• ٢٤ تشرين أول/أكتوبر ٢٠٢٠ | ٧ ربيع الأول ١٤٤٢ هـ
البلاغ

الدعم النفسي للمسنّين

عمار كاظم

الدعم النفسي للمسنّين

المسنّون هم آباؤنا وأُمّهاتنا الذين وصلوا إلى عمر باتوا بحاجة إلينا، إلى دعمنا واحتضاننا وحبّنا ورعايتنا، بعد أن قاموا بأكثر ممّا عليهم طوال عمرهم تجاهنا، وأدّوا ما عليهم من مسؤولية وأكثر، وتحمّلوا منّا ما لا يتحمّله أحد غيرهم، وأوصلونا إلى ما نحن عليه. من حقّهم وهم يعيشون العمر المتقدّم، أن نكون إلى جانبهم، أن نشعرهم بالرعاية والحبّ والاهتمام، أن لا نتركهم يعيشون الوحدة والحزن.. فينتظر المسنّ نفسياً من محيطه العائلي الدعم النفسي، وهو ضرورة لجميع المراحل العمرية؛ مرحلة الطفولة والمراهقة والشباب والكهولة والشيخوخة. الإنسان طالما هو في حالة حياة، هو بحاجة إلى دعم، ولكن يختلف أسلوب هذا الدعم من مرحلة إلى أُخرى.. إنّ الشيخوخة ليست عارضاً أو مرضاً أو حالة نفسية أو مرضية أو اجتماعية. نحن جميعنا مسنّون مع وقف التنفيذ، نحن سائرون وصائرون إلى الشيخوخة الأُولى، هذه المرحلة لها مواصفاتها الخاصّة، نتيجة الضعف ونتيجة الخوف ونتيجة القلق ممّا هو أصعب من ذلك.. فكلّما تقدّم المسنّ بالعمر، شعر بالقلق أكثر، وبالخوف أكثر، وبالضعف أكثر.

هذه المكوّنات كلّها توحي بالتشاؤم. فمن أجل ذلك، يقتضي على المحيطين بالمسنّ؛ الأولاد والإخوة والأخوات والمجتمع، أن يعطي هذا المسنّ تعويضاً عن هذا الضعف، وعن هذا الشعور بالإحباط الذي يعتريه. وهذا التعويض.. هو الحبّ، العطف، التقدير، والرعاية، ولا يجب أن يشعر هذا المسنّ بأنّه هو مريض ومنبوذ. وإنّ موضوع المسنّين لم يلقَ حتى تاريخنا العناية اللازمة، حتى المثقفون، بكلّ أسف، إذا ما تحدّثوا عن الشيخوخة أو عن المسنّين، يتحدّثون عن شريحة من الناس هي أشبه بشريحة المعوَّقين أو المرضى، والواقع ليس كذلك. إذاً، هذا الدعم هو حقّ لهم، وإضافةً إلى ذلك، هذه الخبرة التراكمية من تجارب العمر والاختبارات، منها ما نجح ومنها ما أخفق، ومنها ما كان سبباً في سعادة.. فيجب أن يستثمرها الأبناء والأجيال القادمة.

يقال: إنّ الكبار هم ذخيرة هم بركة هم الخير هم العطاء، فيجب الالتفات إلى النوادي أو المصحات النفسية أو المراكز، مهما جمِّلت هذه الأسماء، فهي تترك أثراً كبيراً في نفس المسنّ.. دار العجزة، دار المسنّين، إلى ما هنالك، ثبت أنّها تترك في نفوس المسنّين آلاماً مبرحة، بحيث يغادرون هذه الحياة والجراحات ترافقهم إلى ما بعد الموت. لذلك نجد أنّ الدِّين الإسلامي الحنيف يؤكّد على دعوة صلة الرحم والتعاطف والتقارب بين أُولي الأرحام وذوي القربى، فقد قال تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُواْ مِن بَعْدُ وَهَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنكُمْ وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (الأنفال/ 75). وقد جاءت الأحاديث الشريفة لتؤكّد على حقّ الوالدين على الأبناء، برّهم ورعايتهم وتوفير احتياجاتهم والعمل على إسعادهم، ففي تفسير الآية الكريمة: (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) (الإسراء/ 24). وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «رِضا الله في رِضا الوالدين وسخطه في سخطهما».

ختاماً، إنّ الحضارة الإسلامية تزخر بالكثير من الأحكام الشرعية التي كفلت رعاية المسنّين، وضمنت حقوقهم، وبالغت في تكريمهم، انطلاقاً من مبدأ تكريم الإسلام للإنسان، سواء كان طفلاً أو مراهقاً، أو شاباً أو كهلاً أو شيخاً هرماً ، وذكراً كان أو أنثى لقوله تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) (الإسراء/ 70) .ومن هنا كان الإسلام بتشريعاته الكريمة أوّل نظام اجتماعي عادل، نسق بين معاني الرعاية العاطفية ومظاهر العدالة الاجتماعية الحقيقية في تكريم المسنّين وتحديد حقوقهم وواجباتهم، وتمكينهم من تأدية وظيفتهم وممارسة نشاطهم في جميع الميادين على أكمل وجه.

ارسال التعليق

Top