• ٥ كانون أول/ديسمبر ٢٠٢٠ | ١٩ ربيع الثاني ١٤٤٢ هـ
البلاغ

إتقان الحديث وجودته

أ. د. عبدالكريم بكار

إتقان الحديث وجودته

◄يواجه كل المتحدثين والخُطباء والوُعَّاظ وفرسان الكلمة في زماننا هذا تحديات من نوع جديد؛ حيث كان الناس قبل مئة سنة لا يكادون يعرفون شيئاً مما يجري خارج محيطهم، وربما مكث أهل قرية من القرى أو أهل حي من الأحياء سنوات دون أن يسمع الواحد منهم شخصاً غير خطيب مسجده أو شيخ الحلقة التي يدرس فيها.. لكن هذا كله قد تغيَّر اليوم على نحو مدهش، فالذين يقدمون الأفكار والمواعظ والرؤى والنظريات والتحليلات السياسية والنصائح التربوية... ملؤوا الفضائيات، وصار في إمكان الفرد العادي أن يستمع يومياً إلى العشرات منهم، وكثير منهم على مستوى عالٍ من الثقافة ومستوى عالٍ من جودة الإلقاء والقدرة على إيصال الرسالة التي يرغب في إيصالها. إنّ الوضع صار أشبه بوضع رجل كان أهل بلده لا يطبخون سوى نوعين أو ثلاثة من الأطعمة، وكان يعتقد أن زوجته تطبخ تلك الأنواع بطريقة فريدة ومتميزة، وكان ذلك مما يمكن أن يتحدث به! وبين عشيَّة وضُحاها وإذا بالرجل يدعى إلى مطعم في أحد الفنادق الراقية، ليفاجأ بمائدة عليها مئة صنف، وكل صنف أشهى من صاحبه. إنّ هذا الرجل سيصاب بنوع من الصدمة، وسيدرك أن أهل بلده لا يعرفون مما يُطهى في بلدان أخرى إلا أقل القليل، وأن زوجته إن كانت متفوقة في إعداد الطعام، فتفوقها تفوق مَن ينافس نفسه حيث لا منافس! كم على تلك الزوجة حتى تستعيد ألقها (الطهوي) في عين زوجها أن تتعلم من صنع الأكلات الجديدة والمتنوعة، وكم تحتاج من المواد والتجارب وضبط المقادير؟ وكم تحتاج من الوقت والجهد للقيام بكل ذلك والحصول عليه؟!

هذا هو بالضبط وضعنا اليوم معاشر المتحدثين، وهو وضع لا نُحسَد عليه!.

إنني دائماً أشعر بفضل الله – تعالى – علينا؛ إذ فرض على المسلمين الاجتماع في كل أسبوع مرة ليستمعوا فيها إلى واحد من أفضلهم علماً وفهماً، وأتصور لو أن ذلك كان غير موجود، كيف ستكون معرفة الناس بأمور دينهم؟ وكيف سيكون ترابطهم وارتباطهم بالله – جلّ وعلا –؟ لكن أعود فأقول: هل استطعنا أن نستثمر هذا اللقاء الأسبوعي؛ لنقول فيه أفضل ما يمكن قوله، ولندل الناس على ما هم فعلاً بحاجة إليه؟

في البداية لابدّ من القول: إنّ خطبة الجمعة ما زالت تؤدي دوراً مهمّاً في تثقيف المسلمين وجَمْع كلمتهم وإثارة عواطفهم، ولكن ذلك الدور هو أقل بكثير مما هو مطلوب، ومما هو ممكن أيضاً.

 

"إتقان الحديث سلَّم ذو درجات، والمهم دائماً أن نبدأ بالصعود"

بعض الخطباء يحشد في الخطبة الواحدة عدداً من الموضوعات، ويلفت الأنظار إلى العديد من الأشياء، يسرد فضائل ويحذِّر من رذائل، لكن لا يشعر السامعون بوحدة الموضوع، وإذا سألت كثيرين ممن حضروا لم يستطيعوا تحديد عنوان للخطبة التي سمعوها. وهذا يجعل السامع يؤطر ما يتوقع سماعه من البداية في إطار فضفاض من الموعظة الحسنة، لذا فإنّه يسمح لنفسه بالنوم والشرود والنظر المستمر إلى ساعته...

