• ٢٢ شباط/فبراير ٢٠٢٦ | ٥ رمضان ١٤٤٧ هـ
البلاغ

العُذر أو (الاعتذار).. لعبةُ كلِّ يوم!

أسرة البلاغ

العُذر أو (الاعتذار).. لعبةُ كلِّ يوم!

(المُعذِّرون) غير (المُعذَّرين)، الأوائل هم الذين لا عُذرَ لهم وإنْ أتوا بعُذر، والثواني هم الذين يُعذَرون وإنْ لم يأتوا بعذر، إذ إنّ الطرف المقابل يعرف حقيقة الموانع التي منعتهم من إتيان فعل، أو الدواعي التي دفعتهم لفعل فعل.

(المُعذِّرون) هم الذين يختلقون الأعذار، والأصل في مفهوم (العُذر) هو إظهار الإصلاح في ما صدر من خطأ أو مكروه، وحُمل على محمل يرتفع عنه القُبح والكراهة والجناية، وهو أعمّ (أوسع دائرةً) من أن يكون في (رأي)، أو (خُلق)، أو (قول)، أو (عمل).

هو (لعبةُ كلِّ يوم)، بل كلّ ساعة، إذ سرعان ما يبادر مَن يكسرُ إناءً للقول: سقط سهواً، أو أنّ ثمةَ شيئاً إعترضه فسقط من يده، أو أنّ باله مشغول بهمّ معيَّن قلَّل من درجة عنايته، ونادراً ما يقول: سقط بسبب إهمالي!

والطالبُ المتأخرُ عن دوامه، وكذلك الموظف الذي يأتي دائرته متأخراً، لا يقول إنّ طبيعته هي التأخُّر في الحضور والاستهانة بالوقت، بل تراه يقول لك (أخذتني النومة) والنوم سلطان لا أحد يسلم من سلطانه، أو يقول إنّ ازدحام السيارات أخَّرني، أو يقول، وأنا خارجٌ من البيت حصل معي كذا، أو قد يكون بعض ذلك صحيحاً؛ لكن عند (المُعذِّرين) أصحاب الأعذار الجاهزة أو المكررة اعتادوها.

وقد يُشهِدوَن مَن يتواطئ معهم في كذبهم وافترائهم فيقول لك أحدهم (إذا لم تُصدِّقني، إسأل فلاناً)!! ممن يشهد له زوراً، ومهما ازدادت وتكاثرت الأعذار فإنّ سبباً واحداً حقيقياً يكون مجهولاً أو مخفيّاً لا يصدقُ المعتذرُ فيه.

وفي الحياة الزوجية تتطائر الأعذار من الطرفين، تقول الزوجةُ أنّها لم تطبخ اليوم لأنّ جارتها زارتها وشغلتها، أو إنّها ذهبت إلى السوق ولم يسعها الوقت، أو أنّ زيارتها إلى الطبيب حالت دون ذلك، أو أنّ تنظيف البيت استغرق وقتاً طويلاً، وقد يكون بعض ذلك صحيحاً؛ لكنّه - بالضرورة - العذر الرئيس المانع من دون أن تعدّ الطعام، أو أيّة خدمة أخرى من خدمات البيت ومستلزماته.

ويقول الزوج المتأخِّر عن عودته إلى المنزل، أنّ صديقاً صادفه في الطريق وشغله، وأنّ مديره استدعاه فتأخر عنده، أو أنّ الازدحام هو الذي تسبَّب في تأخُّره، وقد يكون بعض هذه الأعذار والقصص اجترارياً تكرارياً، يتردَّد على ألسن المعذِّرين بسهولة؛ ولكن بعضهم يُفكِّر جيِّداً في العذر الذي يحاول حبكه وحياكته وإحكامه حتى لا يتسلل الشكّ إلى قلب الزوجة، وتساورها الظنون، وتذهب بها المذاهب.

وهكذا في أعذار (الخَدَم) لـ(مخدوميهم)، وأعذار الموظفين لمدرائهم، وأعذار المواطنين لحكوماتهم، وأعذار الحكومات لمواطنيها، وأعذار الأصدقاء لأصدقائهم، وفي السيرة النبويّة كان ثمة أُناس من المسلمين يعتذرون عن المشاركة في (الجهاد) ضدّ الأعداء، ويقدمون من الأعذار ما يحاولون به الحصول على الإذن بالقعود وعدم المساهمة، كأنّ يقولون بأنّ (بيوتهم عورة) أي ليس هناك مَن يحرسها أو يحميها أو يقوم على شؤونها في غيابهم، أو يقولون بأنّ الجوَّ حارٌ شديدُ الحرارة، وهم لا يطيقون السفرَ في الحرّ، أو يدّعون أن نساءَ الرُّوم الجميلات فتنة، وهم رجال ضعفاء أمام النساء الفاتنات، قال تعالى: ﴿وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الأَعْرَابِ﴾ (التوبة/ 90)، أيّ الآتون بالعذر. وستأتي بعض الأعذار التي رصدها القرآن على ألسنة أهل النفاق، ومن ثمّ، فإنّنا نادراً ما يمرّ علينا يوم لا نصادفُ فيه أُناساً يختلقون الأعذار لأيّ (تقصير) أو (خطأ) أو (قُبح) أو (إساءة) أو (جناية)، إمّا استسهالاً لارتكاب الأخطاء، أو لدفع ضرر وخطر، أو لكسب ربح أو تعاطف، وفي كلّ الأحوال للدفاع عن أنفسهم.

من هنا، فإنّ من طريف ما قاله بعضُ اللغويين إنّ أصلَ (العُذر) من (العَذَرَة) وهي الشيء النجس (فضلات الإنسان أو الحيوان)، وعذرتُ فلاناً: أزلتُ نجاسةَ ذنبه بالعفو عنه، كقولك غفرتُ له، أي سترتُ له ذنبَه. و(العذَرَة) من الغلام (الذكر) القُلفة التي تُزال بعد الولادة، من الفتاة (الأُنثى) البكارة التي تزل بعد الزواج، وامرأة عذراء ذات (عَذَرة)، وكلّ هذه الاستعمالات جامعة لمعنى الرفع والإزالة.

ارسال التعليق

Top