• ٢١ تشرين أول/أكتوبر ٢٠٢٠ | ٤ ربيع الأول ١٤٤٢ هـ
البلاغ

إدارة الضغوط

نعيمة عبدالأمير آل حسين*

إدارة الضغوط
◄"دخل الدكتور على تلامذته في إحدى الجامعات وهو يحمل كأساً: -        فقال: من يستطيع أن يبقى حاملاً الكأس خمس دقائق؟ -        أجاب الجميع: الكأس لا وزن له كلنا نستطيع. -        قال حسناً: فساعة؟ أجابوا بنعم. -        قال: فيوماً كاملاً؟، ترددوا، ولكن نستطيع بجهد جهيد. -        أجابهم، فكيف لو تم حمل الكأس شهراً كاملاً؟، قالوا إلى الإسعاف مباشرة. قال: ولكنه لا وزن له (مجرد كأس)؟ ولكن، من الناس من يحمل معه (كأسه)، أقصد مشاكله الصغيرة (دوماً) بيده، سنين طويلة غير مدرك لآثارها على جسده وأعصابه".   ·       تمهيد: يتعرض الإنسان أحياناً إلى مواقف في الحياة تبدو أكبر من قدرته على احتمالها، ومع ذلك تُعَدُّ الضغوط النفسية جزءاً لا يتجزأ من حياة كل إنسان على وجه الأرض، وذلك مصداقاً لقوله تعالى: (لَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ فِي كَبَدٍ) (البلد/ 4)، والمقصود بالكبد، هنا: المشقة والعناء، سواءً كان جسميّاً أو نفسيّاً. ولو سألنا: ما هي أنواع الضغوط؟، لوجدنا أنها كثيرة منها: 1-                من الشخص ذاته، أي (داخلية) نابعة من نفس الإنسان وعقله وروحه، وبالتالي هو يسبب لنفسه ضغوطات معينة. 2-                من البيئة أو المحيط الذي يعيش فيه الشخص، أي (خارجية)، كالضغوط الناشئة من مجال العلم أو النابعة من الأسرة. 3-                في مجال العلاقات الاجتماعية، ومنها الأصدقاء والجيران. 4-                الضغوط الابتلائية التي تواجه الإنسان المؤمن بشتى أنواعها، كفقد عزيز، أو فقدان الأموال، أو الابتلاء بالأمراض.   ·       مظاهر الضغوط النفسية: تبدأ بالشعور بالحيرة والقلق أو الخوف أو الغضب والاضطراب العصبي، ومن خلال هذه المتاعب يفقد الإنسان هدوءه وسلامه الداخلي إذا تعرض إلى هذه الضغوط، ومن هنا يعرف أنه يعاني ضغوطاً نفسية. تتضح معالم شخصية كل إنسان حسب نضجه، فمنهم من يأخذ الأمور بسهولة، ويتعامل معها بشكل إيجابي ومرونة، فلا يضخِّمها، وبذلك يستطيع التغلب عليها أو التخفيف من حدَّتها، ومنهم من يتعامل معها بشكل مبالغ فيه، فيضخِّم الأمور ويعطيها أكثر من حقِّها مما يؤثر عليه بشكل سلبي ويفقده توازنه، فيؤدي بالنتيجة إلى تبلور شخصيته واتصافها بالصفات السلبية، كالقلق والحيرة والخوف والإصابة بالأمراض النفسية، ثم تتحول هذه الأمراض النفسية إلى أمراض عضوية. إن لهذه الأمراض علاقة وطيدة بأفكار الشخص ومعتقداته السلبية، فعندما يجلس الشخص ولا يفكر دائماً إلاَّ في المواقف السلبية، فيقول: فلان ضايقني بكلمته، وزوجتي أزعجتني، وأمي قست عليَّ، وحظي عاثر، ولم أحصل على وظيفة حتى الآن..