• ٥ كانون أول/ديسمبر ٢٠٢٠ | ١٩ ربيع الثاني ١٤٤٢ هـ
البلاغ

«السلام» مبدأ إسلامي يزرع الطمأنينة

«السلام» مبدأ إسلامي يزرع الطمأنينة

◄السلام مبدأ إسلامي:

1- إنّ دعوة السلام ليست جديدة علينا، ولا غريبة عنا. وإنما هي دعوة استقرت في ضمائرنا، وجرت في عروقنا مجرى الدم.

إنّها مبدأ من المبادئ التي عمّق الإسلام جذورها في نفوسنا، فأصبحت جزءاً من كياننا، وعقيدة من عقائدنا.

لقد صاح الإسلام – منذ طلع فجره، وأشرف نوره – صيحته المدوية في آفاق الدنيا، يدعو إلى السلام، ويضع الخطة الرشيدة، التي تبلغ بالإنسانية إليه.

إنّ الإسلام يحب الحياة، ويقدسها، ويحبب الناس فيها، وهو لذلك يحررهم من الخوف، ويرسم الطريقة المثلى، لتعيش الإنسانية متجهة إلى غاياتها، من الرقي والتقدم؛ وهي مظللة بظلال الأمن الوارف.

 

تكرار لفظ السلام ودلالته:

2- ولفظ الإسلام – الذي هو عنوان على هذا الدين – مأخوذ من مادة السلام؛ لأنّ السلام والإسلام يلتقيان في توفير الطمأنينة، والأمن، والسكينة.

ورَب هذا الدين من أسمائه السلام، لأنّه يؤمن الناس بما شرع من مبادئ، وبما رسم من خطط ومناهج.

وحامل هذه الرسالة هو حامل راية السلام، لأنّه يحمل إلى البشرية الهدى، والنور، والخير، والرشاد. وهو يحدث عن نفسه فيقول: "إنما أنا رحمة مهداة".

ويحدث القرآن عن رسالته فيقول: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) (الأنبياء/ 107).

وتحية المسلمين التي تؤلف القلوب، وتقوي الصلاة، وتربط الإنسان بأخيه الإنسان، هي السلام.

وأولى الناس بالله، وأقربهم إليه، من بدأهم بالسلام.

وبذل السلام للعالم، وإفشاؤه جزء من الإيمان.

وقد جعل الله تحية المسلمين بهذا اللفظ للإشعار بأنّ دينهم دين السلام، والأمان، وأنّهم أهل السلم، ومحبو السلام.

وفي الحديث أنّ رسول الله (ص) يقول: "إنّ الله جعل السلام تحية لأُمّتنا، وأماناً لأهل ذمتنا".

وما ينبغي للإنسان أن يتكلّم مع إنسان قبل أن يبدأه بكلمة السلام. يقول رسول الإسلام: "السلام قبل الكلام".

وسبب ذلك: أنّ السلام أمان، ولا كلام إلّا بعد الأمان.

والمسلم مكلف – وهو يناجي ربه أن يسلم على نبيه، وعلى نفسه، وعلى عباد الله الصالحين. فإذا فرغ من مناجاته لله، وأقبل على الدنيا، أقبل عليها من جانب السلام، والرحمة، والبركة.

وفي ميدان الحرب والقتال. إذا أُجرى المقاتل كلمة السلام على لسانه، وجب الكف عن قتاله، يقول الله تعالى: (وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا) (النساء/ 94).

وتحية الله للمؤمنين تحية سلام.

(تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ) (الأحزاب/ 44).

وتحية الملائكة للبشر في الآخرة سلام.

(وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلامٌ عَلَيْكُمْ) (الرعد/ 23-24).

ومستقر الصالحين دار الأمن، والسلام.

(وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ) (يونس/ 25).

(لَهُمْ دَارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ) (الأنعام/ 127).

وأهل الجنة لا يسمعون لغواً من القول، ولا يتحدثون بلغة غير لغة السلام.

(لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا * إِلا قِيلا سَلامًا سَلامًا) (الواقعة/ 25-26).

وكثرة تكرار هذا اللفظ – السلام – مع إحاطته بالجو الديني النفسي، من شأنه أن يوقظ الحواس جميعها، ويوجه الأفكار والأنظار هذا المبدأ السامي العظيم.

 

العلاقات الإنسانية:

3- والإسلام لا يقف عند حد الإشادة بهذا المبدأ فحسب. وإنما جعل أساس العلاقة بين الأفراد، وبين الجماعات، وبين الدول، علاقات سلام وأمان، ففي علاقة المسلمين بعضهم مع بعض، يقول القرآن الكريم:

(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ) (الحجرات/ 10).

ويقول الرسول الكريم (ص): "مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم، كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر".

فهذه العلاقة أساسها الإخاء، والمودة، والرحمة.

وعلاقة المسلمين بغيرهم، علاقة تعارف، وتعاون، ويسر، وعدل.

يقول القرآن الكريم في التعارف المفضي إلى التعاون:

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) (الحجرات/ 13).

ويقول في الوصاة بالبر والعدل:

(لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الممتحنة/ 8).

ومن مقتضيات هذه العلاقة: تبادل المصالح، واطِّراد المنافع، وتقوية الصلاة الإنسانية، والأخاء العالمي.

 

احترام الإنسان من حيث هو إنسان:

4- والإسلام احترام الإنسان وكرمه – من حيث هو إنسان – بغض النظر عن دينه، وجنسه، ووطنه، ولغته، ولونه.

ومن مظاهر هذا التكريم: أنّ الله خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وسخر له ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه.

ووهبه القوى العقلية، والنفسية، والروحية، ليسود هذا الكوكب الأرضي، ويعمره، وجعله خليفة عنه في إقامة الحقّ والعدل.

(وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا) (الإسراء/ 70).

وهذا التكريم إنما يتم بالحفاظ على حقوق الإنسان جميعها، فله حقّ الحياة، وحقّ التملك، وحقّ الحرية، وحقّ الانطلاق إلى الآفاق الواسعة؛ ليبلغ كماله، ويحصل على ارتقائه المقدر له، سواء أكان مادياً، أو أدبياً.

 

الحرب ضرورة:

5- ومن ثم، فإنّ أي تفويت أو تنقيص لحقّ من حقوق الإنسان، ليعتبر جريمة من الجرائم؛ وهذا نفسه هو السبب الحقيقي في منع الإسلام للحرب أياً كان نوعها.

لأنّ الحرب بجانب كونها اعتداء على الحياة – وهي حقّ مقدس – فهي تدمير لما تصلح به الحياة.

فمنع حرب التوسع، وبسط النفوذ، وسيادة القوى. فقال:

(تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأرْضِ وَلا فَسَادًا) (القصص/ 83).

ومنع حرب الانتقام والعدوان. فقال:

(وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (المائدة/ 2).

ومنع حرب التخريب والتدمير، فقال:

(وَلا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا) (الأعراف/ 56).

وإذا كانت القاعدة هي السلام، والحرب هي الاستثناء. فلا مسوغ لهذه الحرب – في نظر الإسلام – مهما كانت الظروف إلّا في إحدى حالات ثلاث: الحالة الأولى: حالة الدفاع عن النفس، يقول الله تعالى:

(وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) (البقرة/ 190).

الحالة الثانية: حالة الدفاع عن المظلومين، يقول الله تعالى:

(وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا) (النساء/ 75).

الحالة الثالثة: حالة الدفاع عن حرية الأديان، يقول الله تعالى:

(وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) (الأنفال/ 39).

وبهذا قضى الإسلام على كلّ لون من ألوان الحرب. سواء أكانت حرباً من أجل الدين، أم من أجل الدنيا.