كثير من الخطباء يتعبون في السنة الأولى على إعداد خطبهم، ثمّ يوزعونها على شهور وأسابيع السنة، ويراعون في ذلك التوزيع المناسبات الإسلامية، ويظلون يكررون تلك الخطب دهراً قد يصل إلى ربع قرن، إلى درجة أن بعض مستمعيهم يحفظون الكثير من تلك الخطب! مع أن أفهام الناس خلال تلك المدة الطويلة وذائقاتهم الثقافية وحاجاتهم الفكرية والمعرفية، تكون قد تطورت، وتغيرت إلى حد بعيد. إن أولئك الخطباء صاروا بمثابة صياد يسدد على نحو ثابت مدة طويلة، ويطلق النار وأسراب الطور تعلو وتهبط وتغرِّب وتشرِّق! ونظراً لكثرة الأحداث وتزاحم الوقائع والتطورات التي تغشى الأمة، فإنّه الناس يشتاقون ويتشوقون إلى سماع تحليل أو تقييم موقف من علمائهم ومفكريهم وقادتهم الروحيين حول ما يعكر حياتهم، ويهدد مستقبلهم، لكن كثيراً من الخطباء والوعّاظ لا يشعرون بما ينتظره الناس منهم، ولذا فإنّهم يكررون عين الكلام الذي قالوه منذ عشرين سنة!.

"ينبغي للعاقل أن ينتهي إلى غاية ما يمكنه فلو كان يُتصور للآدمي صعود السموات لرأيت من أقبح النقائص رضاه بالأرض. (ابن الجوزي)"

وهناك إلى جانب هؤلاء وأولئك خطباء كثيرون لا يهتمون بخطبهم ولا يثرون أفكارهم حول الموضوعات التي يطرقونها، ولذا فطرحهم يميل إلى السطحية وتكرار بعض المعاني المبتذلة في أساليب مكررة معادة، ويظنون أنّ التشنج ورفع الصوت وكثرة التمايل والتحرك، تستر رداءة فقر المعاني والأفكار التي يسوقونها!

وأعرف فريقاً أحسن من هؤلاء لكنه مصاب بالتعلق بالألفاظ الرنانة الطنانة، فهم يشعرون أنهم اهتدوا إلى استخدام كلمات جميلة وتعبيرات رائعة، لكنهم يغفلون عن ان معاني تلك الكلمات لا تنسجم مع الواقع ولا مع حال المدعوين وهمومهم واستعدداتهم!.

لابدّ في النهاية من القول: إننا مهما أدخلنا من تحسينات على خطابنا الدعوي فإننا سنظل نشكو من قصوره، وستظل إصلاحاتنا قابلة للجدل، كما هو شأن كل الإنجازات الأدبية والإنسانية؛ لكن المهم مع هذا أن يصبح البحث عن الأفضل والأجود شيئاً مستمراً في الأوساط الدعوية والإصلاحية، أو أن نفعل كما تفعل الشركات التجارية المحترمة، حيث إنك تجد لديها أقساماً للجودة الشاملة والبحث والتطوير.

وكم أتمنى أن تهتم المعاهد والكليات الشرعية بمسألة الخطابة والوعظ فتنشئ لها الأقسام العلمية، وتتيح التدريب المكثف والممارسة العملية لمنسوبيها، كما أتمنى أن ينشأ لدينا مركز للبحث في تطوير أداء خطباء الجمعة ومدرسي الحلقات العلمية والوعَّاظ.

"يموت معظم الناس قبل أن يكتشفوا القدر الأهم من مواهبهم وقدراتهم"

إن تحسين مستوى مخاطبة الناس والتأثير فيهم مطلب عام في الحقيقة؛ حيث إنّ التعبير عن الذات بقوة وبوضوح شرط للنجاح في كثير من الأعمال الحياتية، وهذا يقتضي كل من كل واحد منّا أن يسعى إلى تحسين مستوى أدائه اللغوي والبياني، وأيضاً فإنّ الدعوة إلى الله – تعالى ليست مهمة فئة أو أهل تخصص معيّن، وإنما هي وظيفة عامة ومشتركة لكل مسلم يحمل قدراً من الثقافة يمكِّنه من التأثير في غيره. لهذه الأسباب فإني أعتقد أن على المدارس والجامعات أن تقرر ضمن مناهجها مادة للخطابة والحوار والتفاوض أسوة بما هو موجود في العديد من الدول المتقدمة مثل الولايات المتحدة الأمريكية وغيرها.►

 

"للمتحدث الجيِّد عينان: واحدة على مضمون الرسالة والأخرى على العبارات الشيّقة التي يحسن استخدامها"

 

المصدر: كتاب (المُتحدِّث الجيِّد)

ارسال التعليق

Top