة والمخدرات، ولحسن الحظ هذه المواقع ليست متوفرة إلا للقليل من مستخدمي هذه الشبكة العملاقة، ولكن هناك مخاوف من أن يخرج من هذا الجيل أفراد متمردون تشجعهم هذه المواقع على التخريب.
2ـ جاء هذا الجيل أيضاً وسط تحول جذري في عصب النظام الاقتصادي العالمي، فقد أصبح خاضعًا للمصارف العابرة للحدود ولحركة الأسهم في البورصات وللمؤسسات المالية العملاقة، وأصبحت معظم المجتمعات خاضعة ومحكومة بحركة السوق التي تنفلت أحيانًا وتحدث بعض الكوارث. وقد شعر الجيل رغم صغر سنه بآثار هذه الكوارث، وشاهد إفلاس العديد من جيل الكبار، وعندما حدثت الأزمة المالية الكبرى في عام 2009 وأفلست العديد من المصارف، في ظل هذه الأزمات نشأ هذا الجيل وهو يعرف أكثر ويتحسّس من مخاطر المستقبل.
3ـ يعاني هذا الجيل من فجوة حقيقية، فالتفاوت الطبقي مازال قائماً بكل ما فيه من اختلالات اقتصادية واجتماعية، فهناك مَن يتمتعون بمستوى أفضل للحياة في بلاد غنية ذات وفرة اقتصادية، وتستطيع بالتالي أن توفر لأولادها مقاعد أفضل في المدارس الراقية ذات التكلفة العالية، وهؤلاء تكون لديهم فرص أكبر في مواصلة مشوار التعليم إلى نهايته، وربما لا يقتصر تعليمهم على مؤسسات التعليم المحلية، ولكن يمتلكون القدرة أيضاً على السفر خارج بلادهم واكتساب مهارات لا تمكن الآخرين من منافستهم، بينما يوجد مَن لا يتعلم بدرجة أقل أو ينقطع خط سير تعليمه، وسوق العمل مزدحم بطالبي الوظائف ويبحثون مَن يمتلكون مهارات أفضل، والنتيجة أن جزءاً كبيراً من هؤلاء الشباب ذوي التعليم الأقل لا يجدون لهم مكاناً إلّا في مقاهي العاطلين.
4ـ وربما الأزمة الأكبر التي واجهت هذا الجيل هو الإغلاق العام الذي عمّ العالم مع انتشار وباء كورونا، فقد شل العديد من الأنشطة اليومية للناس، وأغلقت المطاعم والمسارح وكل أماكن التجمعات، وكان مشهد الوجوه المختبئة تحت الأقنعة مثيرًا للكآبة، ولكن وسط هذه الأزمة اكتشف الشباب أن لديهم قدرة هائلة على التواصل بعيدًا عن زحام الآخرين، تحولت شبكة الإنترنت إلى بديل للواقع المعقد، كان الشباب هم أول من تغلب على المسافات، وتم استثمار شبكة الإنترنت بحدها الأقصى، أغلقت المدارس حقًا ولكن ظهرت تقنية التعلم عن بعد، جلس التلاميذ في بيوتهم وجاء المدرسون إليهم من خلال شبكة الإنترنت، وانخفض عدد العاملين في المؤسسات إلى النصف واستطاع النصف الآخر أن يؤدي عمله من المنزل، هكذا الحال في معظم الأعمال، حتى العمليات الجراحية، أصبح من الممكن إجراؤها عن بعد، وهكذا خرجنا جميعاً من محنة الكورونا بالعديد من وسائل التواصل.
لكنّه جيل متميز
ورغم هذه الانتقادات فهذا الجيل هو وليد عصر المعلومات، وأصبح على وعي كامل بالعالم الذي يحيط به، ويدرك أبعاد كل مشكلة يواجهها، ومن الصعب خداعه بأي نوع من الأكاذيب، وقد تجلى ذلك في مناسبتين، الأولى في بداية الألفية عندما هبّ الشباب في العديد من البلاد العربية ضد أنظمة الحكم المترهلة وحاول إسقاطها بعد أن اكتشف مدى تخلّفها، وزيف الشعارات التي ترفعها، وفي كثير من الحالات لم تكن الظروف الاقتصادية الصعبة هي السبب الوحيد، ولكن التطلّع إلى حياة جديدة وحرية أكثر وصدق في مواجهة مشاكل الواقع، فصنع شباب الربيع العربي تاريخاً جديداً في المنطقة العربية.
ولكن هل يؤثر هذا التباعد على زيادة الفجوة بين أبناء الجيل الواحد؟ هل يحدث أن تكون هناك أجيال أكثر محافظة وأجيال أخرى أكثر تحررًا وأن تزداد الهوّة بينهما؟ يعتقد البعض أنه مع تطور الثورة الرقمية سوف تتسّع هذه الهوّة لأن العمل مع هذا التطور يحتاج إلى مستويات عالية من التعليم لا يمتلكها الكثيرون، ومع ذلك فهناك قدر كبير من التفاؤل، فسوف تصل كل هذه التطورات الرقمية إلى نهايتها، ولن يستمر تباعد البشر، وسيأتي وقت يصبح للجميع القدرة على التفاهم والعيش المشترك خاصة في ظل الأعمار المتقاربة، وستحتمل الحياة فكرة التعدد في الأفكار والانتماءات، وسيكون هناك إحساس أكبر بالمسؤولية، وقدر أكبر على القيام بالأعمال التطوعية، وربما يصل الجميع لردم الفجوة بين أبناء الجيل الواحد.
مقالات ذات صلة
ارسال التعليق
تعليقات