، كل هذه الأفكار السلبية تجعل المخ يرسل إشارات إلى الجهاز العصبي، فيقوم الجهاز العصبي بتحفيز الغدد الصماء في جسم الإنسان، التي بدورها تفرز هرمونات حمضية تتلف خلايا جسم الإنسان، فيبتلي الإنسان بالكثير من الأمراض النفسية والجسدية، التي منها: الخمول والصداع والحموضة وسوء الهضم والأرق والبهاق وتساقط الشعر وبعض الآلام المتفرقة، وقد تزداد خطورة، منها: الأمراض المزمنة، كآلام الظهر والاكتئاب النفسي والإسهال وارتفاع ضغط الدم وقرحة المعدة والسكري والشقيقة والعجز الجنسي للرجال، وغيرها من الأمراض التي تكون بسبب هذه الإفرازات الحمضية التي تتلف خلايا الجسم دون أن يدركها الإنسان، وكل ذلك هو نتيجة لتلك الأفكار السلبية التي تسيطر على الإنسان، وخير شاهد لنا في ذلك هو أولئك الأشخاص الذين يذهبون إلى المشافي وتجرى لهم كل الفحوصات اللازمة، ثم يؤكد الطبيب على سلامة المريض عضويّاً وينصحه باستشارة أخصائي نفسي. والمرأة أكثر عرضة للاكتئاب من الرجل؛ وذلك لأن هرمونات المرأة تكون في حالة تغير قبل الدورة الشهرية وأثنائها وبعدها، وكذلك المرأة المتزوجة في فترة الحمل، جسمها يفرز هرمونات تهيئها لفترة الحمل والولادة وكذلك فترة الرضاعة، فما تتعرض له المرأة من ارتفاع وانخفاض وعدم توازن في هرموناتها هو ما يجعلها أكثر عرضة للاكتئاب والقلق والإصابة بالضغوط النفسية، وهنا لا نريد أن نركز بشكل عام على الأسباب، بل سنركز على أساليب ووسائل وآليات التغلب على هذه الضغوط أو التخفيف من حدَّتها، وهناك أمثلة تقريبية سنأتي بها قبل أن نتناول العلاج.   ·       قصة من أرض الواقع: على نطاق الحياة الزوجية، تحدثت إحدى الزوجات قائلة: علاقتي بزوجي متوترة ومتصدعة؛ وذلك لأن مجال النقاش بيننا مغلق، فما يزعجني منه أو يضايقني لا أتحدث عنه، ولا أحاول أن أتفاهم معه سعياً مني لإيجاد الحلول، فأظل أكبت ما بداخلي إلى أن تفاقمت المشكلات بيننا وأصبت بالأمراض نتيجةً لهذه الضغوط. وعلى نطاق العلاقات الاجتماعية تحدثت إحدى الطالبات المغتربات قائلة: حاولت إحدى زميلاتي التودد والاقتراب مني بشتى الوسائل من رعاية واهتمام وتقديم الهدايا، لدرجة أنني لم أشعر بالبعد عن أسرتي، حيث كانت تقوم بتلبية كل احتياجاتي إلى أن جعلتني أدور في فلكها وتعلقت بها تعلقاً شديداً، فبتُّ لا أستطيع الاستغناء عنها، ومن هنا بدأت سلسلة المعاناة، فعندما شعرت صديقتي بتعلقي بها أخذت العلاقة تنحى منحى آخر، إذ تغير أسلوب تعاملها معي وبدأت بتحقيري بكلمات جارحة أمام زميلاتي، ثم الحرمان العاطفي واللامبالاة وعدم الاهتمام إلى أن وصلت لوضع نفسي سيئ وشعرت بأنني سأفقد عقلي.   ·       علاج الضغوط النفسية: أيُّ علاقة لا أستطيع الاستغناء عنها ويطرأ عليها التغيير أو التصدع على المستوى الاجتماعي لا بُدَّ أن أتدرَّج في الابتعاد عنها، وذلك بمحاولة التقليل من الجلسات، والاعتماد على النفس في القيام بمسؤولياتها، والتقليل من المكالمات، وشيئاً فشيئاً حتى نعتاد على البعد ونصل إلى وضع نفسيٍّ مستقر ومتوازن، لذلك ينبغي لنا أن نعيَ هذه المقولة للإمام علي (ع): "أحبب حبيبك هوناً ما فعسى أن يكون بغيضك يوماً ما، وابغض بغيضك هوناً ما فعسى أن يكون حبيبك يوماً ما"، إذاً فلننطلق من التوازن والاعتدال في بناء علاقاتنا الاجتماعية أو غيرها الخاصة والعامة من خلال إدارة مشاعرنا وعواطفنا لنعيش حالة من الاستقرار والأمن والسلم الداخلي. كذلك، قد تواجهنا شخصيات مزاجية أحياناً تُقبِل وأحياناً تُدبِر، وقربنا منها لا يعود علينا إلا بمزيد من الضيق والضغط النفسي، فالأسلوب الأمثل للتعامل مع هذه الشخصية هو أولاً: أن تضع في اعتبارك أن هذه الشخصية غير سوية؛ ولأن الإنسان السَّويَّ لا يتعامل بهذه الكيفية، سواءً كان على مستوى الحياة الزوجية أو على مستوى العلاقات الاجتماعية، ثانياً: إذا أردت الاحتفاظ بهذه الشخصية المزاجية عليك أن تتقبلها كما هي، فإذا أقبلت أَقبل واستمتع بهذه اللحظات، وإذا أدبرت أدبر وكلك رضى وقناعة تامة دون أن تتذمر أو تتألم لإدبارها حتى تخلص نفسك من الضغوط والاضطرابات النفسية، ولن يكون للمرء ذلك إلا إذا استوعب مفهوم التعايش، ونعني بالتعايش هو احتواء التغيير والتعامل مع الظروف المتغيرة والتوقف عن المطالبة بأن تكون الحياة أفضل مما هي عليه في هذه اللحظة وتقبل الأمور كما هي، فالشخص الذي لا يحاول أن يتعايش نجده دائماً يصطدم مع من حوله ويدخل في صراعات نتائجها عقيمة. فعلى سبيل المثال: بدلاً من أن تصبح المرأة مستاءة أو قانطة عندما يتغير عليها شخص قريب منها، كزوج أو صديقة أو ما أشبه، بسبب ظروف طارئة فعليها أن لا تسمح لهذه الظروف أن تسبِّب لها ضيقاً، وتقنع نفسها أن هذه الأمور ستتكرر آلاف المرات أثناء سير العلاقة، وذلك لأن الحياة ليس فيها شيء دائم، وستعود لحظات جميلة أيضاً من حينٍ لآخر، فلتستمتع بها عندما تأتي، وبذلك تكون في حالة تعايش واحتواء وتشعر بالتقبل، وإعادة الاستمتاع من حين لآخر حتى تستطيع أن تحتفظ بعلاقاتها الوثيقة والحميمة، وهنا نسأل: هل للضغوط مردود إيجابي على الإنسان؟. قد تكون الضغوط التي يواجهها الإنسان في حياته سبباً لارتقائه وتطوره في مجال العمل، فعندما تلتحق بوظيفة جديدة وتعمل بكل طاقة وحيوية وتفانٍ في العمل، فيثقل عليك المدير بالمسؤوليات بما وجده لديك من كفاءة وثقة، والكثير من المقومات التي جعلته يسند لك المهام والمسؤوليات الثقيلة فتزداد عليك ضغوطات العمل فتضيق ذرعاً لهذا التغيير، إلا أنك في النهاية ترتقي وتصل إلى أفضل النتائج، فبدلاً من أن تكون في المرتبة الثانية أو الثالثة تكون في المرتبة الخامسة، ثم بعد ذلك قد تكون عضواً من أعضاء الإدارة. في مجال الحياة الزوجية أو العلاقات الاجتماعية تعترض الإنسان بعض المشكلات وتشكل عليه ضغطاً نفسيّاً وفكريّاً ويسعى جاهداً إلى حلها، فيُحدِث حركة في عقله وقلبه وروحه حتى يجد مخرجاً مما هو فيه، وهذا التفكير يكسب الشخص المزيد من المهارات والخبرات، التي يستطيع من خلالها مساعدة نفسه ومساعدة الآخرين في حلِّ مشاكلهم؛ لأنه اكتسب خبرات ومهارات في هذا المجال، وكذلك على المستوى التربوي والعلمي، إذاً الضغوط النفسية ليست دائماً سلبية، فكما قلنا الإنسان يستطيع أن يستثمر الضغوط لصالحه لو تعامل معها بشكل إيجابي ويحولها من محنة إلى منحة.   ·       أساليب التغلب على الضغوط النفسية: 1-    الرياضة والحركة: امشِ لمسافات طويلة منتصب القامة، فكلما رفعت رأسك واعتدل ظهرك وارتفعت أكتافك إلى اعلى قلَّت لديك حالة الاكتئاب وتجاوزت محنة الضغوطات، فوضع الجسم إما أن يساعدك ويهيئك نفسيّاً على الخروج من الحالة النفسية إذا كنت في وضع صحيح، وإما أن يزيدك سوءاً. 2-    التأمل والاسترخاء: للأسف الشديد، نحن نقضي معظم وقتنا إما في مشاهدة التلفاز أو المكالمات والزيارات، ونبخل على أنفسنا بوقت نقضيه في التأمل والاسترخاء الذي يجدِّد النشاط ويعطي الإنسان راحة وطمأنينة ويرتب وينظم الأفكار، فحتى نتأمل ونسترخي نقوم بالخطوات التالية: أ‌-      اجلس في مكان هادئ بعيد عن الضوضاء. ب‌- يجب أن تكون الأنوار هادئة. ج- استمع إلى شيء محبب إلى نفسك (قرآن أو دعاء أو أناشيد أو أصوات الطبيعة). وبذلك نعطي أنفسنا فرصة للابتعاد عن التفكير في المشكلات والهموم، ونستعيد السلم الداخلي والهدوء والسكينة، فهذه الساعة حقٌّ من حقوقنا نسعى إلى المحافظة عليها، فكما في الحديث: "اجتهدوا في أن يكون زمانكم أربع ساعات: ساعة لمناجاة الله؛ وساعة لأمر المعاش؛ وساعة لمعاشرة الإخوان والثقات؛ وساعة تخلون فيها للذاتكم في غير محرم. وبهذه الساعة تقدرون على الثلاث". 3-    الراحة والنوم الكافي 4-    التنفس العميق والهادئ إحدى طرق التنفس الصحيح والعميق لتوليد الطاقة (تمرين التنفس): أ‌-      استنشق من الأنف حتى العدد (6). ب‌- أفرغ الهواء من الفم حتى العدد (6) وكأنك تقوم بإطفاء شمعة. ج- قم بهذا التمرين (10) مرات.. مارس ذلك يوميّاً صباحاً وظهراً ومساءً إلى أن يصبح جزءاً من حياتك؛ لأنه يمدك بالطاقة والحيوية ويبدد الضغط. 5-    الرحلات.. خصوصاً في الأماكن التي تزخر بالطبيعة، كالمزارع والحدائق، فعندما يمشي الإنسان على العشب حافي القدمين فإن العشب يسحب الطاقة السلبية من الجسم، كذلك وضع الرجلين في ماء البحر له فائدة كبيرة بالشعور بالراحة، فنحن كثيراً ما نرى أن الإنسان المجهد دائماً يؤتى له بإناء كبير فيه ماء دافئ وملح ليضع رجليه فيه، وبذلك يستخرج السموم من جسمه عن طريق مسامات القدم فيشعر بالراحة. 