• ٦ أيار/مايو ٢٠٢١ | ٢٤ رمضان ١٤٤٢ هـ
البلاغ

القولون العصبي.. الوقاية والعلاج

القولون العصبي.. الوقاية والعلاج

في دراسة نشرتها إحدى المجلات الطبية وردت إحصائية عن الأمراض التي تتسبب في ضياع ساعات العمل وكان في مقدمتها نزلات البرد والأنفلونزا، وبمعدل مماثل تقريباً ورد ذكر حالات.

"القولون العصبي" كإحدى المشكلات المرضية واسعة الانتشار، والتي تتسبب في المعاناة لدى كثير من الناس لفترات طويلة..

ومرض "القولون العصبي" الذي يرمز إليه الأطباء باختصار (ي. بي. إس) هو بالنسبة لنا من الحالات المعتادة في العيادة النفسية، وأكثر من ذلك فإنّ أعداداً هائلة من المرضى يطلبون العلاج لدى الأطباء الممارسين، وفي العيادات الباطنية، وعيادات الجراحة وأمراض النساء والتخصصات الأخرى، وهذا يجعلنا نعتبر هذا المرض ضمن قائمة أمراض العصر الحالي التي تزايد انتشارها ومعلومات تهمنا جميعاً حول مرض "القولون العصبي".. أسبابه.. وأعراضه.. وطرق الوقاية والعلاج:

 

هل أنت مريض.. بالقولون؟!

من المعروف أنّ هناك مجموعة من الأمراض تضمها قائمة طويلة يطلق عليها الأمراض النفسية/ الجسدية.. أو السيكوسوماتية، وهذه الأمراض التي تضم أمراض العصر المعروفة مثل السكر، وارتفاع ضغط الدم، وقرحة المعدة، وبعض الأمراض الجلدية، وأمراض القلب القاتلة وغيرها تم وضعها في هذه القائمة لأنّ جذورها تعود إلى أسباب نفسية نتيجة للتعرض للضغوط وكبت الانفعالات على مدى طويل فيكون تأثير ذلك خلل في بعض وظائف الجسم يتحول إلى مرض مزمن حقيقي يصعب علاجه، وينطبق ذلك على حالات القولون العصبي التي عرفت منذ وقت طويل ووصفها الأطباء تحت مسميات مختلفة مثل التهاب القولون أو الإسهال العصبي أو الاضطراب الهضمي الوظيفي، وهي تصيب أعداداً كبيرة من الناس بعضهم يجد صعوبة في وصفها بدقة للأطباء ويظل يعاني منها لمدة طويلة.

وفرصة الإصابة بالقولون العصبي حسب الإحصائيات الطبية الكبيرة حيث يعاني منه 20% من الناس، أي أنّ واحداً من كلِّ خمسة أشخاص يصاب بهذا المرض، وتحدث الحالة في النساء أكثر من الرجال بنسبة 3.1، وتزيد احتمالات الإصابة بعد سن 35 عاماً، وقد تعود النسبة العالية من الحالات في النساء إلى مراجعة المرضى من السيدات للعيادات الطبية بصورة أكبر من الرجال، وهذا المرض رغم انّه لا يهدد الحياة ولا يتسبب في مضاعفات خطيرة إلا انّه يسبب المضايقة والاضطراب المستمر والمعاناة الطويلة.

 

شكوى مرضى القولون:

تختلف الأعراض المرضية التي يشكو منها مرضى القولون العصبي من شخص إلى آخر، كما تختلف في نفس الشخص من وقت إلى آخر، وقد تبدو متناقضة في بعض الأحيان، والأعراض الرئيسية تستمر لمدة تطول إلى شهور أو سنوات وهي عسر الهضم، والشعور بالامتلاء وانتفاخ البطن، والإمساك أو الإسهال، أو تبادل الإمساك والإسهال على مدى أيام الأسبوع، وآلام أسفل البطن تعقب تناول الطعام مع شعور دائم بعدم الارتياح، وهناك مجموعة من الأعراض الأخرى المصاحبة لهذه الحالة مثل فقدان الشهية للطعام، والشعور بالغثيان، وآلام الظهر، وقد تشكو بعض السيدات من آلام تحدث أثناء الممارسة الجنسية!

