• ٢٤ تشرين أول/أكتوبر ٢٠٢٠ | ٧ ربيع الأول ١٤٤٢ هـ
البلاغ

بناء العلاقات الإيجابية بين الأشقاء

سحر فؤاد أحمد

بناء العلاقات الإيجابية بين الأشقاء
◄علاقات أبنائك في الكبر حصاد ما زرعت في الصغر
التجربة تؤكد أن ما يشجع أو يمنع العلاقات الإيجابية بين الأشقاء هو علاقة كل واحد منهم بك.. أنت
التفكير في مولود ثانٍ لابدّ أن يجرك إلى التفكير في رد فعل طفلك الأوّل ومشاعره تجاه هذا الزائر الجديد الذي سيشاركه اهتمامك، وعطفك. أياً كان موقف طفلك الأوّل لا تنسي أن شقيقاً، أو اثنين، أو أكثر سيجعل حياته أفضل على المدى الطويل، وسيتأكد من ذلك عندما يكبر، لكن مهمتك الآن تنحصر في بذل ما تستطيعينه لكي يحب طفلك الأول شقيقه القادم، وأياً كانت نتائج محاولاتك فلابدّ أن تتمسكي بشده بحقك أن تنجبي مولوداً آخر سواء رضي طفلك الأوّل بذلك أم لا.
كثير من النساء يحرصن على اختيار ما يسمون "الوقت المناسب" لإنجاب طفل ثان، أو ثالث، لكن الحقيقة أنّه لا توجد لحظة مثالية في حياتك، أو حياة طفلك لاتخاذ هذا القرار، وإذا ترددت كثيراً فسوف يخرج الأمر من يديك، وتتجاوزين سن الإنجاب.
يمكنك التعايش مع فكرة مولود جديد عندما يكون عمر مولودك الأوّل من 6 أشهر إلى 15 شهراً، حتى عامين. فالفروق الكبيرة بين أعمار الأشقاء قد تشكل فجوة تحول دون الانسجام التام بينهم، وذلك يتعارض مع حقيقة أن الأشقاء مهمون في الطفولة والكبر معاً، وأنهم جزء من حياتنا، وتراثنا، وتجاربنا.
قد تسقط بعض الأُمّهات تجربتها الطفولية على أبنائها، فتقدر دور الطفل الأصغر أنانية مفرطة: لأن شقيقتها (أو شقيقها) الأصغر كان كذلك.
إنّ حقيقة أنك كنت مثقلة بالأعمال، والمسؤوليات لأنك كنت الكبرى بين أخواتك، وكان ذلك يشعرك بالظلم لا يعني أن جميع الأشقاء الكبار لديهم المشكلة نفسها، أو لدى ابنتك.

ويشيع احتمال أن يكوّن الأطفال الأشقاء من الجنس نفسه والمتقاربين في العمر صداقة حميمة، لكن التجربة تثبت أنّ العلاقات الحميمة بين الأشقاء يمكن أن تحدث رغم اختلاف الجنس، وفروق العمر، ويمكن أن تغيب بين الشقيقين المتتاليين من نفس الجنس. التجربة والواقع يؤكدان أن ما يشجع، أو يمنع العلاقات الجيدة بين الأشقاء هو علاقة كل واحد منهم بك.. أنت.

