يعتبر الكثيرون أن الاكتئاب هو مرض العصر، حيث يعزون ذلك إلى تسارع الحياة والمتطلبات التي لا تنتهي، كما يعزون الطرف الآخر الاكتئاب إلى التكنولوجيا التي بقدر ما ساهمت في التطور الحضاري. جعلت الحياة أكثر صعوبة وقسوة.
إلّا أن كتاباً للطبيبين دانيال فريمان وجاسون فريمان، تناول الاكتئاب من زاوية أخرى، ولكونهما طبيبين فقد توصلا من خلال دراسات نفسية وجسدية على مئات من المرض الذين كانوا يتعالجون لديهما إلى أن أقوى أنواع الاكتئاب هو الناجم عن العلاقات العاطفية الزوجية غير المتناغمة.
ففي كتاب صدر عن جامعة أكسفورد الشهيرة، قال الطبيبان المؤلفان أن من أسوء أنواع الاكتئاب للرجل والمرأة الاكتئاب الناجم عن عدم الرضى أو التوافق أو الانسجام في العلاقة الحميمية بين الزوجين وأضاف الكتاب أن العلاقة الحميمية عندما تصل إلى مستوى ممتاز بين الزوجين فإن الكثير من الأمراض النفسية والجسدية يمكن التخلص منها والعكس صحيح؛ فعندما لا يكون هناك انسجام أو توافق في تلك العلاق، فإنها تؤثر سلباً في أحد الأطراف أو كليهما، ونصح الكتاب الزوجين اللذاين لا يجدان توافقاً في العلاقة الحميمية باستشارة طبيب مختص في الشؤون العائلية أو ما يعرف في الغربfamily doctor حيث يوصي الطبيب بالطرق السليمة التي تجعل الزوجين يصلان إلى علاقة عاطفية سعيدة وبالتالي يزول التوتر والقلق اللذين يمكن أن يدمرا حياتهما.
المرأة أكثر تضرراً
ويشير الكتاب إلى أن الزوجة في الأغلب تكون الطرف الأكثر تضرراً في حالة عدم الانسجام الجنسي بين الزوجين، حيث إن المرأة لا تكون دائماً مستعدة للعلاقة الحميمية بسبب مسؤولياتها في البيت والعمل، فهي دائماً مشغولة ومرهقة، وبرغم ذلك المفروض ان تكون زوجة في أخر النهار لتلبي رغبات زوجها العاطفية، وعندما يلح الرجل في ذلك فإنها ترضخ دون أن تكون راضية نفسياً عن ذلك، وقد تكرر الموقف فتشعر بأنها مجرد أداة تفريغ للزوج، وبالمقابل فإن الزوج يحتاج إلى هذه العلاقة لكن من المفروض أن تكون هناك تضحية منه إلى حد ما بحيث تكون الزوجة مهيأة لتلك العلاقة حتى لا تشعر بأنها أداة تفريغ فقط، لأنه ستصاب بالألم النفسي والاكتئاب عندئذ. فالمرأة من حيث تكونها النفسي والجسدي تحتاج إلى معاملة خاصة حتى تكون مهيأة لأي لقاء عاطفي، ولكن عندما يكون الرجل غير واع لهذه الحقيقة فإنه يسبب لزوجته الكثير من المشكلات النفسية دون أن يشعر بذلك، وهناك رجال أنانيون لا تهمهم إلا نزواتهم الشخصية، ما يترك أنطباعاً سيئاً لدى الزوجة يؤدي لإصابتها بالاكتئاب، وهذا بدوره يسبب الكثير من الامراض الجسدية والمعاناة. إضافة إلى ذلك يشير الكتاب إلى أن هناك حقيقة مفادها أن الرجال الذين يعانون علاقات غير منسجمة مع زوجاتهم يصابون أيضاً بالاكتئاب لكن هذه النسبة قليلة مقارنة بالنساء فإذا كانت نسبة الزوجات اللواتي يصبن بالاكتئاب نتيجة عدم الانسجام في العلاقة الحميمية ما بين 30% و45% من النساء المتزوجات في بريطانيا، فإن النسبة بين الرجال البريطانيين المتزوجين تصل ما بين 14%و18% ويعزو الكتاب