ومهما كف العدو، وألقى السلم، بعد نشوب الحرب، فواجب أن تمنع الحرب ويحرم الاستمرار فيها. يقول الله تعالى: (فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلا) (النساء/ 90).

ويقول:

(وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) (الأنفال/ 61).

وحتى لو كان الكف نوعاً من أنواع الخديعة.

(وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ) (الأنفال/ 62).

 

لا يقتل إلّا من يشترك في القتال:

6- وإذا كان الإسلام أباح الحرب كضرورة من الضرورات، فإنّه يجعلها مقدرة بقدرها. فلا يقتل إلّا من يقاتل في المعركة. وأما من تجنب الحرب فلا يحل قتله أو التعرض له بحال.

وحرّم الإسلام كذلك قتل النساء، والأطفال، والمرضى، والشيوخ، والرهبان، والعباد، والأجراء، وحرّم المثلة؛ بل حرّم قتل الحيوان، وإفساد الزروع والمياه، وتلويث الآبار وهدم البيوت.

وحرم الإجهاز على الجريح، وتتبع الفار.

وذلك أنّ الحرب كعملية جراحية لا يجب أن تتجاوز موضع المرض بمكان.

ومن أبلغ ما قاله الإسلام في ذلك، قول الرسول (ص): "مَن قتل عصفوراً عبثاً. عَجّ إلى الله يوم القيامة، يقول: يا رب إنّ فلاناً قتلني عبثاً، ولم يقتلني منفعة".

 

تعاليم الإسلام تتجه نحو المثالية:

7- والإسلام يوجب العدل، ويحرم الظلم، وتعاليمه السامية، وقيمه الرفيعة، تتجه إلى المودة والرحمة، والتعاون والإيثار، والتضحية، وإنكار الذات وغير ذلك، مما يرفه الحياة، ويعطف القلوب، ويؤاخي بين الإنسان وأخيه الإنسان.

وهو بعد ذلك كلّه، يحترم العقل الإنساني، ويقدر الفكر البشري، ويجعل العقل والفكر وسيلتين من وسائل التفاهم والاقناع.

فهو لا يرغم أحداً على عقيدة معينة، ولا يكره إنساناً على نظرية خاصة بالكون، أو الطبيعة، أو الإنسان، وحتى في قضايا الدين، يقرر أنّه لا إكراه فيه، وأنّ وسيلته هي استعمال العقل والفكر والنظر فيما خلق الله من أشياء.

يقول الله تعالى:

(لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ) (البقرة/ 256).

ويقول تعالى:

(وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ * قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ) (يونس/ 99-101).

ورسول الله (ص)، لم تكن وظيفته إلّا أنّه مبلّغ عن الله، وداعية إليه.

يقول الله تعالى:

(يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا) (الأحزاب/ 45-46).

والإسلام يرى أنّ منع الحرب إنما يتم بمنع الظلم، الممثل في الاستعمار، وفي التفرقة العنصرية، وفي تجنب اعتقاد أنّ الجنس الأبيض ما خلق إلّا ليسود، وأنّ غيره ما خلق إلّا ليكون مسخراً له، ودائراً في فلكه.

وإنما يتم ذلك ويتحقق في نظره، بنشر التعاليم الصحيحة، وتعميق جذورها في النفس الإنسانية؛ وتربية النشء على فضائل المحبة؛ والمودة، والإخاء؛ والتعاون والتآزر؛ وتسخير جميع أدوات الإعلام في هذه السبيل حتى تصل الإنسانية إلى ما تنشده من أمان، وما تصبو إليه من سلام.

هذه وجهة الإسلام باختصار. ونظرته إلى قضية السلم في إيجاز.

وانّها لدعوة كريمة، نادى بها الإسلام منذ أربعة عشر قرناً. وانّها لا تزال صالحة لأن تقوم بدورها، إذا وجدت أذناً واعية، وقلوباً مفتحة للخير؛ والحقّ؛ والجمال.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (البقرة/ 208-209).►

ارسال التعليق

Top