• ٢٦ تشرين ثاني/نوفمبر ٢٠٢٠ | ١٠ ربيع الثاني ١٤٤٢ هـ
البلاغ

الغُصنُ المحمدي.. «أي بُني، نادِ الناس بأحب أسمائهم»

أسرة

الغُصنُ المحمدي.. «أي بُني، نادِ الناس بأحب أسمائهم»
 3- أي بُنيّ! نادِ الناسَ بأحبِّ أسمائهم إليهم.. ما استطعت!   - الأسوة: عن (أنس بن مالك): "كان (ص) يدعو أصحابه بكناهم إكراماً لهم واستمالةً لقلوبهم، ويُكنِّي مَن لم يكن له كُنية، فكانَ يُدعى بما كناه له. ويُكنِّي أيضاً النساء اللواتي لهُنّ أولاد، واللّواتي لم يلدنَ. ويُكنِّي الصبيان فيستلينُ به قلوبهم"!   - التأسِّي: أي بُنيّ! إنّ أوّل ما يُطرقُ سَمعَكَ عند النِّداء هو الإسم الذي به تُعرَف، أو الكُنيةُ التي بها تُنادى، والكُنيةُ – في الغالب – أقربُ إلى القلب، وأرهفُ على السّمع، لأنّها النِّداءُ المُحبّبُ الذي تحبُّ أن تُنادى به فتستجيب. وكُلّما كان النِّداء رقيقاً، مُهذّباً، لطيفاً، مُحمّلاً بعبقات الودّ والاحترام، لذيذ الوَقْعِ على السمع، كانت تلبيتُك أسرع وأوسع، كانت استجابتك لما يُطلبُ منك – ولو كان صعباً ثقيلاً – أتمّ وأكمل. أيْ بُنيّ! إنّ السمع نافذةٌ يلجُ الآخرُ منها إليكَ، وتدخلُ منها إليه، فاختر من طُرق النِّداء أجلّها وأحلاها لتحظى ممّن تُناديه بـ(لبّيك). نادِهِ بأحبِّ الأسماء إليه، وكما يحبُّ هو أن يُنادى، سواء باسمه الصريح، أو بكُنيته، وإذا راقَ له أن تُكنِّيه بكنية جميلة فكنِّه (إكراماً) له و(استمالةً) لمشاعره، وتلييناً لقلبه، كما كان رسول الله (ص) يفعل. أي بُنيّ! إنّ العرب كانت إذا استملحت شخصاً صغرت إسمه للتحبيب، فإذا قالت (جابر) (جويبر)، فإنّها لا تنتقص من قدره، أو تُقلِّل من شأنه، بل تريد إشعاره بحُبِّها له. فتفنّن في إطلاق النّداءات المُستملحة العذبة اللّطيفة الوقع على أذن السامع، تستقطب قلبه ومشاعره. أي بُنيّ! إنّ نداء القرآن الكريم لمريم (ع): (يَا أُخْتَ هَارُونَ) (مريم/ 29)، مليءٌ باللّطف، عامرٌ بالحنوِّ، غني بالدلالة، مُفعم بالعذوبة! وإنّ خطاب النبي (ص) لابن عمّه عليّ (ع) بـ(أبي تُراب) فيه رفعٌ للمنزلة، وجمالٌ في الكنية الموحية، وربّما استعذبه الإمام علي (ع) أكثر من (يا أبا الحسن)! وإنّ تكنيته (ص) لابنته فاطمة الزهراء (ع) بـ(أُمِّ أبيها) له من الأصداء المُحبّبة ما بقي يتردّد في خلجات نفسها، وإن كان (ص) ربّما خاطبها بـ(فاطمة) و(فاطم) أو أيّ إسم يتلفّظه فم النبوّة، ويُنادي به لسانُ الأبوّة.. فالمهمّ أن يكون المُنادى قد استشعر حلاوة النِّداء، وجرس المحبّةِ والصفاء! أي بُنيّ! إفتح مسامعَ مَن حولكَ بأحبِّ الأسماء والكنى إليهم.. فلحلاوةُ الإكرام والتكريم المعنوي أشدُّ من حلاوات التكريم المادي كلّها! واعلم أنّ النبي الأسوة الحسنة (ص) قد أطلقَ على شخصٍ اسمه (بغيض) إسم (حبيب)، وعلى امرأةٍ اسمها (عاصية) (جميلة)، فبعثَ فيهم روحاً جديدة!! وبنبيِّك فاقتدِ! وبأخلاق ربّك يتخلّق!   4- أي بُنيّ! إضبط لسانكَ... ما استطعت!   - الأُسوة: في (معاني الأخبار) عن (هند بن هالة) يصفُ منطق رسول الله (ص): "كان رسول الله (ص) طويلَ السكوتِ، لا يتكلّمُ في غير حاجةٍ، يفتتحُ الكلامَ ويختمهُ بأشداقه، يتكلّمُ بجوامع الكلم فصلاً لا فضلول فيه ولا تقصير". وكان (ص) يقول: "رَحِمَ اللهُ عَبداً قال خيراً فغنم، أو سكتَ عن سوءٍ فسلم". وكان (ص) يُعلِّم أصحابه أن يكونوا بين خيارين: إمّا قول الخير أو الصمت، فيقول: "قُل خيراً أو فاصمِتْ، لا صمتَ ذهولٍ، بل صمتَ تفكُّر"! وكان (ص) يعتبر قلّة الكلام فيما لا ينفع من حُسنِ إسلام إنسانٍ ما، فيقول: "إنّ من حُسنِ إسلام المرء قلّة الكلام فيما لا يعنيه". ويُعلِّمنا (ص) درساً في كيفية اختزال الكلام واقتضابه، فيقول: "إنّ من حسبتَ كلامهُ من عملهِ قلّ كلامُه إلا فيما يعنيه"!   - التأسِّي: أي بُنيّ! مَن قال لك إنّ الكلام لا ضريبةَ عليه فثرْثِر بما شئت، لا يعلمُ أن قول الإنسان من عمله، وكلّ من لم يعتبر قوله جزءاً من عمله فقد غُرِّر به. رسول الله (ص) أسوتنا الحسنة، يقول: "وهل يُكَبُّ الناسُ على مناخيرهم في نار جهنّم سوى حَصادِ ألسنتهم"؟! فما اغناكَ يا بُنيّ عن فضول الكلام، وحشو القول، وزلات اللِّسان، ذلك أنّ الكلام في وثاقك (أي في عهدتك)، فإذا نطقتَ به صرتَ في وثاقه (أي صارَ حجّةً عليك)، فتريّث فيما تقول وتطلق من تصريحات أو شعارات. أي بُنيّ! قُل خيراً أو فاصْمت، فالصّمتُ خيرٌ من كلام يؤدِّي بكَ إلى النار، والصمتُ خيرٌ من "كلامٍ كلّام" أي يُصيبُ الناس بالأذى، ويُسبِّب لهم الجروح النفسية، فرُبّ كلمةٍ قاسيةٍ أو جارحةٍ أو غير مسؤولة تركت آلاماً لا تُنسى مدى الحياة، وقد تكسر أو تعوِّق إنساناً بكلمةٍ، كما أنّك قد ترفعه وتجبره بكلمة. يقول الشاعر (القرويّ): لطِّف حديثك فالنفوسُ مريضةٌ **** ومن الكلام مُحنِّنٌ ومُجَنِّنُ أيْ بُنيّ! مَن فكّر قبل العمل كثرَ صوابُه، وصمتُ التفكير أنفعُ من الخوض مع الخائضين، أما رأيتَ كيف أنّ سيِّد البُلغاء والعُظماء علي بن أبي طالب (ع) يتمنّى أن تكون له رقبةٌ كرقبةِ البعير حتى لا تنزلق الكلماتُ بسرعةٍ إلى لسانه، ولئلّا يندم على ما قال. أيْ بُنيّ! يقول النبي الأُسوة (ص): "إنّ الرجل ليتكلّمُ بالكلمة من رضوانِ الله ما كان يظنُّ أن تبلغ ما بلغت، يكتبُ اللهُ تعالى لهُ بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإنّ الرجل ليتكلّمُ بالكلمةِ من سخط الله ما كان يظنُّ أن تبلغ ما بلغت، يكتبُ اللهُ له بها سخطه إلى يوم يلقاه"! فانظر في موقفك: أيُّ الكلمتين أحقُّ أن تتكلّم بها: كلمة تستجلب الرِّضوان إلى يوم القيامة، أو كلمة تستوجب السّخط إلى يوم القيامة؟! أيْ بُنيّ! مَن ساء لفظُه ساء حظُّه.. ومَن ساء كلامه كثُرَ ملامُه، فإيّاكَ ومُستَهجَن الكلام، فإنّه يوغرُ القلب، ويملأهُ بالحقد، ويدفع إلى ما لا تُحمد عُقباه. قُل لِمَن يريدُ أن يستدرجكَ إلى المحرقة: لو قلتَ عشراً ما سمعتَ منِّي واحدة، وإذا خاطبك الجاهلون، فقُل: (سلاماً)، وإذا ألحَوا عليك قائلين: إيّاك نعني. فقُلْ لهم بترفُّع: وعنكم أُعرِض! أي بُنيّ! كما تقول يُقال لك، فأجمِل في الخطاب تسمع جميل الجواب، وقُل شرّاً تسمع شرّاً، فالكلام كما يقول الأُسوة الحسنة (ص) ثلاثة: فـ(رابحٌ) و(سالمٌ) و(شاحِبٌ)، فأمّا (الرابحُ) فالّذي يذكرُ الله. (جعلكَ الله من الذاكرين يا بُني). وأمّا (السالمُ) فالّذي يقول ما أحبّ الله. (وفّقكَ الله لأن تقول ما يُحِبّ). وأمّا (الشّاحبُ) فالّذي يخوضُ في الناس. (أجاركَ الله وجنّبكَ الخوضَ في عيوب الناس وعثراتهم).

ارسال التعليق

Top