ويصاحب هذه الشكاوى شعور بالقلق لا نستطيع القطع إذا كان هو السبب في الحالة أو نتيجة لأعراضها، وصعوبات في التوافق مع الحياة بسبب طول فترة المرض، وقد يتم تشخيص الحالة بواسطة الأطباء بمجرد الاستماع إلى شكوى المريض وفحصه سرياً أو يتم اللجوء إلى التحاليل الطبية إذا كان هناك ما يدفع على الاعتقاد بوجود مضاعفات أخرى إذا كان المريض يشكو من نزيف دموي مع الإخراج أو آلام شديدة أو هزال، وهنا يمكن البحث عن مشكلات عضوية باطنية باستخدام الأشعة أو المنظار حتى يتم التوصل إلى التشخيص السليم.

 

أسباب الإصابة:

قبل أن نذكر الأسباب المحتملة للإصابة بالقولون العصبي علينا أن نعلم أنّ الأمعاء الدقيقة والغليظة (القولون) تعتبر من أكبر أعضاء الجسم حيث يصل طولها معاً إلى 10 أقدام من العضلات الملساء التي يتحكم في حركتها المستمرة الجهاز العصبي الذاتي دون تحكم إرادي مباشر من جانب الإنسان في ذلك، وفي حالة مرضى القولون العصبي يحدث اضطراب في الحركة التلقائية للأمعاء مما يؤثر على سير محتوياتها من الطعام والخلل في وظيفتها، ويحدث ذلك عقب التعرض للضغوط النفسية التي تؤثر بدورها على الجهاز العصبي، وهنا تتأثر أعصاب القولون التي تقوم بوظائفها 5 ملايين من الخلايا العصبية توجد في جدار الأمعاء وتتصل مباشرة بالجهاز العصبي، ونتيجة لهذا الخلل تحدث الأعراض التي يعاني منها مرضى القولون العصبي.

وقد تبدأ الأعراض بعد مشكلة صحية تؤثر على الجهاز الهضمي، أو لدى السيدات عند الإصابة ببعض الأدوية، أو الإفراط في تناول القهوة والموالح وبعض منتجات الألبان، أما الأسباب النفسية فإنّها توجد في غالبية الحالات بصورة واضحة في صورة القلق أو الخوف أو مواقف الحزن الشديد، وقد يصاب أكثر من شخص في الأسرة الواحدة ليس بسبب الوراثة ولكن نتيجة تشابه العادات أو التعرض لضغوط مشتركة، أو نتيجة للصعوبات في ظروف الأسرة وعلاقاتها حيث يعاني ثلثا مرضى القولون من مشكلات أسرية، كما أنّ نسبة منهم تصل إلى 30% فقدا أحد الوالدين بالوفاة أو الغياب عن المنزل.

 

الوقاية والعلاج:

الوقاية أفضل كثيراً وأكثر فاعلية من العلاج في مثل هذه الحالات التي تضمها قائمة الأمراض النفسية الجسدية (السيكوسوماتية)، وتتحقق الوقاية بتجنب الانفعالات السلبية مثل القلق والغضب والكراهية، والتعبير المستمر عن الانفعالات أفضل من كبت المشاعر من وجهة نظر الصحة النفسية، كما أنّ الرضا والتفاؤل وقبول الحياة والإيمان القوي بالله تعالى عوامل أساسية في الوقاية من الاضطرابات النفسية، أما إذا حدث الإصابة بالفعل فإنّ العلاج يصبح ضرورة عاجلة، وكلما بدأ العلاج مبكراً كانت النتائج أفضل، ويتم استخدام الوسائل المختلفة للعلاج باستخدام الأدوية أو بالوسائل النفسية في نفس الوقت للتخلص من الأعراض المزعجة وتحقيق شفاء ثابت ومنع المضاعفات.

وفي حالات القولون العصبي يجب علاج الإمساك باستخدام الملينات الطبيعية مثل النخالة "الردة" أو اللاكتيلوز، وعلاج الإسهال عن طريق الأدوية التي تحد من حركة الأمعاء، واستخدام أدوية مضادة للألم والتقلصات، ويفيد استخدام النعناع في صورة زيت النعناع أو المستحضرات المحتوية على خلاصة هذا النبات في تحقيق قدر كبير من الارتياح لمرضى القولون العصبي، وفي نفس الوقت يجب استخدام بعض المهدئات النفسية للتخفيف من القلق والتوتر العصبي المصاحب لهذه الحالة، وقد استخدمت وسائل أخرى مثل التنويم المغناطيسي، والإبر الصينية أو وسائل العلاج الطبيعي بالضغط بالأصابع في مواضع معينة لتخفيف آلام القولون العصبي، ولا يمكن أن يكون العلاج متكملاً دون جلسات العلاج النفسي لتحقيق شفاء ثابت لمرضى القولون العصبي.

 

الكاتب: د. لطفي الشربيني

المصدر: كتاب عصر القلق.. الأسباب والعلاج

ارسال التعليق

Top