6-    عدم التعامل مع الحياة بشكل جاد وصارم: على الإنسان أن يكون بسيطاً ومرناً في تعاملاته،فالضحك والمرح يمدّان الإنسان بالصحة النفسية والجسدية، والرسول الأكرم (ص) كان كثير التبسم حتى كانت تبان نواجذه، فليس من المعيب أن يعيش الإنسان حالات من المرح ويبتعد عن الجدية والصرامة مع من حوله في بعض الأمور، فالضحك والمرونة يضفيان على الإنسان الهدوء والسكينة والراحة، وقد ثبت صحة ذلك علميّاً. المصحات النفسية تهتم كثيراً بتخصيص وقت للمرح، لما له من الأثر في التخفيف من حدَّة المرض، لاسيما النفسي منها، فعلى الإنسان أن لا يتعامل مع الحياة دائماً بجدية وصرامة، بل يتعامل بالرفق والمرونة وقليل من التفويت والتطنيش، فالإنسان العاقل هو الذي يفوِّت بعض الأمور ولا يركز على صغائر الأمور وكبائرها، ويحلل ما قاله فلان وما يقصده فلان بأنه ضده فيخلق من كل شيء مشكلة، وبذلك يبتلي بالضغوط والأمراض النفسية، ثم العضوية. 7-    الابتعاد عن المنبهات كالشاي والقهوة 8-    اتِّباع نظام غذائي متوازن فالغذاء المتوازن يخلِّص الإنسان من الضيق والقلق والتوتر ويخفف من حدَّة ووطأة الضغوط النفسية، فهناك بعض الأطعمة التي تساعد على الهدوء، كالزبيب والعنب والرمان والخس، وكذلك الجزر وغيرها من الأطعمة. 9-    الكتابة لاستخراج ما بداخلنا: قد تواجهنا أحياناً مشكلة على الصعيد الأسري أو الاجتماعي، ولا نجد من نستطيع أن نتحدث له عمَّا بداخلنا، فهنا علينا أن نوجد لأنفسنا مخرجاً آخر، وهو الكتابة، فأسمكُ بورقة وقلم وأكتبُ رسالة باسم فلان، وأذكر فيها الموقف الذي ضايقني بكل تفاصيله إلى أن أشعر بأنني تخلصت من الطاقة السلبية التي تركها لي ذلك الموقف، واستخرجت كل ما بداخلي، وبعد ذلك أقوم بتمزيق الورقة ورميها، ولو شعرت بعد ذلك أنني لم أتخلص من مشاعر الضيق أعاود الكتابة مرة أخرى، إلى أن أتأكد أنني تحرَّرت من المشاعر السلبية من قلق وغضب وتوتر، فكلما حرَّر الإنسان ما بداخله من مشاعر سلبية أصبح أكثر استعداداً وقابلية لتلقي الأمور الإيجابية، وبذلك يستطيع أن يستعيد توازنه ويسيطر على مشاعره ويديرها بشكل صحيح، فتحرير المشاعر عن طريق الكتابة يُعَدُّ من أنجح الأساليب التي تعين المرء على التخلص أو التخفيف من حدَّة الضغوط التي يعاني منها. 10-                       التخيل: مَنْ لا تكون لديه القدرة على استخراج ما بداخله عن طريق الكتابة يستطيع أن يلجأ إلى وسيلة أخرى وهي التخيل، وذلك بأن يذهب الشخص إلى مكان هادئ بعيد عن الإزعاج، ويتخيل الشخص الذي في داخله غضب منه ويتكلم معه وكأنه أمامه، ويذكر الموقف الذي يسبب له الضيق والانزعاج، ويناقشه فيه ويسأله عن كل ما يدور بنفسه إلى أن يشعر الشخص بالارتياح، ويتخلص من المشاعر السلبية ويستطيع التغلب على الضغوط حتى ينجو بنفسه من الهموم والأمراض. 11-                       طلب المساندة والدعم المعنوي: عندما يكون الإنسان ذا شخصية متشائمة ومثقلة بالمتاعب والهموم التي تشكل عليه مزيداً من الضغوط عليه أن يلجأ إلى طلب المساندة والدعم المعنوي من شخصية تستطيع أن ترتقي وتستنهض به، وتجعل عنده نوعاً من التأهيل، وذلك بمساندته وإمداده بالأفكار الإيجابية، ويفضل الارتباط بالأشخاص الناجحين والمتفائلين والإيجابيين، بحيث يكتسب منهم الروحية والطاقة الإيجابية العالية ويتبرمج برمجة إيجابية. 