إعداد الطفل لتقبل وصول شقيقه يبدأ منذ الحمل، ومع إخبارك له بأنّه سيكون له أخ، أو أخت بإذن الله. تجنبي أن تفعلي ذلك بصيغة الاعتذار، أو تقللي من أهمية هذا الضيف القادم، أو تهوني الأمر على طفلك، فتقولي إنّ المولود سيظل بعيداً هناك في حجرته، ولن يشارك طفلك الأكبر في شيء. إذا فعلت ذلك تكونين كمن يخبر زوجته بحبه لها تمهيداً لاستشارتها في الزواج من أخرى.
لا تنسي الطبيعة البشرية لطفلك – ولغيره – فنحن عندما نحب أناساً نريد أن يكتفوا بنا، وطفلك قد يراوده شعور أن احتفاءك بشقيقه القادم دليل على عدم حبك ووالده له، أما إذا كان طفلك كبيراً، ويفهم ما تقولينه حول هذا الضيف القادم فيحتمل أن يتقبل الأمر، وقد تخف وطأته عليه إذا كان يعرف أطفالاً آخرين لديهم أشقاء أكبر وأصغر، وإذا عرف أن اخواله وأعمامه هم الإخوة الذين يحبهم ماما، وبابا.
مهما يكن من أمر، فإن فرصة عدم حب طفلك لمجيء مولود جديد كبيرة، لماذا؟ لأن حياته ستنقلب رأساً على عقب، ولن يعوض ذلك زيادة اهتمام والده به.

بعض الأطفال يحبون المواليد حقاً بما فيهم أشقاؤهم منذ البداية، ولكن الأكثر احتمالاً أن يكون طفلك حائراً متردداً. وكثيراً ما يتساءل طفل ذو عامين قائلاً: ألم يحن الوقت ليغادرنا هذا المولود؟ فإذا ذكّرناه أن أخاه مقيم بصفة دائمة تبخرت سلوكياته المؤدبة على الفور، وقد يرد باكياً: "لا أريده هنا، أريده أن يعود من حيث أتى".

تلقّي بهدوء تعبيرات طفلك عن عدم حبه لأخيه الصغير (أو أخته الصغيرة). وربما لا توجد فائدة كبيرة من مناقشة مزايا المولود ومقارنتها بمزايا طفلك الأكبر، أو مزايا وعيوب أن يكون له شقيق، فالمهم هو صورته في عين هذا الطفل. ومهما يكن الأمر فلا ينبغي أن تدفعي طفلك إلى أن يتظاهر أنّه يحب المولود، ابحثي عن بناء مشاعر حقيقية حتى لو اضطرك ذلك إلى اتخاذ مواقف حازمة مع طفلك الأكبر. فأنت عندما تحمين المولود الجديد من احتمال هجوم غيور فإنّك أيضاً تحمين طفلك الأكبر من المعاناة، واقتراف ذنب الاعتداء.
عندما عليك ألا تكوني مغالية في حمايته. إن طفلاً ذا عام، أو عامين لن يضر اقترابه من المولد إذا عرف أنك لن تسمحي له بإيذائه . ومع طفل أكبر يختلف الأمر: إنّ طفلاً ذا ثلاثة أو أربعة أعوام سيشعر بالأذى الشديد إذا وجد أنك لا تثقين به. كوني لبقة. فمجرد وضع شبكة على مهد المولود ستحميه من اللعب التي يتم إلقاؤها عليه عرضاً، أو عمداً، وستراعي مشاعر ابنك أيضاً. تذكّري أنّ الأطفال والمراهقين ضعفاء أمام سحر المولود – خصوصاً أمام ابتساماته، لذا يحسن بك بمجرد أن يصل عمر مولودك إلى أربعة أسابيع – أن تتخيري اللحظة المناسبة التي يبتسم فيها طفلك الأكبر للمولود، ورتبي ليقوم بذلك من مسافة أقل من قدم. قد يحصل على ضحكة عريضة، وإذا حدث ذلك فهي بداية لتكوين علاقة أشقاء متينة تستطيعين دعمها وتغذيتها.