ذلك لعدة أسباب، منها أن الرجل لا يحتاج إلى أن يتهيأ نفسياً كثيراً حتى يصبح قادراً على ممارسة العلاقة الزوجية، وكذلك الرجل قد يثار من مجرد المظهر الخارجي لزوجته، في حين ان الزوجة تحتاج إلى أن يتم تهيئتها نفسياً من خلال المداعبة حتى تصبح مهيأة جسدياً، كما أن المظهر الخارجي للزوج لا يثير لديها الكثير من الاهتمام الجنسي لأنها تبحث عن كلماته وعباراته التي تأخذها إلى الجو الرومنسي، لكن الكتاب يشير إلى أن هناك عنصراً مهماً وهو أن هرمون الذكورة(التستوستيرون) يقاوم الاكتئاب، خلافاً لهورمون الأنوثة (الأستروجين) الذي لا يتمتع بتلك الخاصية، لهذا فإن الفرق بين هرمون الذكورة والأنوثة هو الذي يشكل نسبة الاكتئاب بين النساء والرجال وعليه فأن الرجال الذين يعانون مشكلات في البروستاتا فإن نسبة هذا الهرمون التستوستيرون تقل لديهم، وعند أخذ علاج لمرض البروستاتا فإن نسبة هذا الهورمون تقل أكثر وأكثر ولهذا تجد هذه الشريحة من الرجال يعانون الاكتئاب، لكن المشكلة عند معظم الرجال أنهم لا يعترفون بأن لديهم مشكلات من هذا النوع خشية على كرامتهم، إلا ان الإنكار ليس في مصلحتهم على المدى البعيد. وهناك أيضاً عوامل أخرى تجعل المرأة، أكثر إصابة بالاكتئاب والأمراض النفسية والجسدية، حيث ان عدم التوافق بالعلاقة الحميمية الزوجية يجعلها تفكر كثيراً في أن زوجها قد يقيم علاقة مع إمراه أخرى ويهملها. خاصة أذا كان الزوج أنانياً ولا يهتم إلا بنفسه، كما أن التغيرات الفسيولوجية التي تحدث للمرأة مثل العادة الشهرية والولادة والآلام النفسية والجسدية التي تصاحب هذه التغيرات وما ينتج عنها من تفاعلات هورمونية، أكثر عرضه للاكتئاب من الرجل.
المصارحة
يرى الكتاب أن الزواج هومن أكثر العلاقات الإنسانية سحراً، ومن ثم مصارحة الزوجين بعضهما بعضاً أمراً ضروري جداً لسعادتهما، فهما أكثر الناس معرفة بظروفهما وطبيعة كل منهما.
ولهذا فأنه من الأفضل قبل الذهاب إلى الطبيب لاستشارته في كيفية التعامل مع العلاقة الزوجية المضطربة، أن يجلسا معاً ويتصارحا، بحيث يبوح كل منهما للطرف الاخر بما يزعجه وما لا يرضيه، ومن الضروري التوصل إلى توافق بينهما لأن هذا التوافق في مصلحة الطرفين، وبالتالي فإن إحلال الانسجام العاطفي والنفسي من خلال التفاهم ستكون له نتائج إيجابية للرجل والمرأة معاً.
ويشير الكتاب ان عملية الافراغ المنسجم بين الزوجين ستخلصهما من التوتر والاكتئاب، وتساعدهما على النوم بشكل صحي أكثر من 7ساعات،مما يجعل الجسم يسترخي ويتخلص من المواد المؤكسدة كما أن النوم هو أفضل علاج للدماغ المتعب، حيث أن خلال النوم تقوم الخلايا الدماغية بالتخلص من المشكلات اليومية التي واجهها الانسان في حياته، لذا فأن الكثير من الأطباء النفسين عندما يريدون ان يعالجوا شخصاً فإنهم يطلبون منه ان يغمض عينيه ويحاول النوم لو لدقائق أو ثوان، بحيث يأخذ الدماغ فترة قليلة من الراحة، وأفضل سبيل لجعل الزوجين ينامان ساعات طويلة هو إقامة علاقة عاطفية منسجمة.
مقالات ذات صلة
ارسال التعليق
تعليقات