12-                       التحدث مع شخص نثق به: قد تكون لدى أحدنا مشكلة لا يستطيع من حولنا حلها، فنلاحظ البعض يقول: مشكلتي ليس لها حل، لا يستطيع أحد أن يقدم لي شيئاً، ولن أستفيد عندما أشكي ما بي إلى الغير، فمشكلتي بيد الله سبحانه وتعالى، وقد يتعذَّر على البعض حل المشكلة من جذورها، ولكن ليس معنى ذلك أن يجلس الإنسان ويندب حظه ويعيش المعاناة وحده، فما المانع لو اختار الإنسان في هذه المواقف شخصاً يثق به فيبث له همه ومعاناته، وبذلك يستخرج من قلبه وروحه ما علق به من متاعب وضغوط، فقد لا يساعده ذلك الشخص على حل مشكلته، ولكن يكفي أنه وجد من يفتح مسامع قلبه وعقله له، ووجد من يسانده ويربطه بالله سبحانه وتعالى، وكذلك قد يعطيه ذلك الشخص بعض الأذكار التي تربطه بالله سبحانه وتعالى فتقربه وتجعله في حالة سكينة وطمأنينة لقوله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) (الرعد/ 28). فالمساندة المعنوية لها أثرٌ إيجابيٌّ في التخفيف من وطأة الهموم والآلام، فليجرب أحدنا حمل طاولة بمفرده، ثم يدع مجموعة تحملها معه، سيشعر بالراحة عند مساعدتهم له في حملها، كذلك الهمُّ أو الضغط النفسي أو المشاكل إذا حملها الإنسان وحده أثقلته وأبلته بكثير من المتاعب والأمراض، بينما لو وجد من يشاركه فيها ويواسيه بكلمات إيجابية ترفع من معنوياته ويتحرَّر من الطاقة السلبية، وبالتالي يعبأ بالطاقة الإيجابية، فلنبحث عن هؤلاء الأشخاص الإيجابيين، ولنسعَ إلى الارتباط بهم حتى نستطيع أن نعيش حياة متوازنة، كما قال أمير المؤمنين (عليهم السلام): "عاشر أهل الفضل تسعد وتنبل". 13-                       التسامح مع الذات والآخرين: إن أغلب مشاكلنا ناشئة من عدم الرضا عن الذات وعدم الانسجام والتناغم والقبول للنفس، وهي من أعقد الصراعات وأبلغ الضغوطات النفسية، فالأمور الخارجية يستطيع الإنسان أن يسيطر عليها بطريقة أو بأخرى، بينما الأمور الداخلية من عدم رضا وتسامح مع الذات تقتل الإنسان وتشده إلى الأرض، فكيف يستطيع الإنسان أن يتسامح مع ذاته؟. لن يكون للمرء ذلك إلا إذا قوَّى ووثَّق علاقته بربه، فعندما يبني نفسه من الداخل بناءً عقائديّاً قويّاً يستطيع أن يصل إلى القبول والرضا ويصل إلى السلم الداخلي، وأيام شهر رمضان المبارك لهي أيام الرحمة والفيض الإلهي، وهي فرصة لنا لنجدِّد الدورة الروحية ونخلِّص أنفسنا مما علق بها، وذلك بمقاومة النفس على الشهوات والملذات والتزود بالغذاء الروحي من دعاء وصلوات والإكثار من قراءة القرآن، وشهر هبة ومنحة إلهية من ربِّ الأرباب، حيث إنه سبحانه وتعالى وعد عباده فيه بغفران ذنوبهم وعتق رقابهم من النار في حالة أخلص العبد في توبته واعترف بذنوبه