- آمال عريضة (وواقعية):
يبدو أحياناً أننا نتوقع الكثير جدّاً من أطفالنا. إنك قد لا تستطيعين جعل الأطفال يحبون بعضهم بعضاً، وعندئذ يمكنك فقط أن تطلبي من أطفالك أن يعاملوا بعضهم بلباقة، ولطف برغم ما يشعرون به، وبعد ذلك سيكون هناك مجال لاحتمال نمو الحب.
منى لديها ابنتان بينهما سنتان، وتحلم بمحبة بينهما مثلما كانت تشعر هي تجاه أخواتها في طفولتها. منذ عام عندما كانت البنتان 6 و8 سنوات انتقلت الأسرة إلى بيت جديد، كان للبنتين فيه لأوّل مرة غرفة خاصة لكلِّ منهما. منى كانت تود أن يشترك البنتان في غرفة لتسمع همساتهما، وضحكاتهما. لكن البنتين لم توافقا على التشارك في الغرفة. ولما أجبرتهما أمهما على ذلك، بدأت تسمع أصوات التشاجر، وكل صباح تأتي شكاوى البنتين على الإفطار، وفي حافلة المدرسة، أخيراً انتقلتا إلى غرفتي نوم منفصلتين.
قالت أمهما: إذا لم يريدا أن يكونا الآن معاً، فقد يريدان ذلك مستقبلاً، أو على الأقل ستترك كل واحدة الأخرى في حالها.
مهما تكن مشاعر أبنائك تجاه بعضهم البعض، فالمهم ألا ينتقل سلوكهم السيء إلى المدرسة. لكن البداية عندك في البيت، ولن تستطيع المدرسة أن تنجح بمفردها فيما فشلت أنت فيه، ولذا ينبغي عليك أن تعلّمي أطفالك قبل سن الدراسة أن يراعوا دورهم في الحديث، ويصغوا إلى بعضهم في البيت حتى يفعلوا ذلك في الفصل المدرسي، وألا يرفعوا أصواتهم على بعض.
ويجب ألا يقول طفلك لآخر يا غبي أو يا قبيح، أو يا بدين، أو يركل، أو يضرب، أو يسرق ممتلكات شقيقه.
من المهم أن تعرفي أنّ الأطفال إذا اشتركوا في نشاط ما فمن المحتمل أن يتشاجروا. لذا إذا كانوا يساعدون – مثلاً – في تعبئه بطاقات الدعوة في مظاريف فأعطي كلاً منهم عدة مظاريف للصقها بدلاً من أن تعطي واحداً المظاريف وآخر الطوابع. تذكّري أنّ الطفل في عمر عامين وثلاثة يشعر بالرضا من تظاهره بأنّه يعمل شيئاً كما هو لو كان يعمل فعلاً، لذا يمكن إشغال طفلك بتقطيع التفاح بسكين لعبة بينما أنت تقومين بذلك فعلاً وأنت تعدين العشاء.
في سن ثلاثة سنوات أو أكثر يمكن أن يتعلم الأطفال في البيت القواعد الاجتماعية التي ستكون مهمة لهم في المدرسة.
إنّ علاقات الأشقاء في البيت تحتاج إشرافاً لا يقل عن العلاقات في المدرسة. ورغم أن معظم الأشقاء يحبون بعضهم بطريقة ما، إلا أّن البحوث الحديثة تلمح أن تنمر الأطفال على أشقائهم الضعفاء يعد مشكلة خطيرة تستمر وقتاً طويلاً سيما إذا تجاهلها الوالدان.
ومن قواعد التعامل المهمة في البيت ألا تحاولي استجداء مشاعر أحد أبنائك بتأكيدك له أنّه مفضل لديك، أو لدى أحد الكبار الآخرين، فهذا النوع من المجاملة غالباً ما يكون له أثر سلبي، ويثير القلق بدلاً من احترام الذات.
كوني حريصة جدّاً، وحذرة عند مناقشة أبنائك في علاقتهم ببعضهم، وساعديهم على أن يتفاهموا، وتجنبي أن يسمعك أحدهم تناقشين حال شقيقه مع والده، ولا تقارني أطفالك بأبناء عمومتهم أو أقاربهم، فمن المسيء لاحترام طفلك لنفسه أن يعرف أنّه أقل من "ممتاز" في تقديرك.►

المصدر: مجلة الأسرة/ العدد 54

ارسال التعليق

Top