أمام الله سبحانه وتعالى ولجأ إليه وتوكل عليه وتنصل من ذنوبه ووعد ربَّه بأن لا يعود إلى الذنب، وذلك يوِّلد رضا الله سبحانه وتعالى، فالله جل وعلا يفرح بتوبة عبده، كما قال في كتابه الكريم: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (الزمر/ 53)، وبما أن الله سبحانه وتعالى يسامح ويغفر فعلى الإنسان أن يسامح نفسه ويغفر لها ما اقترفته من خطايا ويخلص نفسه من الذنوب التي تعوقه عن الارتقاء بذاته والنهوض بها، والإنسان يحتاج في ذلك إلى طاقة عالية، كالمركبة الفضائية التي تحتاج إلى طاقة عالية جدّاً حتى ترتفع وتبتعد عن مجال الجاذبية الأرضية، وهذه الطاقة الهائلة التي تحتاجها المركبة الفضائية تحتاجها أيضاً النفس، فهي تحتاج إلى النية الخالصة والرغبة والإرادة والاستمرارية والتوكيد على النفس حتى ترتقي نفسيتها وروحيتها كما المركبة الفضائية، وتتولَّد الطاقة الإيجابية الإيمانية عن طريق الرغبة والإرادة والثقة بالله سبحانه وتعالى، فالله سبحانه وتعالى يقول في حديث قدسي: "أنا عند حسن ظن عبدي المؤمن بي إن خيراً فخيراً وإن شرّاً فشرّاً". فلنحسن الظن بالله، بأننا من المعتوقين من النار، وأننا ممن تشملهم الرحمة الإلهية حتى نستطيع أن نتسامح مع ذواتنا، وعندما نخلًِّص أنفسنا من هذه القيود ونرضى عنها ونتسامح معها نبدأ بالتسامح مع الآخرين، ونتعلم كيف نتدرَّج في التسامح عن الآخرين، فكثيراً ما نتجاوز على من حولنا بكلمة جارحة ونؤذيهم نفسيّاً دون أن نقصد ذلك. مثلاً: تلتقي فاطمة بزينب، وفي أثناء اللقاء يدور حديث بينهما، فتخرج منه زينب منزعجة ومتعبة من فاطمة، وتظل زينب على هذه الحالة لفترة طويلة، بينما فاطمة لا تشعر بهذه كلها، بل بمجرد أن خرجت نسيت كل ما قالته لزينب ظنّاً منها أنها لم تفعل شيئاً وأن ما قالته لا يزعج أو يضايق صاحبتها، وتظل زينب في حالة حنق وغضب من فاطمة، وتتحيَّن الفرصة لترد لفاطمة الصاع صاعين حتى تتولد لديها الضغوط النفسية والأمراض، وكل ذلك بسبب عدم التسامح لكلمة قالتها فلانة لها، وعدم حملها على حسن الظن كما في المأثور: "احمل أخاك المؤمن على سبعين محملاً من الخير". لذلك على الإنسان أن يتسامح مع الآخرين، ويحمل أخاه المؤمن على سبعين محملاً، حتى يحظى بالراحة والاستقرار، ويتخلص من الضغوط والأمراض التي تسلب الإنسان الصفاء الذهني والطاقة الروحية، وتبتليه بالأحقاد والحسد والبعد عن الله سبحانه وتعالى فيحجب الإنسان عن النور واللطف والرحمة الإلهية، ولنجعل تلك الأيام انطلاقة للتسامح مع الذات ومع الآخرين، وهذه هي الانطلاقة الحقيقية، فإذا انطلقنا من الداخل بقاعدة إيجابية بدا كل ذلك واضحاً على السطح الخارجي، فكيفما أنت تعيش في الداخل سترى الخارج، كذلك وحالة من انعكاس الداخل إلى الخارج، و(كل إناء بالذي فيه ينضح).►   المصدر: كتاب تعلم فنون التواصل وإدارة الضغوط

ارسال التعليق

Top